أحمد الدايخ/ كاتب ليبي
حدث كبير كالذي مرت به ليبيا في عام 2011 ليس بالأمر الهين في إطار التحولات الاجتماعية والسياسية ، ولا بالبساطة التي يتصورها الكثيـر ، إذ أن تحرك جماهير الشعب على الظلم والقهر والانتهاكات التي كانت موجودة ومـورست على مدى أربعة عقود لابد وأن يكون له عميق الأثر على المجتمع والدولة .
تحولٌ بهذا الحجم والشكل والأثر يجب أن تتبعه عدة إجراءات لإرساء الاستقرار في المجتمع وتجنب حالة الارتباك أو الدخول في فوضى وحروب أهلية ، لذلك كان ما اصطلح على تسميته بالعدالة الانتقالية حاضراً في مثل هذه التحولات في محاولة لفرض آليات وإجراءات يتحصل من خلالها تفعيل العدالة في المجتمع وضمان عدم تكرار تلك الانتهاكات التي كانت تحدث ، فهي ليست إجراءات انتقامية بقدر ما هي إجراءات احترازية تكشف الحقيقة وتشكل الوعي العام لصالح قيم العدالة و القانون .
وترسخ بذلك ثقافة المسؤولية والمحاسبة لدى الدولة ومؤسساتها وكذلك لدى الأفراد ، الأمر الذي يستلزم إرادة سياسية قوية تلغي كل الحسابات والخصومات من أجل دولة الحق والعدل .
ولكن شهد المسار الانتقالي للمجتمع الليبي حالة من التعثر الشديد بل سرعان ما دخلنا في أتون حرب أهلية وعجزنا عن التأسيس لمرحلة انتقالية تكون العدالة وكشف الحقيقة أهم ركائزها وأعمدتها ، وهذا يقودك للاستفهام عن السبـب ..لمـاذا فشلت العدالة الانتقالية ؟ أو لماذا لـم نستطع التأسيس لعدالة انتقالية ؟
إن الهوة التي تركها نظام القذافي بسبب الانتهاكات الجسيمة كبيرة جداً بين المتورطين فيها وبين الضحايا المتضررين منها ، مما جعل هذه الهوة تلعب دوراً كبيراً في توجس وقلق الجناة مخافة ردة الفعل التي ستحصل ، إضافة إلى ماهو موجود في ذاكرتهم القريبة عن تغير الأنظمة والحكام والانقلابات والثورات وما يلحق أصحاب النظام السابق من ضرر جراءها ، مما جعل الأنظار كلها تترقب انطلاق لحظة العدالة الانتقالية ، وكيف تكون ? وكيف ستتعامل مع الجميع؟
ولكن للأسف الشديد كانت الانطلاقة فوضوية بعض الشيء ولم يتم احتكار مفهوم العدالة الانتقالية والمصالحة بيد لجنة أو هيئة تبدأ بفرض مفاهيمها وآلياتها بحيث تبدأ غالبية الأطراف بالاطمئنان لمجريات الأحداث والأمور، ولكن انفلت الأمر بصورة أقرب للشعبوية فالناس تتكلم بما شاءت ، والإعلام أيضاً يشرق ويغرب وآخرون يتوعدون ، وأطراف تدعو للتسامح ونسيان الماضي !! في حين بدأت لجنة التعويضات تسابق الزمن بصرف الأموال لبعض المتضررين بالعمل دون استكمال الخطوات الأولى للعدالة الانتقالية من كشف الحقيقة ومساءلة الجناة والاعتراف بالأخطاء وإصلاح المؤسسات ، وكان التعامي عن الخطوات الإجرائية للعدالة الانتقالية له أثره الواضح في واقع البلاد ، ولا أدل على ذلك إلا دعوة كثير من الليبيين بصوت عالٍ إلى ضرورة تفعيل السجون والاعتقالات لمن كانوا سجناء رأي في عهد القذافي وأن ما كان يفعله في حقهم يستحقونه ، وهذا دليل على عدم رسوخ قيم العدالة الانتقالية في الوعي العام ، كما أن من شأن الضحايا أن يفقدوا الثقة في الدولة ومؤسساتها بل في المجتمع بشكل عام ، وهذا للأسف ما حصل في السنوات الأولى لسقوط نظام القذافي .
أيضاً لم يفرق الثوار والمتصدرون للمشهد الإعلامي والسياسي بين من عَمِل في نظام القذافي بشكل إدراي فقط ، وبين المتورطين في جرائم ضد الشعب أو ضد ضحايا بعينهم ، ووضعهم جميعاً في سلة واحدة ، مما جعل الغالبية من الشعب يتخوفون مما لو تحولت هذه التصريحات إلى إجراءات قد تؤدي إلى إقصائهم ، مما جعل شرائح وواسعة من الشعب تبدأ في رفض فكرة العدالة الانتقالية ، بل رفضت مشروع الثورة من الأساس وبدأت كقوة شعبية تعمل لصالح ثورة مضادة ، إن حالة الاستعداء التي تحصل في بداية أي تحول أو انتقال أبداً لن تكون في صالح مشروع التحول والانتقال ، كان مما ذكره القس توتو في مذكراته عن مصالحة جنوب أفريقيا أن قوات الأبارتايد ما كانت لترضى بالمصالحة لو أنهم عرفوا أن وضعيتهم في نهاية المفاوضات ستنقلب رأساً على عقب لأنهم لازالوا مسلحين وقادرين على تخريب مسار العدالة .
وكلامه هذا يدل على موازنة دقيقة يجب أن يقوم بها من يشرف على العدالة الانتقالية تتعلق بـالـتعـارض الـذي قـد يحصل بـيـن مـبـادئ حـقـوق الإنـسـان و انتظـارات الضحايا من جهة، وإكراهات السياسة وتعقيداتها من جهة أخـرى .
لم توكل أعمال العدالة الانتقالية إلى جهة محايدة نوعاً ما حتى يطمئن الجميع ولا تحسب على أنها طرف صدامي بل هي وسيط محاور ومـدافـع قـوي عن كرامة الضحايا وقيم الحقيقة والإنصاف والمشترك الإنساني ، لأن جعل ملف العدالة الانتقالية في يد النظام قد يجعلها انتقائية ويُمكن السلطة الموجودة من المنح والمنع فبذلك لا تحقق المرجو منها .
وظهرت الخصومة السياسية في أعلى مستوياتها ومتمثلة في مقترح قانون العزل السياسي الذي شمل الجميع ولم يستثني أحداً والذي يتنافى هو نفسه مع روح العدالة.
هذا ومما يجدر الإشارة إليه أن الثورة المضادة لم تولد من هذا الملف ، ولكنها تبنته كأحد الأدوات وأثارت حفيظة الناس تجاه الثورة وكل ما صدر عنها ، بل كانت ملزمة بتشويه هذا الملف خصوصاً وأن خصومها من الإسلاميين هم أكثر فئة تدخل في عداد الضحايا ، فخافوا من انتفاع الإسلاميين والثوار عموماً من عوائد العدالة الانتقالية سواء المادية أو المعنوية .
وفي نهاية الأمر لم توضع العدالة الانتقالية في نصابها الصحيح ولم يوسد الأمر إلى أهله بل خضع للتجاذب والأخذ والرد ، إن العدالة الانتقالية هي لحظة تاريخية نهضوية تحمل قوة معنوية انبعثت من تداعيات وتحديات مجتمعية وأتت في مرحلة الانتقال من الاستبداد إلى المدنية والديمقراطية ، هدفها تحقيق السلم الاجتماعي والاستقرار والتعايش بين فئات وشرائح وطوائف المجتمع .
التدوينة لماذا فشلت العدالة الانتقالية في ليبيا ؟ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.