إسماعيل القريتلي
بعيدا بخطوات عن المزايدات التي ترفض الحوار بتنظيم أو رعاية أو تسهيل أو هيمنة أممية بحجج الكفر والفسوق والعصيان، أو الخيانة وبيع الأوطان، ربما كان جذر الأزمة عند الرافضين “الدوغمائيين” الذين يجرّون ورائهم طوابير الناس العاديين تكمن في انعدام القدرة المولدة لإرادة منتجة لحوار “عملياتي” ينتهي باتفاق أو توافق.
تابعت ولاأزال تدفق “الكليشيهات” و”تنميطات” رافضي حوار الصخيرات التي ربما تسببت في “تلويث” وعي الناس العاديين بعد أن أحالوا خطابهم إلى “ستيريوتايب” لا يبحثون عبره عن التحليل والنظر للمآلات بقدر ما يوجهون بها الناس العاديين بتكرار متسارع للصور والأصوات، ورفع لنبرات الحناجر، بعيدا عن طرح الأسئلة التفسيرية (من وعلى) الصارخين بشعارات “دوغمائية” تمكنهم من قود الناس بمخاوفهم.
قد يوضح “العبثية” التي تسيطر على المتشددين في “التجمعين” ذلك الانتقال من النقيض (التكفير والتخوين) إلى النقيض (الأخوة والوطنية) في موقعهم والتخلص من كل كليشيهات وستيريوتايب مرحلة الرفض “المقدس” واستبدالها بأخرى “مقولبة” تتغني بحب “الكافر والخائن” وتقلب ألقابه من “الازدراء” إلى “التسويد” دون أي مقدمات نظرية علمية أو إرهاصات “روحانية” يمكن الاستناد إليها لتفسير ذلك الانقلاب “الزلزالي” الذي يحدث “ببساطة” بعد أكثر من عام من الاحتراب والرفض المطلق للحوار بحجج “تقدس” الحرب و”تدنس” السلام، فلا تمنح أي مساحة للنقاش. لتنتقل متقلبة إلى التصريح “الطاهر” بأن حل “المعضلة” الليبية لا يحتاج أكثر من بضعة أسابيع.
لم أستطع النظر إلى هذا “التحول” (عملية ميكانيكية مثل تدوير عجلة القيادة في السيارة) وليس “التغيير” (هو نتاج عمليات مراجعة عقلية وتبصر حدسي يبحثان في تأثير مسارات الواقع على مآلات الحاضر والمستقبل) في “موقع” (وليس موقف؛ فالموقف نتيجة عمليات عقلية منطقية والموقع هو انتقال حسي للكتلة) الرافضين بالأمس للخندق المقابل المهللين له اليوم على أنه مراجعة موضوعية نتجت عن تبصر “مخلص” وتعقل موضوعي.
في المقابل هناك حوار استمر أكثر من عام ناقش المشاركون فيه مخرجاته واختلفوا في تفاصيله حتى نتج عنه سبع مسودات. الأمر الذي يعكس حجم النقاش ومساحة الاختلاف التي اتسعت قبل أن تضيق نسبيا لتنتج المخرجات الحالية. ولذا اعتبره الدكتور علي الصلابي اجتهادا. لكن يأتيك كلام عبثي يقول إن هذا الحوار جاء بفرض من الأجنبي. لينتج عنه كليشيهات جديدة وربما بعض “الشتاوات” الداعمة لبروباغاندا الرافضين المنقلبين.
الآن بدأنا نشهد ملامح عبثية “هجينة” تستخدم نفس الوجوه وذات الشاشات وعين الساحات، وسيتم تحريك دفة الفتاوى من جديد، وضبط نبرات الخطباء، وإعادة توجيه الأقلام لرفض حوار وقبول آخر دون طرحٍ لأي أسئلة تفسيرية أو الاستناد لنموذج تحليلي يتبصر المآلات ويقدر المصالح الواقعية للناس العاديين بعيدا عن “همهمة” القديسين المتلونين.
التدوينة “العبثية” لرفض “السلام” ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.