عبد الفتاح الشلوي/ عضو المؤتمر الوطني العام السابق
رغم أن علاقة الليبيين بالدولار تأرجحت بين الود والتأزيم منذ سنين عديدة، إلا أنه ما زال يشكل بوصلة الحياة الاقتصادية في صورتها الاجتماعية البسيطة غير المركبة، لم يكن الدولار مهمًا يلعب ذات الدور أواخر الستينات والسبعينات، فقد كان متاحًا بالبنوك المحلية، ميسر الحصول عليه، بل كان الليبي يُرجع ما فاض عنده من دولارات للبنك بمجرد وصوله أرض الوطن سواء من رحلة الحج أو العلاج أو السياحة ونحوها.
مع حلول فترة الثمانينات بدأ الدولار يعلو شأنه بالسوق الليبي، وموضع اهتماع شعبنا، الأمر الذي جعل من سلطة سبتمبر تتخذه خافضًا لغلاء الأسعار، ومسكنًا للأوجاع الاقتصادية، ولكسب رضى المواطنين في بعض الأحيان.
فقد عمدت سلطة سبتمبر لمنح أرباب الأسر الليبية قيمة محدودة من النقد الأجنبي وفقًا لكتيب خاص بصرف العملة الأحنبية، حتى وإن لم تستمر الفكرة بجانبها العملي المباشر إلا مرة واحدة فقط، لكنها مؤشر واضح على أن سلطة ذلك الزمن كانت تعرف الدور الذي يلعبه ذلك الساحر في حلحلة المختنقات الاقتصادية وفي زيادتها أيضًا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن معمر القذافي طالما وعد الليبيين بمنح كل أسرة (10000 $) نصيبهم من ثروة المجتمع كما كان يقول ولم ينفذ، وظلت الفكرة كامنة يتطلع لها الليبيون من استشراق عيد ثورة سبتمبر والتي غالبًا ما تذهب أدراج الرياح.
لقد شكل العام 2017 على وجه التحديد نموذجًا سيئًا في حياتنا وقد تحالف مع شح السيولة وغلاء الأسعار، فقد كانت طوابير الشعب أمام المصارف مؤلمة لكل صاحب قلب يتوجع لأجل الآخر، ولكل صاحب ضمير لا يمر عليه مثل هذا المشهد مر السحاب.
كان صعود العملات الأجنبية مخيفًا، وكان هبوط قيمة الدينار الليبي يلقي بتبعاته على المحتاجين والمعوزين، سواء لتوفير احتياجاتهم المعيشية أو لغرض العلاج والسفر والسياحة .
لم يكن أمامهم سوى الخضوع لهذا الضغط الاقتصادي المربك، واستسلامهم لضربات السوق الموازي، وترقيع الخط الواصل بين واقعهم الاقتصادي ومتطلباتهم اليومية، فقد طال الغلاء كافة مناحي الحياة، وحلت علينا طامة سرطانية معززة بفتوى شرعية متمثلة بإباحة الفارق المُثقل بين الدفع بالنقد والدفع بالصكوك، لقد استنزف ذلك ما توفر للناس بحساباتهم المصرفية جراء شح السيولة، فأصبحت المعاملات تفتقد جانب الرضى والتراضي بين البائع والمستهلك ولكلٍ مبرراته .
كانت المفاجأة خلال الأسبوع الماضي عندما أخذ الدولار بالهبوط المفاجئ وتلقى البعض ضربات قد تؤدي لإفلاسهم ، وسرت شائعات منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضرب عبر وكالة أنباء قالوا، حيث لم يصدر من الجهات المعنية ما يفسر هذا التهاوي، لكنه يدحض ما يسمى بالسوق الموازي، وهى فرية حقيقية أشبه بكذبة أشعب الطماع، حيث أن الفجوة بين السوقين — الرسمي والموازي — لا تتعدى دراهم معدودات بالمنافسة بينهما .
ومن المؤكد أنه يمكن لأهل الاختصاص أن يستغلوا هذا الحدث والذي يخرج عن أبجديات منطق السوق الاقتصادي بأن يوظفوا خبراتهم في ضبط إيقاع سوقنا الاقتصادي، وقطع الطريق أمام استهداف الدينار الليبي وبالتالي أضحى الدفاع عن المواطن الليبي وحمايته أمرًا مهمًا وحمايته من الأنامل الغليظة التي لا تعرف إلا طريق الربح فقط، ولو عبر قطع ودجي أعناقنا وليّ رقابنا في غير اتجاه قبلتنا .
إن حاجتنا لعملية إصلاح اقتصادي تؤيدها مسألة التناقض التي قابل بها الليبيون صعود قيمة الدينار الليبي وهبوط قيمة الدولار، فقد فرح البعض لذلك وحزن آخر لذات السبب، ومرد ذلك للدورة الثانية من منح أرباب الأسر 500 $ وممن تأخر صدور بطاقاتهم المصرفية الخاصة بالعام 2017، والطلبة الدارسين بالخارج، والموظفين بالخارج وكل من يتقاضى رواتبه بالعملة الصعبة، فمثلًا جنت بعض الأسر أرباحًا من فرق العملة، وطالها انتعاش اقتصادي، رغم أن هذا الفرق تطحنة الأسعار المرتفعة في كل شئ، إلا أنه يبقى مالهم وحقهم الأصيل للتمتع بثروتهم والعيش بحرية وكرامة، ويمكن لأصحاب القرار تطوير الفكرة حتى تكون ذات مرود انتعاشي أكبر.
التدوينة خذلان الدولار ووفاء الليبيين ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.