طرابلس اليوم

الاثنين، 22 مايو 2017

حوادث السيارات خسائر كبيرة وعجز عن المواجهة

,
أحمد محمد/طبيب وكاتب ليبي
تعتبر حوادث السيارات السبب الرئيسي لوفاة الشباب ما بين 15 و29 عاما حول العالم وتحصد هذه الحوادث أرواح مليون و250 ألف شخص كل عام، وفقا للمعلومات التي قامت منظمة الصحة العالمية بتحديثها في شهر مايو الجاري، من المؤسف أيضا أن 90% من هذه الوفيات تحدث في الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل على الرغم من أن هذه الدول تمتلك 54% فقط من سيارات العالم.
المعلومات التي نشرتها منظمة الصحة العالمية تؤكد إصابة 20-50 مليون شخص سنويا بسبب الحوادث حول العالم ويعاني كثير من هؤلاء من الإعاقة نتيجة إصابتهم، ونحن هنا نتكلم عن العالم بأكمله ولن يفوتنا بأن ليبيا حالة خاصة بالتأكيد بين دول العالم.
أصدرت وزارة الداخلية الليبية تقريرا أدرجت فيه بشكل تفصيلي خسائر الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2017 البشرية والمادية، ومن خلال الاطلاع على التقرير فإن عدد الوفيات نتيجة حوادث السير في الربع الأول من العام الحالي 519 شخصا، إضافة إلى 828 مصابا وقدرت الخسائر المالية بأكثر من 5 ملايين دينار ليبي خلال الأشهر الثلاثة الأولى.
بطبيعة الحال يدرك من يقرأ الأرقام حجم المأساة، فبحسب هذه الإحصائية من المتوقع أن يموت 2000 شخص خلال هذا العام نتيجة لحوادث السير بالنظر إلى أن 519 شخصا لقوا مصرعهم في ربع العام، فإن الحصيلة المتوقعة تساوي 500 مضروبة في 4.
الخسائر البشرية التي تطال في نسبة كبيرة منها الشباب في مقتبل العمر تدق ناقوس الخطر بالتأكيد لا سيما وأن هذه الخسائر تؤثر على الفئة المنتجة وأجيال المستقبل، كل هذا بالإضافة إلى الخسائر المادية التي يتضرر جراءها من يتعرض لحوادث السير إضافة إلى الدولة والمجتمع بشكل عام.
هذه الخسائر المادية تقع جراء تحطم السيارات وتكاليف العلاج وتكاليف علاج أو إعادة تأهيل المعاقين جراء حوادث السير، إضافة إلى ما يفقد من وقت في عمر المصابين أثناء فترة تعافيهم من الإصابة وهذا يطرح سؤالا جديرا بالإجابة: لماذا لا تهتم الدولة بهذه القضية ولماذا لا يهتم المجتمع أيضا بهذه الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي تؤثر بشكل كبير على حياة الناس ومستقبلهم؟ .
أتذكر أنني قرأت عبارة مكتوبة في قسم المرور والتراخيص وهي أن القيادة فن وليست منافسة، وكل الناس يعرفون المقولة الرائجة “القيادة فن وذوق وأخلاق” ولكن في الحقيقة لا يتم تطبيق هذه المقولات ولا يوجد لدينا في ليبيا حس مجتمعي حول هذه الأمور.
عندما تقود سياراتك في شوارع المدن الليبية تلاحظ بشكل كبير أن القوانين تخترق بشكل صارخ، وأن بعض السائقين لا يرضون أحيانا بالتزام قائد المركبة بالقانون، فمثلا عندما تقف في إشارة ضوئية حمراء ربما يكون خلفك شخص يريد المرور على الرغم من لون الإشارة وقد يدفعه هذا إلى إطلاق منبه سيارته مرارا وقد يصل الأمر إلى سبك أيضا.
وعند السير في الطريق بشكل سليم قد يواجهك شخص يقود سيارته في الاتجاه العكسي بشكل خاظئ وعلى الرغم من أنه يعرض حياتك للخطر إلا أنه يمر بجانبك ويعاملك بطريقة تظن من خلالها أنك أنت من ارتكبت الخطأ.
ومن خلال مراقبة تصرفات الناس تجد أن معظم قائدي المركبات في ليبيا يعتبرون أن القيادة منافسة في السرعة والاجتياز، فقد يزعجهم تجاوز السيارات لهم، وربما يحاولون مسابقتها كأنهم في مضمار سباق على الرغم من أنهم في طريق عادية.
ضعف أجهزة المرور والشرطة وقلة المحاسبة وعجز الدولة عن مواجهة هذه المشكلة على المستوى المجتمعي وعلى مستوى البنية التحتية، إضافة إلى ضعف البنية التحتية للطرق وضيقها والعشوائية في تصميم المرافق الخاصة بالطرق، كل هذه النقاط تسبب تزايد الحوادث وتجعل قيادة السيارة في ليبيا مغامرة مليئة بالخطر! ولكن هذه الأمور لا تنفي مسؤولية الناس الذين يخالفون القوانين في التسبب بجزء كبير من الحوادث التي تحصل في ليبيا.
من الممكن تجنب الحوادث الخطيرة من خلال الالتزام بالابتعاد عن القيادة بسرعة وتهور، ومن الضروري أن تتم توعية الناس وتعليمهم طرق القيادة السليمة في جزيرة الدوران وفي الطرق السريعة، إضافة إلى محاسبة مخالفي قوانين المرور لكي تكتمل دائرة الوقاية من الحوادث علاوة على تحسين ظروف الطرق وإضاءتها وزيادة عرضها بما يضمن سلامة الركاب بشكل أكبر.
خلال السنوات الأخيرة يمكننا أن نلاحظ تناقص أعداد الحافلات وسيارات الأجرة، وهذا أمر آخر يزيد من مشكلة السيارات والازدحام، لا سيما وأنه يدل على اعتماد الناس على السيارات الخاصة مما يشير إلى تضخم أعداد المركبات الآلية في الشوارع والمدن الضيقة.
هناك سلوكيات أخرى قد تساعد أيضا في تجنب الازدحام من خلال الابتعاد عن القيادة قدر الإمكان في أوقات الذروة وتأجيل قيادة السيارة في الرحلات غير المهمة إلى أوقات تكون فيها الطرقات غير ممتلئة بالسيارات.
تصرفات سائقي السيارات المنافسة من خلال مزاحمة الناس، والقفز من الحواجز الإسمنتية وعدم الالتزام بالحاجز الفاصل بين جانبي الطريق ربما يشير إلى بعض المشكلات النفسية التي يعانيها الناس في الفترة الأخيرة نظرا للظروف التي تمر بها البلاد مما يزيد التوتر والقلق وإمكانية الغضب لدى الإنسان ولكن هذه الأمور يجب أن تعالج بهدوء، من خلال معرفة كل فرد بأن مخالفة القوانين لا تفيد وأن السرعة والمخاطرة التي ربما تقودك إلى الوصول إلى مرادك في وقت أقصر ربما تعرضك إلى خطر أكبر وعواقب وخيمة.
على كل حال، هذه المشاكل التي تسببها الحوادث والطرق اللازمة للوقاية من حوادث الطرقات هي من مسؤوليات رجال الدولة والمتخصصين ولكن معالجتها يمكن أن تبدأ بشكل فعال من مستوى الأفراد إذا توفر الوعي اللازم بأهمية الالتزام بالقانون وخطورة التهور والسرعة والخوف من المحاسبة في حال تجاوز القوانين التي تنظم المرور.
وبشكل شخصي أرى أن معالجة هذه الكارثة يجب أن تطرح على مكاتب المسؤولين وأن تناقش وتطبق آليات الوقاية اللازمة في أقرب وقت ممكن بغض النظر عن الظروف التي تمر بها البلاد.
“درهم وقاية خير من قنطار علاج” هذه المقولة النظرية التي يراها كثير من الناس مثالية إلى حد كبير، يمكن استيعابها وفهمها بشكل أكبر عند زيارة أقسام ومستشفيات الحوادث في ليبيا التي تحتضن في كل يوم أعدادا كبيرة من ضحايا التهور في الطرقات المتهالكة الموجودة في بلادنا الحبيبة.

التدوينة حوادث السيارات خسائر كبيرة وعجز عن المواجهة ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “حوادث السيارات خسائر كبيرة وعجز عن المواجهة”

إرسال تعليق