عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي
منذ تأسيس نواة الجيش الليبي من قوات الجيش السنوسي قبيل نيل ليبيا الاستقلال منتصف القرن المنصرم ، ومر هذا الجيش بمحطات كان فيها أداة استخدام وبهرجة دعائية لا تليق بجيش وطني يناجز عن حدود أرضه ويبتغي صلاح شعبه ، فقبل الاستقلال ومع بدأ تكوين طلائع الجيش السنوسي كانت القوات المسلحة الليبية وقتها رهن إشارة الجيش الثامن البريطاني الذي كانت له اليد الطولى بعيد انتصار الحلفاء على قوات المحور في الحرب العالمية الثانية وطرد إيطاليا من ليبيا ، وذهاب أمر الأخيرة إلى بريطانيا في الشمال وفرنسا في الجنوب حيث لم يكن للجيش الليبي أو السنوسي وقتها دور محوري يذكر في حرب تحرير ليبيا من ايطاليا وقوات المحور وتسليمها إلى رؤوس الحلفاء ، حتى أن بعض المختصين في التاريخ لم يذكروا شهيداً ليبياً واحداً سقط في حرب التحرير فهي لا تخص الليبيين ولا جيشهم .
بقى الجيش الليبي في هذه الصورة إلى أن نالت ليبيا استقلالها مطلع الخمسينيات ، وفي سنة 1955 تكون جيش ليبي صغير الحجم ولا يزيد عدد أفراده عن ألفي جندي وضابط، ثم افتتحت الكلية العسكرية الملكية ببنغازي سنة 1957. و كان الالتحاق بالجيش تطوعياً ، وفي عام 1967 بدأت ليبيا تأخذ بنظام التجنيد الإلزامي حسب سنوات الميلاد بداية من 18 سنة يتم فيها الالتحاق إجبارياً لكل شاب ليخدم في الجيش لمدة 18 شهراً، إلا أن هذا النظام الذى انتدب لإدارته العقيد صالح العزابي لم يطبق بفعل قيام انقلاب سبتمبر 1969 ، ورغم قلة الموارد أنشأت عدة مدارس للتعليم والإمداد الإسنادي، ثم تشكل السلاح البحري في نوفمبر 1962 بقيادة منصور بدر ، و في أغسطس 1963 تشكل السلاح الجوي بقيادة الهادىالحسومي ، وفي سنة 1968 أنشئت وحدة للدفاع الجوي. وهكذا استمر الجيش في عمله والذى وصل عدده إلى حوالي 650 ضابطاً ونحو عشرة آلاف جندي حتى 1 سبتمبر 1969 عندما داهمه الانقلاببقيادة الملازم معمر القذافي ، ليدخل الجيش الليبي مرحلة جديدة تم وضعه فيها من جديد في الواجهة ليكون أداة يستعملها حكام ليبيا الجدد وهم من الضباط أنفسهم .
استمر في عهد القذافي دعم القوات المسلحة الليبية دعائياً ونال بعض الاهتمام صفة حقيقية وأدخله العقيد القذافي في مغامرات غير محسوبة العواقب وأشركه في حروب بعيدة في أوغندا مثلاً ، ودخل في حرب قضت على معظم طاقاته كحرب تشاد ، واستمر القذافي ورهطه في استعمال اسم الجيش في خطاباته واستخدم رمزية لباسه في بهرجته الزعاماتية واحتفظ بلقب العقيد ليسبق اسمه دائماً في إشارة إلى اهتمام غير فعلي ببنية الجيش الليبي ، بل على العكس فبعد أن أدخل القذافي القوات الليبية في حروب استنزاف لقواه وبنيته البشرية وبعد عدة محاولات انقلاب قام بها ضباط من الجيش على نظام الحكم وقتها بحث القذافي عن قوى أخرى يستعيض بها عن الجيش الحقيقي تكون نواة لقوات يكون ولائها الأول والأخير له فأنشأ الكتائب الأمنية والجيوش الطوعية المدافعة عن فكر الزعيم الأوحد بعيداً عن ما لا يفهمه المجند النظامي في الجيش وهو التبعية للشخص ، فهو المدرب والمجند للدفاع عن الوطن وعن حدوده ، وتكفي بعض الإشارات التي استعملها القذافي ضد الجيش كأن جعل صفة المؤقتة مرابطة لاسم الوزارة المكلفة بالدفاع (( أمانة اللجنة الشعبية العامة المؤقتة للدفاع )) وبقيت هذه الصفة ملاصقة له من منتصف الثمانينات وحتى الاطاحة بحكمه في 17 فبراير 2011م ، حتى أن تسليحه لم يكن تسليحاً فعلياً فقد اعتمد الجيش الليبي على الأسلحة السوفياتية في صفقات مشبوهة مع حليفته موسكو فيما أعطيت للكتائب الأمنية المحيطة بالعقيد أسلحة وإمكانيات ومقار أكثر تطوراً .
بعد قيام ثورة السابع عشر من فبراير قام كثير من الضباط في الجيش الليبي بالانضمام إلى صفوف الثورة منذ البدء بل وسبقوا كثيراً من شرائح المجتمع الأخرى ومنهم بطبيعة الحال من تمترس خلف نظام القذافي مدافعاً عنه في ثكناته المتهالكة بفعله لا بفعل جديد وظروف استثنائية خارجية كالناتو أو داخلية كالثورة ، وفعلا انتهى القذافي وبدأ مع الجيش الليبي فصل جديد تمنى الليبيون جميعاً أن يكون دوراً أكثر فعالية ورصانة ولكنه لم ينبئ إلى اليوم بأي منها .
قاد الثوار المدنيون بعض جبهات القتال ضد القذافي وكان معهم بعض من ضباط الجيش الليبي ، ومن هنا بدأت المعاملة الفاترة بين الضباط والثوار فنظرة الثورة والثوار حينها إلى اي رمز يرمز إلى القذافي هي نظرة نفور ورفض داخلي ، فما كان من بعض الثوار إلا أن عاملوا الضباط بالجيش الليبي معاملة سيئة أدت في بعضها إلى طردهم من مقار قيادة العمليات والتعدي على أشخاصهم والتقليل من شأنهم ، وانتقل هذا الفعل وهذه المعاملة إلى الفترة التي تلت الثورة وانتهاء حروب الجبهات حيث مقار الدفاع والجيش الرسمية فوجد الضباط أنفسهم في صراع مع قادة مدنيين يشار إليهم بالبنان على أنهم مخلصوا ليبيا من براثن الحكم الاستبدادي (( أو هكذا كان كثير منا يظن ويطبل !! )) فلم يتمكن بسبب عنجهية بعض الأشخاص من أداء مهامهم في بناء لبنة الجيش الليبي وبناء قوة حقيقة تساند مشروع بناء الدولة المدنية وأدت بعض الحوادث المتفرقة بكثير من الضباط إلى الانزواء في بيوتهم وتركهم العمل الدفاعي بسبب تصرفات غير لائقة في حق ضباط الجيش الليبي بالذات أولئك الذين شاركوا في الثورة ضد القذافي ، فعطل من جديد الأمل في رؤية الجيش الليبي وحل محله الكتائب الفبرايرية التي حلت محل الكتائب الأمنية القذافية .
ظهر على السطح مؤثر قديم حديث في المشهد هو الضابط السابق في الجيش الليبي وقائد عمليات القذافي في حرب تشاد خليفة حفترليضع الجيش من جديد في واجهة مطالباته ويعيد الكرة القديمة في جعل الجيش ومتطلباته واجهة دعائية له يتمكن فيها من حكم ليبيا ، فأوعز إلى الضباط بأنه بصدد تصحيح مسار الجيش والقضاء على الارهاب ، فانضم اليه عدد من الضباط في الجيش الليبي وسرعان ما قل العدد حيث تبين لعدد منهم كذب النية فلقد استقوى حفتر بجانب الضباط بعدد لا بأس به من المدنيين أو ما يعرف بالصحوات أو ما اصطلح عليه رسمياً باسم القوات المساندة للجيش الليبي وهي مجموعات مدنية لا تأتمر بأوامر الضباط في المحاور بل إنها تقود معاركها بنفسها فرجع الشعور الأول للواجهة من جديد فرجع كثير منهم للانزواء مجدداً في بيوتهم بعيداً عن هذه الحرب المعلنة وبقى حفتر يقاتل مع كتائب دينية ومدنية وكتائب أخرى قبلية مع عدد قليل من المقاتلين من الجيش.
أما في المعسكر الثاني والمقابل لقوات حفتر فلم تتمكن طرابلس سواء في عهد حكومة الغويل أو ما عرف بحكومة الثوار أو في عهد حكومة السراج المعروفة بحكومة الوفاق المدعومة من المجتمع الدولي أن تبدأ فعلياً ببناء لبنة للجيش الليبي ولو على استحياء ، فالبرغم من وجود ثلثي ضباط الجيش الليبي في المنطقة الغربية بالإضافة إلى ضباط قد فروا من وجه حفتر وحربه إلا أن أي من حكومات طرابلس لم تتلقفهم وتبدأ معهم خطة عملية محكمة لإطلاق حقيقي للجيش الليبي ، بل على العكس تماماً فلقد أوكلت كل المهام العسكرية والحربية لقوات ثورية مطعمة بضباط من الجيش ولم تقم هذه القوات بأي حرب باسم الجيش بل بأسماء وقتية كحرب حكومة الوفاق الوطني ضد تنظيم داعش في سرت الكبرى وأطلقت على الجيش الذي يحارب هناك اسم جيش البنيان المرصوص إشارة إلى اسم العملية كما أقامت أجهزة أخرى تضاهي عمل الجيش كجهاز الحرس الرئاسي في عهد السراج وجهاز الحرس الوطني في عهد الغويل ، ولم يلتفت أحد إلى اسم الجيش الليبي والقرار بالدفع باسمه نحو التأسيس والأخذ بزمام المبادرة .
في الحقيقة أن الجيش الليبي ومنذ تأسيسه في الطريق الصحراوي القاهرة الاسكندرية لم يتمكن من أخذ زمام المبادرة بالمضي قدماً في تحقيق ما أسس لأجله وهو حماية ليبيا وحدودها وحماية الدستور الذي لم يرى النور إلى الآن وبالتالي حماية النظام السياسي لا حماية الشخص القائم عليه هذا النظام ، وبقى لقرابة قرن إلى الآن مطية للحالمين بالحكم تارة وحاجز قفز للطامعين في تنفيذ أجندات خاصة تارة أخرى ، وأعتقد أن أهم خطوات بناء الدولة وقيام عرصاتها وقوة أساسها هو وجود جيش حقيقي يمتثل للإرادة الوطنية قبل كل شيء بعيداً عن استعمالات يستخدم فيها اسمه لأغراض ضيقة.
التدوينة جيش ليبيا – تاريخ من الاستخدام والإهمال ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.