طرابلس اليوم

السبت، 20 مايو 2017

فقه المرحلية

,

شكري الحاسي/ عضو الاتحاد العالمي لعملماء المسلمين

إن التصور الإسلامي للحياة، والإنسان معاً  هو تصور حقيقي واقعي يؤمن بالواقعية كأهم الخصائص المركزية لسير الإنسان على الأرض ولا يغفل عنها قيد أُنملة، وذلك لاعتباره  خليفة الله في أرضه . تلك الأرض وما فيها من صعاب، ومنعطفات، ومواقف، وتحديات؛ وفي مقابل الإنسان المزود بأدوات الاستخلاف في هذا الكون الفسيح المترامي الأطراف، والمتنوع  المناخات، والتضاريس، والأجواء ؛ وما يقابلة من تنوع الأمزجة، والأهواء، والأعداء.

كل ذلك يحتم على الدعاة مصارعة الباطل في إطار، وضوء الواقعية الحتمية التي تضغط على نفسية الدعاة، ومن سلك سبيلهم  أثناء الصراع  مع الباطل، وأهله وتتيح  لهم  فسحة، وسعة في الإقدام، والاحجام في معترك الحياة. فجعل لكل مرحلة طبيعتها، ولكل مرحلة خصائصها التي تختلف عن سابقاتها ، وهكذا كان منهج القرآن الكريم في التعاطي مع الأحداث التي تعيشها  الجماعة المسلمة ، والفرد المسلم، والأمة المسلمة ؛فكان القرآن المكي وطبيعته، في الفترة المكية وما يعتريها من مشاق، وصعاب، وتنكيل، واضطهاد للعصبة المؤمنة؛ حين خفف عنها تكاليف التشريعات ، وكل ما هو ظاهر قد يؤدي إلى زيادة معانة تلك العصبة المؤمنة، وأباح لها ما قد يُمنع عنها في مراحل التمكين، والظفر. فحرم عليها فريضة الجهاد-(القتال)- في وقتٍ أباح للضعفاء بل حتى لصاحب الرسالة؛ حق الجوار ، والاحتماء بأهل النخوة، والمرؤة  وإن كانوا جاهليين مشركين، وأجاز لآخرين الفرار بدينهم، وحفاظاً على أرواحهم، وذراريهم.

وبين المرحلة المدنية التي اكتسب فيها الحق جولة جديدة، ورصيداً  ضخماً ؛ فبداءت الشراع تترا، والمطالب في استيفاء الحق تزداد؛ لاختلاف المرحلة التي أصبحت فيها العصبة المؤمنة أكثر قوة، وأصلب عوداً. لهذا كان النسخ  في طبيعة أحكام الحركة؛ متوافقاً لطبيعة المراحل من حيث القوة، والضعف. وهذا خلللٌ كبير ، وإثمٌ عظيم ترتب على إهماله فضائح كبيرة، وتضحيات جِسام كلفت الدعوة، ورجالها أثماناً باهظة !!!!!. نعم إن الخطاب العشوائي الذي لم يميز بين مرحلة، وأخرى، وزمنٍ، وأخر، وعصر، وعصر . خطاب لم يراعِ  الواقعية ، أو تعامى عن مراعاتها (لحاجة في نفس يعقوب قضاها) . إن الجهل بفقه المرحلية، أو تجاهلها في المنهج القرآني أوقع الأمة في  أخطاء كبيرة . حينما تعاملوا مع القرآن على أنه  أجزاء  متناثرة  متقاطعة؛ دون الإنتباه إلى واقعية المنهج القرآني. ولقد تنبه العلامة ابن القيم لهذا المنهج الفريد في آيات الجهاد على سبيل المثال لا الحصر فقال: أوَّل ما أوحى إليه ربُّه-تبارك، وتعالى: أن يقرأ باسمِ ربه الذى خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ فى نفسه، ولم يأمرْه إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه: {يَا أيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} فنبأه بقوله: {اقْرَأْ} ، وأرسله ب {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ثم أمره أن يُنذِرَ عشيرتَه الأقربِينَ، ثم أنذر قومَه، ثم أنذرَ مَنْ حَوْلَهُم مِن العرب، ثم أنذر العربَ قاطبة، ثم أنذر العالَمِين، فأقام بِضْعَ عشرة سنة بعد نبوته يُنْذِرُ بالدعوة بغير قتال، ولا جِزية، ويُؤمر بالكفِّ، والصبرِ والصَّفح. ثم أُذِنَ له فى الهجرة، وأُذِنَ له فى القتال، ثم أمره أن يُقاتِلَ مَن قاتله، ويَكُفَّ عمن اعتزله، ولم يُقاتله، ثم أمره بِقتالِ المشركين حتى يكونَ الدِّينُ كُلُّه لله.

نعم بهذه الواقعية عاش الخطاب الإسلامي يوجه الصحابة في ظل هذه المنعرجات، والمنعطفات. ولعل قائلاً يقول إن هذا المنهج قد تم نسخه بآخر مانزل؛ وهنا الخطأ الفاحش …!!؟ فالنسخ في فقه  الحركة يختلف تماماً عن نسخ الأحكام التي لا ترتبط بالحركة، ولا الواقع في بناء صرح الدعوة، أو بناء صرح الدولة. وهذا ما يؤكده ابن تيمية-رحمه الله- حيث قال: ومما يوضح ذلك أن كل ما جاء من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ ذلك لأن اليهود إذ ذاك كانوا لا يُميزون عن المسلمين لا في شعور، ولا في لباس لا بعلامة، ولا غيرها ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب، والسنة، والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب-()- ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار، والهدى  وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية، والصغار فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك،  ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك  مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة

فأما في دار الإسلام، والهجرة التي أعز الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصغار، والجزية ففيها شُرعت المخالفة، وإذا ظهرت الموافقة، والمخالفة لهم باختلاف الزمان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا…(اقتضاء الصراط المستقيم)

وهذا الفاروق-()- كيف كانت رؤيته في في فقه المراحل، وتعليقه كثيراً من الأحكام ؛  مثل حكم القطع عن السارق في عام المجاعة. وهذا نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة؛ إلا أن فقه عمر، واجتهاده أبى عليه إلا ذلك الفقه، والفهم . وكذلك تعليقه نصيب المؤلفة قلوبهم حين رأى عزة الإسلام، وتمكينه.

فالإسلام حركة إيجابية تواجه الواقع البشري بوسائل مكافئة، وأنه حركة ذات مراحل؛ كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها، وحاجاتها الواقعية. إن حرق المراحل في حقيقته هو حرق لدعوة، والدولة، ولأصحابها.

ولهذا لا نعجب  كيف جعل الحق-تعالى- أن مدار الشريعة دون العقيدة كان على الاستطاعة، والقدرة. قال تعالى: (فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ) التغابن.16…وقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ

ٱللَّهُ نَفساً إِلَّا وُسعَهَاۚ لَهَا) البقرة.286. وكذلك فتح الفقه الإسلامي باب الضرورة، والحاجة، الرخصة، والعزيمة كل؛ ذلك لطبيعة المراحل، والاحوال التي يمر بها الإنسان عبر مسيرته في واقع الحياة.

وختاماً أقول:  لا إنارة بلا احتراق؛ولاعطاء بلاوقود.والمبدعون الجادون فى مختلف المراحل هم ضحايا المراحل من أجل الإنارة *(علي المصراتى).  ولكلٍ أجره حسب مرحلته، وواقعه، ونيته. قال تعالى: (لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ) الحديد.10

التدوينة فقه المرحلية ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “فقه المرحلية”

إرسال تعليق