طرابلس اليوم

الأحد، 18 يونيو 2017

وسائل التواصل الاجتماعي … نعمة أم نقمة؟

,
أحمد محمد/صحفي وكاتب ليبي
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أهم تفاصيل حياتنا اليومية، معظم الناس يبدؤون يومهم بتصفح هذه المواقع ويستقون الأخبار المهمة والعاجلة منها، كما أن كثيرا منهم يستسلمون لبعض التحليلات والآراء والمعلومات الموجودة على حوائط الفيسبوك وتويتر ويحدث ذلك أحيانا بدون تحري دقة المعلومة أو مصدرها.
بطبيعة الحال يؤثر هذا الأمر على علاقات الناس ببعضهم وعلى الحياة بشكل عام بجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن ما هو هذا التأثير؟ وكيف يمكن أن نستغل هذه الوسائط بشكل جيد وإيجابي؟
في علم الاقتصاد توجد طريقة لتحليل التكلفة والخسائر، وهذه الطريقة ناجحة جدا في توقع نتيجة الاستثمارات أو التجارة وغير ذلك، الأمر يمكن تطبيقه بصورة بسيطة عند التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بحيث نحاول أن نعرف مدى استفادتنا منها وما نستهلكه فيها.
بشكل مباشر أكثر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يستهلك من كل إنسان فترة من الزمن بشكل يومي ومستمر، والأمر نسبي ومختلف من شخص إلى آخر بحسب وقت فراغه وخلفيته الثقافية والمادية وطبيعة عمله.
ولكن قياس الفوائد والخسائر يجب أن يكون بمحاولة تقييم فوائد وسائل التواصل لكل منا مقابل الوقت الذي نقضيه في استخدامها وما يسببه ذلك من خلل على إنتاجية الفرد وأعصابه ومزاجه.
استخدام مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن يساعدنا في الحصول على المعلومات والأخبار ومن الممكن أن يكون الأمر مفيدا في التواصل مع الاصدقاء والأهل أو في الترفيه عن النفس من خلال متابعة الصفحات الطريفة والمنوعة، ولكن هل نستخدم الفيسبوك والتويتر بهذه الطريقة؟
الإجابة واضحة وصريحة ويمكن اكتشافها عند متابعة التعليقات المكتوبة على المواضيع المختلفة في الصفحات العامة، لأن جزءا كبيرا من توجه الناس أثناء التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي يميل إلى العدوانية والهجوم على الآخر، كما أن التحريض على العنف والكراهية ينجح بشكل أكبر من الأصوات التي تنادي بالتهدئة أو استخدام العقل والمنطق.
وفي محاولة للإجابة عن أسباب هذه الطبيعة الشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي في ليبيا طرحت السؤال على أستاذي في مادة الطب النفسي الدكتور علي الرويعي رئيس قسم الطب النفسي في جامعة بنغازي، والذي قال إن الطبيعة الهجومية الشائعة راجعة إلى الثقافة المجتمعية، ولذلك فإن الأمر مختلف من مجتمع إلى آخر، حيث يسود في بعض المجتمعات السلوك اللفظي المهاجم المنتقد الذي قد يهاجم بدون التثبت من المعلومة.
يقول أينشتاين إن الغباء هو فعل نفس الشئ مرتين بنفس الاسلوب ونفس الخطوات مع انتظار نتائج مختلفة ، أتعجب دائما من بعض الناس الذين يكررون نفس الخطأ فينجرون وراء بعض الإشاعات دون تفكير ودون محاولة التثبت من المعلومة ومصدرها، ويكررون الأمر مرة بعد مرة.
الدكتور علي الرويعي يرى أن الإشاعة موقع أو محطة يطرح فيها الناس المحبطون ويرددون فيها كثيرا من التعابير عن إحباطهم وقلقهم وما يعانونه من خلل نفسي، وعندما تنتقل الإشاعة إلى شخص آخر يضيف إليه أجزاء كلامية أو معنوية تتناسب مع ما يود تفريغه من قلق وشحنات توتر لديه، وهذا الأمر يتكرر من شخص إلى آخر.
ولكن الدكتور يقول إن الإشاعة أو الكذبة تفقد مصداقيتها في مرحلة ما وتتضح للناس فتفقد قيمتها وتكشف للناس من خلال بعض الإضافات أو طول المدة الزمنية وانكشاف تفاصيل الحقيقة.
وبحسب الرويعي فإن الناس يميلون إلى تصديق الإشاعات لأنها تعمل على تخفيف التوتر وتفعيل حالة من الارتياح والاستقرار والهدوء الداخلي، لأن الأمر مرضٍ لبعض الناس ويحقق حالة من الاستقرار والهدوء، حيث أن تكذيب الإشاعة يسبب بعض التوتر لدى الإنسان الذي يحس بأنه يحاول معاندة تصديق المعلومة أو التشكيك فيها، ما يسبب حالة من التوتر لدى الإنسان، ولذلك يهرب من الأمر من خلال تصديق الإشاعة للوصول إلى حالة الارتياح النفسي.
وأضاف علي الرويعي أنه يجب على المجتمع أن يصل إلى مستوى جيد من الوعي حتى يتمكن معظم أفراده من التمييز بين الخطأ والصواب أثناء مطالعة الأخبار والمعلومات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى فهم ضرورة التشكيك في المعلومات الواردة بدون مصدر.
لا يستطيع أحد أن ينكر فوائد وسائل التواصل الاجتماعي التي أحدثت ثورة في الإعلام الرقمي خلال السنوات الأخيرة، وأصبح تأثيرها يضاهي وسائل الإعلام الأخرى، ولكن الفكرة هنا تكمن في كمية الاستفادة!! هل نستخدم هذه الوسائط بشكل إيجابي؟ وكم هو عدد المستفيدين من وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل هذه الفوائد كافية لإلغاء الجوانب السلبية الحاصلة جراء استخدام وسائل التواصل؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد الجدوى من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف ولساعات طويلة يوميا.
الدكتور علي الرويعي يقول إن وسائل التواصل الاجتماعي لها أثر جيد على الناس لا سيما وأنها قربت المسافات بين البشر ونشرت المعلومات وجعلت الوصول إلى المعلومة أمرا سهلا ومتاحا ولم تعد حكرا على أحد فقد أصبحت مشاعة بين الناس في كل أنحاء العالم، وأضاف أنه من خلال عمله لا يوجد ارتباط بين وسائل التواصل الاجتماعي والأمراض النفسية.
ولكن من خلال متابعة الأنشطة المختلفة على وسائل التواصل المجتمعي نجد أن السلوك العدواني والتحريض على العنف والكراهية كلها أمور منتشرة وتلاقي رواجا أكبر من المبادرات المجتمعية الإيجابية أو الإصلاحية، وللعلم رأي في الموضوع أيضا، حيث يقول الدكتور علي الرويعي إن الأمر يتعلق أيضا بالثقافة المجتمعية، حيث يطغى في بعض المجتمعات الخطاب التحريضي على حساب خطاب الود والدعوة إلى الخير إذا كانت الثقافة المجتمعية السائدة هي العنف.
ويرى الرويعي أنه من المفترض على الهواة والمدونين في مواقع التواصل الاجتماعي أن يمارسوا الدعوة إلى الخير والسلام والمودة وأن يكونوا ميالين إليها من منطلق مسؤوليتهم الاجتماعية.
المبادرات المجتمعية في ليبيا والتي تنتشر بشكل واسع على مواقع التواصل لا تؤدي إلى نتائج كبيرة مرجوة، وعلى الرغم من نجاح بعضها إلا أنها في المجمل تنجح نجاحا ضئيلا إذا ما قارناها بالرواج الذي تلقاه المنصات الداعية إلى العنف والكراهية.
رئيس قسم الطب النفسي في جامعة بنغازي علي الرويعي يعلل الأمر بافتقار المبادرات المجتمعية الإيجابية إلى الوضوح، ولذلك – بحسب رأيه – يجب أن يتم التركيز على هذه النقطة من خلال توضيح أهداف المبادرات الأهلية أو المدنية الإيجابية حتى تحصل على ثقة الناس والدعم المجتمعي الكافي لإنجاح المبادرات.
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يحتاج إلى ترشيد بكل تأكيد إضافة إلى ضرورة وجود تشريعات وقوانين تضبط استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وهذا الأمر موجود في الدول المتقدمة لاسيما وأنه مطبق أيضا في سياسات مواقع التواصل الاجتماعي التي تكفل حرية التعبير بشكل مشروط وضمن قواعد واضحة.
وفي تعليقه على الأمر قال لي الدكتور علي الرويعي إن المجتمع المدني يجب أن يلعب دورا إيجابيا من خلال محاربة الأخطاء والإشاعات من خلال المتخصصين والمحترفين والهواة بشكل منظم وقوي ومن خلال فرق متخصصة تحاول نشر الإيجابية في المجتمع.
على كل حال، وفي ظل صعوبة وجود التشريعات والحملات التوعوية اللازمة لضبط محتوى وسائل التواصل الاجتماعي بشكل جيد وإيجابي وفي إطار قانوني يضمن حرية التعبير، فإن الأمر متروك للتقدير الشخصي الفردي، ومن هنا فإن مسؤولية الفرد تجاه نفسه ووقته وأعصابه تحتم عليه عدم الانسياق وراء الإشاعات والعواطف والخطابات المحرضة على العنف والكراهية، إضافة إلى تكثيف التوجه الإيجابي أثناء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الذي يركز على التواصل بين الناس والترفيه والتعلم والحصول على المعلومات والأخبار من المصادر المؤكدة.

التدوينة وسائل التواصل الاجتماعي … نعمة أم نقمة؟ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “وسائل التواصل الاجتماعي … نعمة أم نقمة؟”

إرسال تعليق