طرابلس اليوم

الاثنين، 5 فبراير 2018

البيضاء مدينة الاعتدال والتعايش

,

عبد القادر الاجطل/ صحفي وكاتب ليبي

الظاهرة الاجتماعية في تركيبها وعمق دوافعها وكثرة وتداخل المؤثرات فيها لا تسمح بالتعجل والتعميمات المستسهلة لرمي الآخرين بالأوصاف المعلبة والأحكام المسبقة. والاجتماع الإنساني لا ينساق خلف أدعياء المعرفة المغرمين بمطاردة الأمل وبث الدعاوى العريضة الفارغة الباعثة على فقد الثقة في الناس وإدعاء أنهم لا خير فيهم ولا رجاء يعلق عليهم.

ما جعل هذه المقدمة ضرورية في هذا المقال هو الأحكام التي يصدرها البعض على المدن والقرى بالضلال والمروق والنفاق في استسهال غريب يشي بعمق الأزمة التي نرزح تحت وطأتها.

وفي هذا المقام أتحدث عن مدينة البيضاء عروس الجبل وعاصمته وحاضرته الحديثة التي أسسها الملك الراحل رحمه الله مطلع خمسينيات القرن الماضي.

أتيت البيضاء الجميلة ذات مساء من عام 1975 قادما من بنغازي العريقة صحبة والد حلب الدهر أشطره وخبر الحياة وعرف أهلها وكان قد شارف حينها على الستين، وأم رؤوم تجاوزت الأربعين بعام أو عامين، وأخ سبقني إلى الدنيا وكان لي معينا ونصيرا طوال مرحلة الطفولة والصبا والشباب، دخلتُ البيضاء وقد سبق حبي لها سكني فيها حيث تعودت زيارتها كل صيف أتمتع بجوها المعتدل وهوائها العليل وخضرة غاباتها الدائمة. طفولتي الأولى كانت بين بيتنا بحي بوقرين ببنغازي وبين مدرستي البشائر والشورى وبين مسجد الطياش وكلها كانت في حي بن يونس، وبقية الأماكن التي ارتدتها مع أخي الشقيق مثل المدينة الرياضية بحي البركة، أما الفندق البلدي وبقية أحياء المدينة فقد تجولت فيها مع والدي رحمه الله وأخي حفظه الله.

بنغازي تعني لي مرابع الصبا التي شهدت مولدي وانتقالي من طور إلى طور خلال أكثر من تسع سنوات عشتها بين أحضانها، لعبت وركضت وفرحت وحزنت وغلبت أقراني في ألعابنا الموسمية وغلبوني في شوارعها وساحاتها، صداقاتي الأولى مع رفقاء الدراسة وجيران الحي تكونت في بنغازي.

عندما قرر والدي بالتشاور مع إخوتي الكبار المقيمين في مدينة البيضاء لانتقال من بنغازي نظرا لتقديره أننا نحتاج بعد أن شارفنا على سن المراهقة ومرحلة الشباب إلى قرب إخوتنا الكبار وبقية أقاربنا من جهة والدي الذين يسكنون مدينة البيضاء، عندها تلقيت هذا النبأ بالفرح والاستبشار بالقدر الذي يتناسب مع طفولتي حيث كنت حينها في مرحلة الانتقال من الصف الخامس الابتدائي إلى الصف السادس.

وصلت إلى البيضاء ودخلنا بيتنا الجديد الذي كان في شارع الصفصاف وسط المدينة وكان يعج بالأطفال من عمري وعمر أخي وشرعنا في التعرف على جيراننا الجدد بمختلف الطرق، الصعوبة في التأقلم مع البيئة الجديدة قلل من أثارها قرب مسكننا من بيوت أحد إخوتنا وبعض أقاربنا.

براءة الطفولة أيضا سهلت علينا بناء علاقات وتكوين صداقات مع أقاربنا المقاربين لنا في الأعمار ومع أبناء جيراننا الصغار وعادت الحياة إلى وتيرتها المعتادة سريعا، ودخلنا المدارس واستأنفتُ الدراسة في مدرسة اليقظة القريبة من بيتنا.

عشت في البيضاء الحياة بحلوها ومرها وعايشت الناس فيها في كل مراحل حياتي، وتواصلت معهم زملاء وأصدقاء وبائعين ومشترين وأقارب وغرباء وأصهار وجيران، تعاملت مع الناس في البيضاء لسنوات طويلة وغبت عن المدينة أثناء دراستي الجامعية وعملي في حقول النفط والعمل في بنغازي ثم في طرابلس بعد ذلك وكنت كلما عدت إليها عاودني الشعور الذي لم يفارقني بالأنس والطمأنينة في مدينة البيضاء حفظها الله. سكان البيضاء وضواحيها التابعة لها يتجاوز تعدادهم الربع مليون نسمة وفق إحصائيات 2011 وهم مزيج من عديد القبائل القادمة من مناطق مختلفة في الشرق والغرب ومعهم أعداد من العرب الذين استوطنوا المدينة خلال العقود الماضية، فهي مدينة وليست قرية وما فيها من مدارس ومعاهد وكليات يتعلم فيها أبناؤها وبناتها ينفي عنها وصف الجهالة الذي يرميها به بعض شانؤها، ولعل ما اختطه الملك الراحل لها من جعلها مقرا للجامعة الإسلامية ما جعلها مثابة للعلماء الأعلام الذين تقاطروا عليها واتخذوها مسكنا وبثوا علمهم وسمتهم من خلال الجامعة والجوامع والمعايشة لأهل المدينة، وقد حدثنا الكبار أن جامع بو حليمة وسط المدينة كان يرتاده علماء كبار من الأزهر الشريف وكانوا يلقون الدروس ويجيبون عن تساؤلات الناس، وهو ما  أسهم بشكل ما في نشر العلم والعلماء فيها،  يضاف إلى ذلك ارتباطها بالزاوية السنوسية المعروفة باسم الزاوية البيضاء وهي من أقدم الزوايا وفيها خلوات التحفيظ والقسم الداخلي وجامع الزاوية، بالإضافة إلى عديد المساجد الأحدث التي بنيت ولا تزال تبنى في أحيائها المختلفة بمراكز التحفيظ التي فتحت فيها، مع دور الحركة الكشفية في تربية الشباب وتعليمهم أصول التعامل الراقي والاعتماد على النفس، ونادي الأخضر الذي كان ضمن أماكن قضاء أوقات الفراغ لعديد الشباب خلال العقود الماضية وتعلم مختلف الرياضات وممارستها بإشراف المدربين المختصين، في حين كانت دار الثقافة مكانا للراغبين في القراءة والمطالعة واستعارة الكتب، كما أدى المسرح دورا مميزا في البيضاء وأخرج عديد المواهب من ممثلين ومخرجين.

مدينة البيضاء خلال عهدين عانت من اختلال ظاهر بين النمو السكاني والتوسع العمراني وهو ما دفع كثيرا من الناس إلى البناء خارج المخططات السكنية التي لم تعد تستوعب الزيادة المطردة في عدد السكان هذا الأمر يحمل السلطات مسؤولية تطوير المخططات العمرانية والبنية التحتية بما يستوعب التوسع العمراني الأهلي الموافق للمواصفات المعتمدة لدي جهاز التخطيط العمراني ويوصل الخدمات الأساسية لها، كما أن إقامة المجمعات السكنية الحديثة واعتماد طرق منصفة تضمن عدالة التوزيع للمساكن التي تقيمها الدولة في المستقبل ستكون فرصة لإحداث نقلة جديدة في المدينة ورفع المستوى العمراني والحضاري فيها.

لم يكن أهل البيضاء بدعا من بقية سكان ليبيا ولكنهم جزء أصيل من هذا النسيج الاجتماعي الليبي وما يميزهم هو قدر كبير من قيم التعايش داخل المدينة وقدرة على احتواء الأزمات المتنوعة في أوقات عديدة داخل نطاق المدينة بالعرف والتناصح الاجتماعي.

لست أصور مدينتي على أنها المدينة الفاضلة ففيها عديد المشاكل والأزمات مثلها مثل بقية المدن الأخرى، ولكن وفي الختام فالبيضاء مدينة جمعت بين التوسط في الموقع والمناخ والتنوع الديمغرافي وهو ما انعكس على اعتدال يغلب على أهلها في معظم مظاهر حياتهم وابتعاد عن الغلو والتشدد الاجتماعي والديني وسماحة تميز القطاع العريض من أبنائها دون مجازفة بالتعميم ولا تعسف في التقييم.

التدوينة البيضاء مدينة الاعتدال والتعايش ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “البيضاء مدينة الاعتدال والتعايش”

إرسال تعليق