طرابلس اليوم

الخميس، 22 مارس 2018

تيار الأزمة المستدامة والمفتعلة

,

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

من مسلمات السياسة أن خلق البيئة المستقرة للعمل السياسي والحفاظ عليها أمر يجب أن يسعى لتحقيقه كل الفاعلين والمشاركين في الميدان السياسي، لأن استقرار هذه البيئة وإخلاءَها من أجواء الاحتقان والحِدّة يضمن تكافؤ فرص المنافسة فيها، ويضفي عليها مزيداً من الشفافية والوضوح، ويمنحها قدراً من الثقة والمصداقية، ويفسح فيها مجالاً أرحب للحرية والانفتاح.

ومتى كانت البيئة السياسية متأزمةً ومحتقنة نتيجة الصراع والمغالبة السياسية، فإنها تتّسم بدرجات عالية من الانغلاق والجمود، وتصاب لفترات طويلة بالشلل والركود؛ نتيجة لتعنّت بعض أطراف الصراع، وتمسّكها بمواقفها دون سعي جادّ للحلحلة والبحث عن مخارج وانفراجات، وذلك لأن أي تغيرات إيجابية قد تحدث في هذه البيئة السياسية المتأزّمة تشكل تهديداً مباشرة لهذه الأطراف، حيث أنها ستؤدي إلى خروجها من المعادلة السياسية، أو تراجع دورها وتأثيرها فيها، وعليه فإن استدامة الأزمة وإطالة عمر الصراع هو الاستراتيجية الأنسب لضمان البقاء أطول فترة ممكنة ضمن الدائرة السياسية الفاعلة والمؤثرة في الشأن العام.

وإذا أسقطنا هذا الكلام على الواقع السياسي الليبي اليوم نجده يصدق تماماً على الطرف السياسي المعرقل للاتفاق السياسي، لإن تفعيل الاتفاق السياسي بشكل تام يعني بدء العدّ التنازلي لانتهاء مختلف الأجسام المتكدسة في السلطة، وهذا ما يجعل أبرز المعرقلين وهو مجلس النوّاب يماطل في تضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري ويتهرب من الإيفاء بالتزاماته المترتبة عن توقيعه على هذا الاتفاق، وهو كذلك يرفض إصدار قانون الاستفتاء على الدستور الذي سينهي حالة الفوضى التي أنتجت تكاثر الأجسام والمؤسسات وانقسامها وتصارعها، وعلى الأغلب فإن مجلس النواب لن يقوم بدوره المناط به إلا إذا ضمنت الشخصيات المرتهِنة لقراره – بمَن فيهم رئيسه- أدواراً أكبر لها في مراحل الحل السياسي التالية.

ومثلُ استدامةِ الأزمة وإطالة عمرها اختلاقُها وافتعالُها، وهذا النوع من الاستراتيجية ينهجه الفاشلون سياسياً، فإنّ النهج السياسي القائم على تقديم المشاريع والرؤى السياسية الحقيقية صعبٌ والإقناع به أصعب، وشعارات الوطنية استهلكت وصارت أسمج من أن تجذب أو تخدعهم، لذلك فإن مَنلا يملكون مرجعية سياسية لا يجدون مبرّراً لممارستهم العملَ السياسي إلا باختلاق الأزمات وافتعال الخصوم، واصطناع الأخطار، من خلال آلة إعلامية ضخمة، ودعاية سياسية كاذبة، وواقعنا السياسي في ليبيا يسجل لنا أكبر شاهد على نهج هذا التيار بأكذوبة بيع النفط بلا عدّادات والتي أورثت البلاد أزمة اقتصادية كبيرة لن تتعافى منها بسهولة، وها هو اليوم وفي ظل الحديث عن انتخابات لم تُعلم معالمها بعد، يرفع من وتيرة نشاطه ضمن هذه الاستراتيجية مجدداً ليسرد لنا في منصاته الإعلامية وقنواته الفضائيةقصة الثورة وما تلاها من فشل في العملية السياسية كان هو أحد شركائه مع كل مَن شارك في العمل السياسي، محاولاً التنصل من هذا الفشل وتحميل تبعته ووزره لتيار الإسلام السياسي وحده دون سواه، كعادته في تقديم نفسه البديل الأوحد للمنافس الوحيد في ميدان السياسة.

وهنا لابدّ من الإشارة إلى أن الإسلام السياسي الذي شارك في جولات الحوار التي أنتجت الاتفاق السياسي -رغم أخطائه السياسية-، كان دوماً هو الأكثر مرونة واتزاناً، وأبدى التزاماً كبيراً وواضحاً بنهج الحوار وكان الأقدر على تقديم التنازلات التي كلفته كثيراً من نفوذه ونقاط قوته، بخلاف تيار الأزمة الذي استدعى العسكر واستقوى به وجعل منه رقماً في المعادلة السياسية يصعب تجاوزه وتحييده وجعل الحياة السياسية مهددة على الدوام بسطوة العسكر، وبالعموم فإن تيار الإسلام السياسي باختلاف أطيافه هو الأقل استثماراً للأزمات والأبعد عن افتعالها.

إن تيار الأزمة المستدامة والمفتعلة كما اتخذها مبرراً لوجوده، وسبباً في وصوله إلى السلطة، فإنه لن يقضي عليها أو ينهيها، بل سيكرسها ويرسخها، وربما يوسعها ويفتعل غيرها، لأنها ستكون أيضاً وسيلته للبقاء في السلطة، لذلك فإن الدكتاتورية تولد من رحم هذا التيار، والاستبداد ينشأ ويتربى في حضنه، وما حدث ويحدث في مصر بعد 30 يونيو 2013 خير شاهد على ذلك، فإنه اختلق فزّاعة الإرهاب وبها برّر فشله، ومن خلالها سوّغ لنفسه التنكيل بشعبه وإهدار مقدّراته وتدمير اقتصاده والتفريط في سيادته وأرضه، والعجيب أن تيار الأزمة في بلادنا يستأنس بهذه التجربة ويحاول أن يحتذيها.

التدوينة تيار الأزمة المستدامة والمفتعلة ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “تيار الأزمة المستدامة والمفتعلة”

إرسال تعليق