أحمد الدايخ/ كاتب ليبي
أن يحفظ القرءان الكريم ما يقارب المليون قاريء ليبي هذا ليس موطن الدهشة والاستعجاب ، فهي نعمة نحمد الله عز وجل عليها، ولكن أن يفقد هؤلاء المليون تأثيرهم في المجتمع وفاعليتهم في ترسيخ القيم وتقويم الاعوجاج ، فهذا ما يثير الدهشة ويزيد الحيرة .
وكذلك عندما تُخرّج الجامعات مئات الآلاف من الأطباء والمهندسين ومتخصصي الاجتماع والفلسفة ولكن لا تجد لهم أثراً في المجتمع ولا صدى لما تعلموه في مراحلهم العلمية .
بل لم يقف الأمر عند هذا الحد إذ تعداه إلى سوء تصرفات بعضهم ومناقضته للمعرفة التي يتعلمها ويعلمها ، وقد تسوء فعال بعضهم حتى يصبح فرداً غير صالح في المجتمع .
فهذا يُنبي عن عميق أزمة يعيشها المجتمع بصفة عامة تتمثل في الانفصام الذي تعانيه الشخصية عندنا ، انفصامٌ بين الأقوال والأفعال .
قد تكون هي ظاهرةٌ أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر شيئاً وقال { ذاك عند ذهاب العلم ، قلنا : يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرءان ونقرئه أبناءنا ، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة ، قال : ثكلتك أمك يا ابن لبيد ، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة ، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا ينتفعون مما فيهما بشيء } .
هذه الظاهرة والتي ما فتيء النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه بها وهي انقطاع القيم القرآنية عن الواقع الحياتي المعاش ، وهي ظاهرة خطيرة تتمثل في فقدان الأفكار والقيم المعرفية لفاعليتها الاجتماعية .
لقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن تحول المجتمع إلى حالة من الفقر في القيم رغم وجود العلم والمعرفة ، بحيث لا يستفيد _ المجتمع_ من الوسائل التي بين يديه ومنها القرءان الكريم ، وعندما استفهم الصحابة وأخبروا أنهم سيعلمون أبناءهم القرءان وهم سيعلمون أبناءهم ، فضرب لهم مثلاً صلى الله عليه وسلم وهم أهل الكتاب الذين بأيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء ، فهو يشير إلى حالة مجتمعية خطيرة وهي الابتعاد عن تعاليم القرءان وعدم تفعيلها كمنظومة قيمية رغم وجود هذه التعاليم بين أيدينا ورغم كثرة الحفاظ والقرّاء.
هذه الظاهرة لا تتمثل في فقر المعلومات أو اهتراء النظام المعرفي و التعليم وإن كان غياب المعلومة وعدم مواكبة التطور الحاصل في المعارف الإنسانية أحد أوجه المشكلات العميقة والمركبة في منظومة القيم والثقافة لدينا ، ولكن ليست هي الوجه الأكبر والأخطر بدليل أن مشكلتنا هذه قد طالت عدداً لا بأس به من حفاظ القرءان الكريم ، وكذلك لا يمكن استثناء فئة عريضة من المجتمع من الأكادميين والأطباء والمهندسين _ لا يمكن استثناؤهم_ من ذات الأعطاب التي أصابت المنظومة الثقافية والقيمية لدينا .
إن أزمتنا بالدرجة الأولى لم تعد أزمة معارف أو مناهج تعليمية أو أكاديمية وإنما أصبحت أزمة قيم وسلوك ، إذ وجود المعرفة قد يكون متحققاً ولكننا لا ننتفع منها بشيء.
إن الأمر لا يتعلق بأزمة معرفة أكثر من تعلقه بأزمة ثقافة ، وهنا عندما نقول كلمة ثقافة فإننا نقصد بها تعريف مالك بن نبي للثقافة باعتبارها (هي السلوك الجماعي والغنى الذاتي الذي يتواجد على كل مستويات المجتمع ، وهي التي تعطي امتلاك القيم الإنسانية ) .
إن أزمتنا اليوم أزمة ثقافية بالمعنى العميق لمفهوم الثقافة ، أزمة سلوك جمعي و أسلوب عام مشترك في الاستجابة للمواقف ، هذا الأسلوب يتصف بشموليته ويلقي بظلاله على كل فئات المجتمع .
هذا ما يفسر لك تشابه سلوك الأستاذ الأكاديمي في المدينة ، مع ذاك العجوزالأمّي الذي يعيش في الأرياف ، وكذلك لا يختلف عنهم الإمام الحافظ للقرءان الكريم بالمسجد ، فكلهم يتعاملون مع الأحداث اليومية والقضايا المشتركة بذات الأسلوب الثقافي وبنفس الاستجابة .
تلك الاستجابة التي تدعو لاستباحة الملك العام والاعتداء عليه ، وتراجع الإحساس بالمسؤولية في الشأن العام وضعف الانتماء الجماعي ، وضعف المبادرة والاتكالية ، وجود النزعة التبريرية ، وكذلك تدهور الذوق العام والإحساس الجمالي ، وتزايد ردات الفعل الانقسامية التي شملت الوضع السياسي والاجتماعي مما ينتج الاختلاف السلبي وضعف الانتماء الوطني .
بناءً على ما سبق فإنه يوجد نظامين : نظام المعرفة ونظام الثقافة ويجب أن يبدأ نظام المعرفة المتكون من القيم الإسلامية الأولى بإعادة تشكيل نظام الثقافة وصياغتها على النحو الذي يتماشى و أخلاق وقيم وتصورات الدين الحنيف ، فتأخذ هذه القيم والتصورات فاعليتها في الحياة الاجتماعية ، ونستطيع إعادة صياغة الوجدان العام للمجتمع وكذلك الأسلوب العام المشترك بين أبنائه ، كما حصل في الصدر الأول للإسلام حيث كانت علاقة القيم المعرفية بالنظام الثقافي علاقة صياغة وتشكيل وبالابتعاد التدريجي عن ذلك العصر ضعفت نسبياً تلك القدرة على الصياغة .
إن استطعنا إيجاد الفاعلية الاجتماعية الجماعية لهذه النظم المعرفية الإسلامية فعندها نكون قد حققنا شيئاً كبيراً في اتجاه إصلاح المشاكل الثقافية بالمجتمع .
التدوينة مجتمعنا بين الثقافة والمعرفة ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.