أحمد محمد/طبيب وكاتب ليبي
المثقف في اللغة هو المتعلم ومن له اطلاع على المعارف، ويقال ثقَّف الإنسان أي أدّبه وهذبه وعَلَّمه، وثقَّف المعوجَّ سوّاه وقوَّمه، المعنى اللغوي للكلمة واضح جدا ويدل على ما تعارفه الناس، ولكن الحقيقة مختلفة قليلا.
فالعالم والمتعلم أو المطلع على المعارف عندما يكون غير قادر على إحداث تغيير في نفسه أو في محيطه، هل يعتبر مثقفا؟ وبمعنى آخر هل تزايد أعداد المتعلمين في أي دولة يعني إصلاح حالها وتحسن أوضاعها؟
في الحقيقة هذه الأمور نسبية بعض الشيء، وذلك لأن ازدياد معدلات التعليم بالتأكيد تساهم في وضع أسس الدولة القوية القادرة على إصلاح نفسها والتأسيس للقيم المجتمعية والقوانين والمؤسسات اللازمة لحفظ توازن الدولة ومنعها من الانجراف نحو الفوضى إضافة إلى إصلاح وتصحيح المنحرف في مجالات الحياة المختلفة التي تؤثر على المتعلمين وغير المتعلمين على حد سواء.
إن زيادة نسبة المتعلمين تساهم في خفض معدلات الجريمة والفقر والمشاكل التي تواجهها الدول المتخلفة، وتثبت الدراسات أنها أيضا تساهم في خفض معدلات زيادة السكان التي تؤثر على اقتصاد الدول وقدرتها على موجهة المشاكل بشكل عام، إذا فالتأثير كبير جدا إنه تأثير يشبه السحر.
إذا طالعنا التغييرات الإيجابية في تاريخ الشعوب والمجتمعات والدول، نجد أن في نهضتها عددا من الأباء المؤسسين الذين قادوا هذه التغيرات فكريا ومن خلال الناس وتفاعلهم مع المجتمع ومؤسسات الدولة بشكل عام، وليس من الضرورة أن تحدث هذه التغييرات التي يقودها هؤلاء بشكل عنيف أو باستخدام القوة، ولكنها بطبيعة الحال تستمد قوتها من الدعم الشعبي والمساهمة في تطور المجتمع بشكل إيجابي يطال مناحي الحياة المختلفة بداية من الأيديولوجيا والأفكار والثقافة المجتمعية وصولا إلى السياسية والصناعة والاقتصاد.
في الحقيقة لا يقاس الأمر هنا بالمؤهل الجامعي أو عدد الكتب التي يقرأها المثقف – القادر على إحداث التغييرات الإيجابية في نفسه وفي الناس – وإنما يتعلق الأمر بمجموعة من العوامل كما قلنا سابقا تجعله مؤهلا لإحداث التأثير الإيجابي وقيادة الإصلاح والتغيير.
يعتقد كثير من الناس أن الأمر في ليبيا مثلا يحتاج إلى شخص منقذ – ربما يكون الأمر صحيحا – ولكنه احتمال بعيد الحدوث، لأن التغييرات المجتمعية تتطلب تفاعلا بين شرائح الناس لإفراز القيادات القادرة على إحداث التغيير الإيجابي، وهذا يتطلب كثيرا من الوقت والجهد والعمل، فالشخص المنقذ أو المصلح لن يأتي من العدم.
إذا نظرنا إلى تاريخ المجتمعات الغربية والشرقية وأزماتها وحروبها، يمكننا أن نستخلص أن هذه القدرات تأتي من رحم الأزمات، ونحن نعلم أن ذكاء الإنسان يقاس بقدرته على حل المشاكل ومن هذا المنطلق يجري اختبار الناس في ظل الأزمة …. والمفاضلة بينهم على أساس الكفاءة في ظل المعاناة تكون أمرا ضروريا، لأن الأزمة ليست مجالا للعب.
إذا نظرنا إلى واقعنا الليبي بشكل خاص، ومن خلال نظرة بعيدة عن العواطف يمكننا أن نستنتج بعض الملاحظات التي قد تساعدنا في فهم المشكلة التي يعانيها المثقف في البلاد، أو بصيغة أخرى “تعانيها ليبيا مع شريحة المثقفين”.
خاصة بعد 2011 ومع الحرية النسبية التي عمت في البلاد لاحظ الجميع انتشار عدد كبير من أصحاب الرأي وكتاب المقالات وغيرهم من النشطاء والساسة وما إلى ذلك ممن يحسبون على الشريحة المثقفة، وعلى الرغم من هذا الانتشار من قبل هؤلاء إلا أنهم لم ينجحوا في إيجاد حلول حقيقية وبلورة مشروع أو إحداث تأثيرات إيجابية على مستوى الأفراد أو المجتمع، وبعضهم لم يكن قادرا على إحداث تغييرات إيجابية في دائرته الضيقة أيضا في اعتقادي على الرغم من مرور ليبيا بأكثر من أزمة.
توجد محاولات كثيرة ويبدو أن جزءا مهما منها منبثق عن رغبة حقيقية في التغيير إلى الأفضل، إلا أن ذلك لم يحدث، ولم تظهر حتى بوادره.
في اعتقادي الشخصي يكمن الخلل في عدد من النقاط التي تتلعلق بالمجتمع وبالمثقفين كل على حدة إضافة إلى الخلل القائم في علاقتهما سويا، فالمثقفون لم يكونوا قادرين على إحداث التواصل الجيد بينهم وبين الناس، لم يكونوا قادرين على الحصول على ثقة المجتمع، وهذا ما يؤدي إلى تكرر خيبات الأمل بعد التجارب الانتخابية، لأن الناس لم يكونوا قادرين على اختيار الأصلح .
وهناك جزء آخر من هؤلاء المثقفين الذين يتمتعون بالقدرة اللازمة للإصلاح والتأثير، يعمل هؤلاء على النأي بأنفسهم عن دوائر المسؤولية والسلطة خوفا منهم من الإخفاق أو الغرق في دهاليز السياسة والسلطة وما تسببانه من مشاكل.
أما الأمر الذي يتعلق بالناس هنا ومرده عدم اكتمال النضوج لدى شريحة من المواطنين خاصة فيما يتعلق بالسياسة، وهو الأمر الذي يجعلهم يخفقون في إحداث التفاعل المجتمعي الذي يفرز القادة .
على كل حال، أود أن أشير هنا إلى أن هذه الملاحظات لا تشمل الجميع بالتأكيد، خوفا من الوقوع في التعميم، ولكن هو الأمر الواقع الذي نعيشه، في ليبيا نعاني من فشل ذريع على مستويات عدة، وهو ما نراه واضحا في تصنيفات المنظمات الدولية التي تقيس مؤشرات الدول.
ومن أجل مواجهة هذه المشاكل باختصار يجب علينا أن نواجه إخفاقنا في التواصل والتفاعل ونعمل على محاولة إيجاد الحل من خلال مصارحة الذات ونقدها على المستوى الفردي والسياسي، وهنا تكمن أولى مراحل التفاعل المجتمعي الإيجابي الذي يساعد على التطور والتقدم والإصلاح.
إحداث التغيير والتقدم أمر عظيم وتاريخي، وهو نقطة البداية التي تقطع عجلة التخلف وحلقاتها المفرغة، وتبدأ تيارا للتقدم يبني بعضه على بعض، ولكن الأمر ليس متروكا للصدفة، ويحتاج إلى عمل ووعي ومحاولات جادة من شريحة المثقفين ومن الناس وصناع القرار.
التدوينة من هو المثقف وهل يوجد لدينا مثقفون في ليبيا؟ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.