المرصد الليبي للإعلام
ذكر مراسل وكالة الأناضول التركية للأنباء من مدينة سرت الليبية سيف الدين الطرابلسي في تقرير، أن الدمار ليس أكثر ما يخيف سكان مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس) من العودة، إنما الألغام، فهي أكثر ما يؤرق ويعيق تقدم قوات “البنيان المرصوص”، فمن بين كل 10 منازل في المدينة، 9 منها ملغمة، والعاشر يستعمله قناصة “داعش” لعرقلة تقدم القوات الليبية.
وأوضح الطرابلسي أنه ما إن بدأت “سرت” الليبية، ترميم الدمار الذي لحق بها إثر ثورة 2011، التي أطاحت بنظام معمر القذافي، حتى داهمتها حرب أخرى؛ تدور رحاها بين قوات “البنيان المرصوص”، الموالية للمجلس الرئاسي في العاصمة طرابلس، وتنظيم “داعش” الإرهابي، هذه المرة يجمع الكل أن هذه الحرب أكثر دمارا، وأشد وطأة على أهل المدينة.
وبين الكاتب أن سرت تبدو وكأنها مدينة أشباح، لا ترى فيها سوى الآليات العسكرية لقوات “البنيان المرصوص”، تتجول بين الركام.
وقال إن حركة الآليات العسكرية تبدو منظمة، أما التحرك إلى مدخل المدينة غربا، حيث خطوط الإمداد، والمستشفى الميداني، أو الدوران حول المنطقة الوحيدة التي مازالت تحت سيطرة “داعش”، “الجيزة البحرية”، حيث يتمترس التنظيم في حوالي 70 منزلا، يخسر منها بعض المنازل بعد كل هجوم لقوات “البنيان المرصوص”.
تاريخ
وأَضاف أن سرت، -التي ينحدر منها معمر القذافي، والتي أصبحت من أهم المدن الليبية منذ صعوده إلى سدة الحكم سنة 1969-، يقول آخر إحصاء للسكان في ليبيا أجري عام 2010، إن المدينة بها 100 ألف ساكن.
كما يقول البعض إنها كانت مدينة الحل والعقد، مدينة المؤتمرات والملتقيات المحلية والدولية؛ التي نظمها القذافي، ألقيت فيها خطابات لكبار الزعماء العرب والأفارقة، فهذه المدينة، التي شهدت ميلاد القذافي ونهايته، كادت أن تكون العاصمة الإدارية (الثالثة) للبلاد، خاصة وأنها تتوسط العاصمة طرابلس، ومدينة بنغازي، عاصمة الشرق الليبي (نحو ألف كلم شرق طرابلس)، لكن الثراء الثقافي والتاريخي الذي تزخر به طرابلس عبر قرون طويلة، لم تتمكن سرت من انتزاعه منها بقرار سياسي، رغم الاهتمام الذي أولاه القذافي لهذه المدينة، من حيث المنشآت والبنية التحتية.
كما شيد فيها القذافي أحد أكبر قاعات المؤتمرات في إفريقيا، والمتمثل في مجمع واغادوغو، الذي دخل الخدمة سنة 1997، بعدما كلف الدولة 150 مليون دولار، واحتضن المجمع في سنة 1999، ميلاد “الاتحاد الإفريقي”، وفي سنة 2010، احتضن المجمع آخر قمة عربية تعقد في ليبيا، غير أن هذه القاعة التي ارتبط اسمها بسرت، تحولت عام 2015، إلى مركز قيادة لتنظيم “داعش” الإرهابي، وشهدت سنة 2016، أشرس المعارك مع قوات “البنيان المرصوص”، وتعرضت إلى قصف مدمر من الطائرات الليبية والأمريكية.
وأصبح مجمع قاعات واغادوغو اليوم، على غرار مختلف أحياء المدينة؛ منطقة عسكرية لا يسمع فيها سوى صوت الرصاص والمدافع وصراخ بعض الجرحى من حين لآخر.
ويقول عدد من سكان سرت، الذين التقاهم الكاتب في “كامبو” مصراتة (مخيم يستقبل عددا من نازحي سرت)، إن سكان المدينة بدأوا منذ نهاية سنة 2014 بالخروج منها، عندما بدأ “داعش” يبسط سيطرته على المدينة شيئا فشيئا.
واستمر النزوح طيلة عام 2015 (أعلن “داعش” سيطرته رسميا على المدينة منتصف العام، بعدما أخفقت قوات موالية لحكومة الإنقاذ في استرجاع المدينة)، وحتى مايو 2016، تاريخ إطلاق المجلس الرئاسي عملية “البنيان المرصوص”، لتحرير “سرت”، غادرت آخر دفعة من سكان المدينة، كي تتحول سرت، إلى ساحة قتال بين “الدواعش” و”البنيان المرصوص”.
وليس الدمار أكثر ما يخيف أهل سرت من العودة، إنما الألغام، فهي أكثر ما يؤرق ويعيق تقدم قوات “البنيان المرصوص”.
تلغيم
ونقل الكاتب عن أحد مقاتلي “البنيان المرصوص” علي بيوض، مرابط في سرت، منذ بدء الحرب ضد “داعش” قوله : إن “داعش، اعتمد سياسة التلغيم من المناطق التي انسحب منها، لغم كل شي هنا، وبشكل خاص البيوت”.
وأوضح أن “من كل 10 بيوت، هناك 9 منها ملغمة، وبيت يستغله التنظيم للتموقع، حيث عادة ما يسمح البيت بتموقع قناص تكون له زاوية نظر واسعة، وتطل على أكثر من شارع”.
ويضيف علي: “هذا أسلوب يعتمده التنظيم لإعاقة تقدمنا؛ ولإيقاع أكبر عدد من القتلى في صفوفنا، وهذا الأمر خلف دمارا كبيرا” في المدينة.
وبين الكاتب أن فرق الهندسة المعنية بتفكيك الألغام، تعمل على تمشيط الأماكن التي ينسحب منها التنظيم، ولكن بحسب علي: “هذا لم يمنع من انفجار عدد كبير من الألغام، ما ينسف البيت كله وبيوتا بجانبه كذلك، و يزيد من حجم الدمار”.
ويروي علي أن “في بداية الحرب، كان التنظيم ينسحب بشكل مستمر، حفاظا على الأرواح، وبالتالي حجم الدمار في المناطق التي انسحب منها بسرعة في المرحلة الأولى قليل، لأنه لم يجر فيها قتال طويل، ولكن مع تضييق الخناق على التنظيم، أصبح عناصره يقاومون بشراسة ولا يتراجعون، ما جعل المعارك أعنف”.
وأشار إلى أن “في كثير من الأحيان يتم قصف المكان الذي يتحصن فيه مقاتلو التنظيم ونسفه بالكامل، هذا ما وقع تقريبا في حي الدولار، وحي الـ700، وسط سرت”.
ويتابع “ثم هناك أحياء أكثر دمارا؛ على غرار أحياء رقم واحد، واثنين، وثلاثة، وهي آخر الأماكن التي انسحب منها التنظيم، قبل التمركز بمعقله الحالي والأخير في الجيزة البحرية، شمالي المدينة”.
وبين الكاتب أن في سرت، ليست المباني وحدها التي دمرت، حتى الأرض لم تعد مستوية، فلا يكاد يخلو شارع في المدينة من حفرة كبيرة، يقول مقاتلو “البنيان المرصوص”، إنها أثار “الدقمة”؛ السيارات المصفحة والمفخخة التي يستعملها التنظيم في استهداف أعدائه.
التدوينة الدمار ليس أكثر ما يخيف سكان سرت ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.