عبدالمنعم محي الدين/ صحفي وكاتب ليبي
قبل أيام شاهدت لمحة عن الوجه القاتم لمعاملة الأفارقة المهاجرين بسبها، كنت جالسا في بيتي حين سمعت جلبة وصياحا في الخارج، ولم فهم سبب الصراخ والجلبة، فأخرجني الفضول إلى سور البيت، فوجدت كوكبة من الشباب الصغار يتحلقون حول مهاجر إفريقي ويضربونه بكل ما أوتوا من قوة، وقد اشهروا عليه أسلحتهم.
دهشت من المنظر الذي طالما أقرأ عنه في صفحات التواصل الاجتماعي أو أسمع حكاياته من شهود عيان، أو أطلع على تفاصيله في بلاغات مراكز شرطة المدينة، هاهو الآن بكامل تفاصيله داخل سور بيتي، وحتى لا تكتمل هذه التفاصيل طلبت بشئ من الحزم المختلط بالخوف من هولاء الشباب أن يخرجوا بغنيمتهم خارج فناء المنزل، كنت أتمنى ألا تستمر هذه المآساة هنا، فخرجوا حاملين غنيمتهم.
أثناء ذلك كنت أسمع استغاثات الإفريقي بي، لم تفارقني تلك النظرات التي تعلقت بشخصي، كان الإفريقي يعتقد أنني أستطيع مساعدته أو على الأقل التخفيف من حدة المصير الذي ينتظره، ولكنني كنت بلا حيلة أمام شباب مسلحين وفي مدينة كسبها هذا واقعها.
دخلت للمنزل وأنا أفكر في مصيره وأُحدث نفسي لائما أنني لم أستطع مساعدته، حتى سمعت جلبة أخرى خارج السور فخرجت مسرعا، لأجد نفس الشباب وهم واقفين بشكل شبه دائري ، دفعني الفضول لرؤية الشئ الذي يجمعهم وهم في تلك الحالة من الهدوء، فوجدت ذلك الإفريقي مضرجا في دماءه، حيث أصابته رصاصة في رجله وأخرى برأسه، ولا تزال روحه في جسده وهو يئن، وكان المسلحين متجمعين حوله ويحملون أسلحتهم مصممين على إكمال مشروعهم وقتله.
الكثير من الأفكار وردود الأفعال انتابتني ولكنها لم تظهر، تجرأت وسألت رئيسهم لما قتلته؟!!، فرد علي أنه يريد منه سبعمائة دينار وعليه سدادها، فوجدت نفسي أناقشه وأرد عليه قائلا: ولكنك قتلته ولن تستوفي مستحقاتك؟!!!!، فقبض الشاب على الإفريقي المضرج بدمائه وقال له (والله مانك ميت لين تخلصني فلوسي ياعبد!!!!!)، في تلك اللحظة ظهر إفريقي آخر يبدو أنه صديق المصاب، وحاول أن يستعطف المسلحين ورجاهم أن يساعدوه في نقل صديقه للمستشفى لعله يدركه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لم يوافق المسلحون طبعا ووجدوا فرصتهم في ذلك الصديق الخائف وألزموه دفع ما على صاحبه إذا ما أراد إسعافه، فوافق وحملوا المصاب والدماء تقطر من رأسه إلى السيارة، لا ليسعف ولكن لنقله إلى مكان سكنه ليستوفي ما عليه من مستحقات لمن أطلقوا عليه النار، وللمرة الثانية تعلق صديق الإفريقي المصاب بي، وتوقع أنني أستطيع المساعدة، ولكن هذا لم يحدث ولن يحدث طبعا.
عدت للبيت وأنا في غاية الدهشة، لم أتوقع أن أعيش هذه التراجيديا بنفسي أبدا، علمت صباح اليوم التالي أن الأفريقي المصاب فارق الحياة ورُميت جثته في مكب القمامة الرئيسي بالمدينة.
تلك الحادثة جعلتني للحظات أقف بشكل مباشر أمام ذلك العالم السفلي من القتلة والتجار والسماسرة، جعلتني أنظر بعين الشفقة حتى على الشباب الذين قتلوا الإفريقي، رأيتُ كيف صغرت أحلامهم وطموحاتهم لتقتصر على إستيفاء مبلغ مالي من شخص قذفه سوء حظه إلى هذه البلاد، من في أعمارهم يفترض أن يكونوا منشغلين بدراستهم وامتحاناتهم، منشغلين بمتابعة أخر أخبار المباريات ودوريات كرة القدم، منشغلين بمشاهدة أحدث أفلام السينما العالمية، وآخر صيحات الأجهزة الذكية، وقد يكونوا منشغلين بالالتحاق بأحد مراكز تحفيظ القرآن الكريم، أو منضمين لأحد جمعيات العمل المدني والخيري، ولكنهم وبفضل منظومة كاملة من التسيب الأسري وفشل المؤسسات التعليمية وغياب أجهزة الأمن المحلية؛ صاروا آلة موت تتحرك في المدينة وتتسبب في العديد من المآسي التي لا تنتهي.
ومن جانب آخر قصة هذا الإفريقي هي اختصار أو نموذج لما يلاقيه المهاجرون في سبها، الذين يواجهون الموت والرق والتعذيب والاستغلال بكل صوره، فكلما طالت مدة إقامتهم فيها كلما تنوع ذلك الكم من البؤس الذي يتعرضون له، أكاد أُجزم أن أغلبهم صار لا يفضل الإقامة في سبها، فالحياة فيها صارت أكثر تكلفة ومعاناة من الحياة في بلدانهم الأصلية،، فإما أن يهجروها للشمال قاصدين قوارب الموت إلى أوروبا، أو يفكروا في العودة لبلدانهم قانعين من سبها وليبيا بالسلامة وحسب، وهو ما لمسته عندما تابعت ورصدت مشاعر الأفارقة الذين عادوا ضمن برنامج العودة الطوعية الذي دعمته منظمة الهجرة الدولية خلال العام الماضي، قبل أن يتوقف نتيجة إغلاق مطار تمنهنت على خلفية الاشتباكات الأخيرة.
وحتى يتقرر مصير الأفارقة المهاجرين، إما سبها أو أوروبا أو العودة لإفريقيا تظل حياتهم في المدينة مهددة، وتظل حقوقهم كبشر ضائعة في مجتمع لم يع أنهم بشر أساسا. أنصحكم بالإسراع في العودة لبلدكم فهي الأفضل الآن لكم مهما كانت.
التدوينة في سبها لن تستطيع مساعدة أحد ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.