عربي 21/أنس أبو شعالة
ها قد أزفت السنة الخامسة من ” إعلان التحرير ” على الرحيل..خمس سنوات عجاف حصدت آلاف الأرواح و أهدرت مليارات الدينارات بحكم الفوضى الناجمة عن صراع سياسي عدمي لا متناهي، هذا ينادي بتطبيق أحكام الشريعة و يعتبرها خطاً أحمراً دونه الموت رغم أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يدين به الشعب الليبي و بعقيدة سليمة و راسخة منصهرة في بوتقة العرف و العادات و التقاليد التي نسجت بخيوطها النسيج الاجتماعي الليبي بالكامل، و ذاك ينادي بالمدنية و الحداثة و أن ما دون نهجه و أطروحته هو ردة عن الحضارة و دعوة إلى الجهل و التخلف في حين أن المدنية تضرب بجذورها في التاريخ الوطني الذي شهد أول جمهورية في المنطقة و عاصر الحضارة الغربية من خلال الاحتلال الإيطالي و الأسفار و خبرة الطلبة و التجار الذين جالوا المشرق بأزهره و شامه و عراقه و مغربه بزيتونته و رباطه، حتى أضحى المجتمع الليبي يتميز بطابع فريد بامتياز، محافظ على ثوابته الاجتماعية المنبثقة عن عقيدته الإسلامية الراسخة و متحرر في تفكيره و تطوره بتطور الحضارة و مظاهر المدنية.
من كل ذلك نستطيع القول أن الصراع السياسي بين الأحزاب و التكتلات ” السياسية ” إن صح تسميتها بالسياسية لا يمكن اعتباره صراعاً أيديولوجياً بمعناه الفكري و لا يمثل انعكاسا لحال المجتمع و ليس من الصعوبة ملاحظة حالة الانفصام بين الطبقة السياسية في صراعها و الطبقة الشعبية التي يفترض أنها تمثل القاعدة لتلك الطبقة السياسية.
يستفاد من ذلك أن الخلاف الحقيقي الحاصل بين الأحزاب و القوى السياسية الفاعلة لا يعدو أن يكون تهافت محموم على الاستفراد بالسلطة دون النظر في جانب الطرح و الفكر و المشروع ولا يراعي خطورة استمرار هذا الصراع على مصير الوطن فالجميع يردد ذات الدعوات و المبادئ و ينشد ذات الأهداف و الأوهام أحياناً و إن اختلف اللحن أو تمايز الإخراج و هذا في رأيي ليس مستغرب حيث أن الحياة السياسية غير موجودة باعتبار أنها كانت من المحظورات من أول يوم تأسست فيه الدولة الليبية قبل نصف قرن و لعله من المفارقات العجيبة أن تشهد ليبيا صراعاً سياسياً في حين أنها لم تعش تجربة سياسية مطلقاً في تاريخ الدولة منذ نشأتها.
استطرادا،، و ارتباطا بمقام الحال فإنه و من خلال تتبع مجريات الحوار الوطني المنعقد في الصخيرات طيلة عام كامل أضنى الليبيين بالانتظار و طول الأمل و بعد مضي زهاء عام آخر على توقيع الاتفاق السياسي، يظهر جلياً أن جولات الحوار المنعقدة في الصخيرات كانت تهدف إلى تحقيق اتفاق “مكتوب” يرضي طرفي الصراع ” و إن كان مرحلياً ” و إهمال ضرورة إطفاء نيرانه المشتعلة منذ سنوات، و هذا ما يفسر استخدام الأطراف المتنازعة للحوار كوسيلة للمناورة و تحسين المراكز و تحقيق بعض النقاط و اعتباره جولة من جولات المصارعة السياسية التي تعصف تجاذباتها بمصير الوطن برمته.
حاصل الأمر أنه علينا الاعتراف بعدم قدرة طرف سياسي بعينه على الاستفراد بالسلطة ولا يمكن في ذات الوقت ممارسة قواعد الديمقراطية لعدم الاتفاق على نموذج ديمقراطي ليبي يناسب الطبيعة الخاصة لليبيا و الليبيين من حيث التجربة و الثقافة العامة و الحاجات الطارئة التي تقلب موازين الأولويات الطبيعية للشعوب و الدول المستقرة و من ثم فلا مناص من جلوس الفرقاء و تجميد العمل السياسي في إطاره الحزبي ” الوهمي ” و الارتكان إلى منطق يتسم بالواقعية و تقبل الآخر و خلع جلباب الوهم الذي جعل كل طرف يعتقد أنه قادر على القيادة و تحديد مصير الوطن بمفرده.
و نستطيع أن ندلل على ذلك من خلال تشكيلة المجلس الرئاسي و تعاطي أطراف الاتفاق مع استحقاقات تنفيذه حيث صارت فصلاً من فصول مسلسل ” المهادنة و المباغثة ” الذي لا تنتهي حلقاته و بذلك انتقلت ساحة المعركة إلى حرم السلطة و رحم الدولة الذي لن يلد إلا انشطارا مؤسساتياً بفعل هذا الصراع السياسي داخل السلطة ” التي يفترض أنها توافقية ” فأصبحت الأطراف المتناحرة تتسلح جميعها بسلاح الشرعية التي انضوت تحته و أضحت السلطة ذاتها ممثلاً شرعياً لهذا الصراع الذي يمزق نسيج الوطن على جميع الأصعدة.
أما المجلس الرئاسي و بهذا الحال فقد بات ممثلاً شرعياً لسلطة الصراع و صراع السلطة، و بذلك يصار إلى حتمية مفادها أنه لا يعدو أن يكون إلا أداة من أدوات المعركة و المناورة بين المتصارعين، و من ثم تستمر الحاجة الملحة إلى توافق حقيقي و موضوعي و الإقرار بواقع المجلس الرئاسي الذي لا يعتبر و الحالة هذه ممثلاً لسلطة الدولة بقدر أنه هجين مفعول به إلى حين.
أخيراً..أعتقد جازماً أن ليبيا بحاجة إلى مصالحة سياسية بين الأطراف المتصارعة و تتويجها بترويكا تقود البلاد خلال مرحلة انتقالية يجب ألا تكون قصيرة حتى تحقق الغاية المستهدفة المتمثلة في إعادة الاستقرار و بناء قواعد الديمقراطية الليبية التي تراعي خصوصية ليبيا جغرافيا و ديموغرافيا و تاريخياً على نحو واقعي يضمن تعافي الجميع من فوبيا التربص و الانقلاب و الاجتثاث، و الهدف المشترك المتفق عليه من الجميع واضح و جلي..ليبيا ولا شي دونها، فإن زالت زال كل شي و لن تنفع حينها لا سلطة ولا غنيمة.
التدوينة ترويكا سياسية مراعاةً للمصلحة الوطنية ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.