طرابلس اليوم

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

النحناح وبرهامي والموقف من الدولة العسكرية

,

أبوبكر بلال الأمين

كتب المفكر الإسلامي الدكتور حاكم المطيري مقالا عما أسماها الثورات العربية الموؤودة في تسلسل تاريخي قد نتفق مع بعض ما أورده وقد نختلف؛ غير أن ثمة نقطة وجب التوقف عندها ونقدها ومناقشتها واستجلائها تتمثل في مقارنة عجيبة بين موقف حزب النور وزعيمه ياسر برهامي من الانقلاب في مصر والإخوان المسلمين وبين موقف الشيخ محفوظ النحناح والإخوان من الانقلاب على جبهة الإنقاذ الإسلامية التي كانت تحكم الجزائر.

حيث شبه الدكتور المطيري الموقفين وقارن بينهما ذاكرا أن كليهما اصطف مع الدولة العسكرية والانقلابيين.

لم يراع الدكتور المطيري القاعدة الفكرية التي ينطلق منها حزب النور السلفي كما لم يراع القاعدة التي ينطق منها الشيخ محفوظ المتمثلة في فكر الإخوان المسلمين، ففي حين يؤمن حزب النور ـ الذي تبنى الديمقراطية حديثا بعدما كان يرفضها سابقا ـ مبدأ إمامة المتغلب، فإن الإخوان يقبلون الديمقراطية ويؤصلون لها ويصنفونها تحت باب الحكمة التي هي ضالة المؤمن أو تحت المصالح المرسلة التي يستفيد منها الناس في تسيير شؤونهم الحياتية.

لذلك فإن حزب النور لما قبل الدولة العسكرية في مصر واصطف خلف الانقلاب وظهر زعيمه مع قادة الانقلاب كان منطلقا من قاعدة الإمام المتغلب ومن خوف اندلاع الفوضى والفتنة في مصر.

أما موقف الإخوان في الجزائر فإنه لم يأت مباشرة بعد حدوث الانقلاب على جبهة الإنقاذ الإسلامية ولم يظهر مؤيدا لها كما ظهر حزب النور الذين أضفوا الشرعية الدينية على انقلاب مصر؛ فهو لم يتخذ موقفا كهذا إلا بعد أن ثبتت بعض العمليات الإرهابية التي قام بها بعض من عناصر جبهة الإنقاذ والتي كان من بينها اغتيال نائب الشيخ محفوظ النحناح.

جدير بالذ كر أن تركيبة جبهة الإنقاذ تختلف عن غيرها من الجماعات الإسلامية فهي خليط ما بين مشارب واتجاهات عدة من السلفية الجهادية، وغير مستبعد أن يقوم عناصر من هذا الاتجاه أو ذاك بعدد من العمليات الإرهابية المحرمة شرعا، ولذلك فإن الدكتور المطيري لم يراع هذه التركيبة حيث قاده ذلك إلى رفض كل الاتهامات التي وجهت إلى جبهة الإنقاذ وأن كل الأحداث الدامية التي جرت في الجزائر هول من أمرها وصور للرأي العام العالمي في الصحافة والإعلام الدوليين أن الجبهة هي من تقف وراءها.

لا ننكر أن ثمة أعمالا إرهابية قامت بها مخابرات الجزائر واتهمت بها الجبهة كأسلوب مخابراتي معروف وهو ما أورده الكاتب الجزائري الضابط في الجيش الجزائري الحبيب سويديه في كتابه: الحرب القذرة، لكن أعمالا مثلها قامت بها عناصر من جبهة الإنقاذ الإسلامية وهو ما أورده الكاتب في الكتاب نفسه، لذلك كان من الواجب شرعا إدانة واستنكار هذا العمل وإن صدر ممن كانت مرجعيته إسلامية.

غني عن القول إنه لا ينبغي أن تأخذنا العاطفة وتذهب بنا مذهبا بعيدا لنساير أعمالا شنيعة كأعمال العسكر تصدر عن جماعات تنسب نفسها للإسلام ثم لا نخطئها أو ندينها لأنها صدرت من مجموعة ظاهرها الصلاح وتحكيم شرع الله تنادي بحكم الإسلام؛ إذ ليس كل من ينادي بما تقدم ذكره هو في حقيقته كذلك فهو قد يسيء إلى الإسلام أكثر من إحسانه إليه، ولذلك فإن الشيخ الغزالي رحمه الله كان قد حمد الله سبحانه على أن الجبهة لم تحكم الجزائر لأنها لو حكمت لشوهت الإسلام!!.

لو رجعنا إلى الإخوان المسلمين لوجدنا أن من خصائص هذا التنظيم هو الوحدة الفكرية التي تربط بين أعضائه فهو تنظيم تركيبته واحدة وقيادته واحدة منتخبة من خلال الشورى الملزمة وتاريخه وفكره لا يقولان بالعنف وشتى عمليات الإرهاب، وما حدث لهم في مصر وغيرها من الدول من ضربات خير دليل على ذلك حتى وبعد أن حدث انقلاب الثالث من يوليو فإن مرشد الإخوان في مصر محمد بديع التزم السلمية المطلقة وأطلق عبارته الشهيرة على منصة رابعة العدوية: سلميتنا أقوى من الرصاص، وأول من يعلم بذلك هم سلفيو حزب النور الذين لم يقدموا أي دليل على عمليات الإرهاب التي قام بها الإخوان كما لم يطالهم أو يمس أعضاؤهم شيئا من التنكيل أو القتل والتصفية من قبل الإخوان في مصر، بل اتخذوهم حلفاء قبلها في هيآت مصر المنتخبة ولم يلاحظوا عليهم أي شيء من التهديد أو الترهيب أو العنف؛ لذلك فإن المقارنة بين موقفين متباينين في الظروف والتوقيت والأحداث التي سبقت كلا منهما هي باطلة ومدحضة.

كثير تحدث عن أن حزب النور كان صنيعة استخباراتية لذلك فقد استقال عدد من قادته قبيل الانقلاب، يدل على ذلك التحول الذي حدث للحزب فبعد أن كان حزبا يؤمن بالديمقراطية ويشارك في الانتخابات ويدعو الناس إلى التصويت للإسلام انقلب فجأة لينظر للإمام المتغلب وخوف الفتنة التي قد تنجر لها مصر، كما لم يتخذ أي موقف من دماء الأبرياء التي جرت أنهارا في ميداني رابعة والنهضة بل ظل صامتا صمتا يدل على مباركته ورضاه طالما أن الفاعل هو إمام متغلب وجب طاعته ولو جلد ظهرك وأخذ مالك.

لقد اتفق النحناح مع الأطراف المختلفة في الجزائر على موضوع بناء الدولة، على ضرورة ألا ينفرط عقد دولة الجزائر، لم يكن النحناح طرفا حاكما كجبهة الإنقاذ، أو طرفا خاسرا في الانتخابات كجبهة التحرير، لقد كان طرفا ثالثا كغيره من الأطراف التي كانت تملأ الحياة السياسية في الجزائر التي مسها السوء من هذه المجموعات وهددت كيان الدولة واتفق مع غيره على بناء الدولة محافظا على وجود من يمثل الإسلام الوسطي المعتدل مؤمنا بسنة التدرج في الانتقال بالناس درجة وكان له ما أراد.

التدوينة النحناح وبرهامي والموقف من الدولة العسكرية ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “النحناح وبرهامي والموقف من الدولة العسكرية”

إرسال تعليق