في كل مرة أكتشف أن هناك مشكلة في تعاملنا مع قضايانا تتراوح مابين الإفراط في تحديد الأسباب وما بين الإفراط في وجود هذه الأسباب ، لتتفرع بذلك القضية الى مجموعة أخرى هائلة من النقاشات الجانبية التي لا فائدة منها ، فما تناقلته وسائل الاعلام و صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وانجرت ورائه للأسف جهات الدولة الرسمية من حديث حول ألعاب سحرية تتسبب في استحضار الجن ومن ثم تدفع من يلعب مثل هذه الألعاب الى الانتحار.
لم يأخذ حقه الكافي من النقاش والتحقق بل ذهب النقاش نحو فكرة وجود الجن والأمور الخارقة للطبيعة من عدمها، والعجب أن ننفي وجود مثل هذه الأشياء تحت مسمى العلم ونحن ندين بدين الإسلام ونقرأ القرآن الكريم ونعلم أن هناك سورة كاملة بهذا الاسم “الجن ” و ذكروا في غير موضوع من القرآن الكريم بطريقة تصف قدراتهم و طبيعة خَلْقِهم ولمن أراد أن يعرف المزيد فعليه بقراءة القرآن . لكن هناك مشكلة أخرى تمثلت في تناول قضية الإنتحار من بعد واحد فقط وهو أن “الجن ” وراء مثل هذه الحالات على الرغم من وجود علامات كثيرة واضحة وضوح الشمس بأن الأمر يتعدّى ذلك بمراحل ، ورغم إيماني بوجود “الجن” إلا أنني في قضية ارتفاع نسبة الانتحار الأخيرة بالذات لا أصدق أن الأمر يتعلق بهم .
كيف ونحن نمارس على بعضنا من الأذى ما لا يستطيع عدونا من الإنس والجن فعله ، في زمان قاتلنا فيه بعضنا البعض شر القتال ، ومثلنا فيه بجثث البشر ونبشنا قبورهم ، ما فعله الإنسان بالإنسان على هذه الأرض من اغتصاب وتنكيل وتعذيب ، ما أغتصب من أراض وأملاك و ما فعلناه في أبنائنا من سوء تربية . كيف نستغرب مما يفعله الانسان بنفسه إن كنا نفعل به أكثر من ذلك ، في وقت أصبح فيه وسيلة للكسب والبيع والشراء بكل الطرق والمقاييس فهو سوق تستقبل المخدرات وتستهلكها بكل أنواعها ، وهو شمّاعة ترصد من أجله ميزانيات لمشاريع وبرامج كان من المفترض أن تخدمه لكنها لم تخدم إلا جيب المسؤولين ، أما انت “فالطابور يليق بك” لأنك لا تريد أن تسرق أو تقتل أو تؤذي غيرك كن أنت الضحية .
أما مشائخنا فمنهم والله عجب كبير إلا من رحم الله ، يتحدثون عن ضعف الإيمان الذي يعاني منه المجتمع ليفسّروا بذلك جنوح أفراده للانتحار ، لكنهم لا يستطيعون تفسير ما يقولونه على المنابر وما يدعون إليه من كراهية وتبديع وتفسيق وتكفير و (كل حزب بما لديهم فرحون ) ، لا يدركون أن معظم برامجهم وحلقاتهم أصبحت مخصصة للهجوم على الآخر ، ثم ليستكملوا دورهم من خلال انفصالهم عن الواقع و تكوين “مجتمعهم المؤمن ” بعيدا عن الموعظة الحسنة و تحمل المسؤولية اتجاه هذا المجتمع الذي أصبح يعاني الأمرين .
أعزائي المسؤولين” ما تشارلي” إلا عقول الكثير منكم وتصرفاتهم ، في وقت كان يجدر بكم فيه البحث عن مصلحة الوطن واستقراره استمر كل منكم في البحث عن مصحلته الشخصية حتى طال علينا الأمد تحت وطأة تفاهة أقوال بعضكم ونحن نرى أيديكم تمتد لسرقة أموال الناس وأرزاقهم “فتبّت كل أيديكم ” .
ونحن نعيش هذا الحال المؤسف يجب أن ندرك أننا نعاني وسنعاني الكثير من الأزمات النفسية والاجتماعية على مستوى مختلف الفئات سواء أولئك المشاركين في الحرب من جميع الأطراف أو الضحايا الذين عاشوا في مناطق النزاع أو أولئك الذين تأثروا بنتائج هذه الحرب من أزمات مالية وسوء في خدمات التعليم والصحة ومختلف القطاعات الأخرى ، ووعينا بوجود هذه الأزمات النفسية والاجتماعية هو ما يجب أن نتفاعل معه من خلال الانتباه لأنفسنا ولمحيطنا القريب ونتعامل معه على أسس علمية و طلب العلاج لن يكون في مثل هذه الحالات عيبا ، أما أولئك الذين تسببوا في أذى هذا المجتمع فلا أظن أن هناك علاجا لعقولهم .
التدوينة “ليست لعبة تشارلي…بل هي قسوة الإنقسام والحرب” ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.