طرابلس اليوم

الأحد، 7 أكتوبر 2018

ليبيا: رغم الجهود المبذولة لم يشهد قطاع النفط أي تحسن

,

الكاتب: كريس ستيفان

المجلة: بتروليوم إيكونوميست

 

 

في 10 من أيلول / سبتمبر، شق مقاتلان انتحاريان طريقهما إلى المكتب الرئيسي للمؤسسة الوطنية للنفط، ذو الواجهة الزجاجية، الذي يقع في وسط مدينة طرابلس. وفور دخولهما، بادر المسلحين بإطلاق النار في الممرات مما أسفر عن مقتل موظفين وجرح 10 آخرين.

 

استطاع مصطفى صنع الله، رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، الهرب من المبنى أثناء عملية إطلاق النار، التي انتهت بمقتل الإرهابيين. وفي وقت لاحق، أصدر صنع الله بياناً يؤكد فيه مدى هشاشة هذا القطاع الأمر الذي جعله يتعرض لهجوم إرهابي، موضحا: “لم يتسبب هذا الهجوم في وقف الإنتاج، لكنه أدى إلى إراقة دماء مواطنين ليبين. يدل هذا الهجوم على ضعف وهشاشة الترتيبات الأمنية في البلاد”.

 

جاء هذا الهجوم في أعقاب تسعة أيام من القتال الذي اندلع في أرجاء طرابلس، حيث دخلت الميليشيات المحلية في صراع دام مع ميليشيا من خارج المدينة، التي تلقب نفسها باللواء السابع، وذلك للسيطرة على العقارات في المدينة. وفي ظل هذا القتال، حثت المملكة المتحدة رعاياها على مغادرة البلاد على الفور، فضلا عن إجلاء عملاق الطاقة الإيطالي “إيني” للموظفين عن طريق سفينة مستأجرة.

 

تزامن هذا الهجوم العنيف مع احتفال المؤسسة الوطنية للنفط الليبية بسلسلة النجاحات التي حققتها. ففي وقت سابق من الشهر، أعلنت الشركة أنها قد بلغت ذروة إنتاجها البالغ 1.3 مليون برميل يومياً، الهدف الذي تم تحديده قبل سنتين، وذلك في شباط / فبراير.

 

في الأثناء، بلغت عائدات النفط والغاز 13.6 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى من هذه السنة، أي أعلى بحوالي 13 مليار دولار من العائدات الجملية التي تم تحقيقها سنة 2017. وساهم هذا الخبر في رفع سقف أهداف المؤسسة الوطنية للنفط، لتعمل على إنتاج أكثر من 1.6 مليون برميل في اليوم، وهو حجم الإنتاج الذي اعتادت على تحقيقه منذ اندلاع ثورة 2011، ليصبح هدفهم إنتاج 2.2 مليون برميل يوميا بحلول سنة 2023. وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق هذا الهدف من الناحية الفنية ممكن، نظراً لامتلاك ليبيا لنحو 48.4 مليار برميل، وهو أكبر احتياطيات أفريقيا.

 

الدعم الدولي

على نفس القدر من الأهمية، تدعم القوى الخارجية صنع الله في التمشي المتشدد الذي يدافع عنه ضد الميليشيات التي تتدخل في إنتاج النفط. وأعلنت الأمم المتحدة والولايات المتحدة عن فرض عقوبات مالية وحظر السفر على أقوى زعماء الميليشيات في ليبيا، إبراهيم الجضران، الذي نصب نفسه رئيس حرس المنشآت النفطية. والجدير بالذكر أن الجضران حاصر أربع موانئ نفطية مركزية، منها “السدر”، أكبر موانئ ليبيا، لمدة ثلاث سنوات منذ سنة 2013، مطالبا بدفع مبالغ ضخمة للسماح بتدفق النفط. وتخدم الموانئ حوض سرت، الذي يضم ثلثي إنتاج ليبيا من النفط.

 

في أيلول / سبتمبر من سنة 2016، تم طرد الجضران من الموانئ من قبل الجيش الوطني الليبي التابع لخليفة حفتر، ومنذ ذلك الحين شن هجومين في محاولة لاستعادتها. وفي آذار/ مارس من السنة الماضية، تمكنت قوات الجضران  من السيطرة على الموانئ لمدة أسبوع قبل أن يستردها الجيش الوطني الليبي. وكان هجومه الأخير، في حزيران / يونيو، ذا أهمية أكبر، حيث انضم المرتزقة من التشاد والمتطرفون إلى صفوف ميليشياته ودعموا عناصرها في قوة تضم أكثر من 300 سيارة. بعد سيطرته على السدر وتقريبا راس لانوف لمدة أسبوع، قام الجيش الوطني الليبي مرة أخرى بالرد بقوة على الجضران، وذلك بفضل احتكاره للقوة الجوية.

 

في الحقيقة، دفع هجوم الجضران الأخير الجيش الوطني الليبي إلى إعادة التفكير في الكثير من المعطيات. وقد بادر الجيش باتهام مصرف ليبيا المركزي، الذي يستقبل عائدات النفط الليبية، بتمويل الجضران، وذلك ما يفسر أنه كلما ارتفعت صادرات ليبيا من النفط أكثر، زادت قوته أكثر. لذلك، بعد استعادة الموانئ، أعلن الجيش الوطني الليبي أنها لم تعد تحت إدارة المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، بل تم تحويلها إلى سلطة منافسة في شرق ليبيا.

 

تمثل رد فعل المؤسسة الوطنية للنفط في إغلاق الموانئ وتراجع الإنتاج بمقدار 850 ألف برميل يومياً. حاولت منطقة شرق ليبيا بيع نفط حوض سرت بشكل مستقل، لكن الأمم المتحدة أعلنت أن هذا الإجراء غير قانوني. في الواقع، حرصت إدارة ترامب على بقاء النفط الليبي متوفرا في السوق لتعويض ارتفاع الأسعار الناجم عن العقوبات المفروضة على إيران. عقب ذلك، عمدت إلى إقناع حلفاء الجيش الوطني الليبي، مصر والإمارات العربية المتحدة للضغط على حفتر لإعادة النظر في هذه المسألة برمتها.

وفي تموز/ يوليو، رضخ حفتر وسلّم الموانئ إلى المؤسسة الوطنية للنفط، ولكن بعد أن تعهدت الأمم المتحدة بوضع لجنة تقوم بفحص حسابات مصرف ليبيا المركزي والتصريح بأي مدفوعات تقدم لفائدة الميليشيات، بما في ذلك تلك الممنوحة لجضران.

 

 

المؤسسة الوطنية للنفط تسير بخطى ثابتة

لقد أتى النهج المتشدد الذي اعتمده صنع الله في محاربة الميليشيات أكله على جبهة ثانية. في شهر شباط/ فبراير الماضي، قامت ميليشيات أخرى تابعة لحرس المنشآت النفطية، يبلغ عددها على الأقل ثلاثة، بإغلاق حقل “الفيل” النفطي، الذي تبلغ طاقة إنتاجه 80 ألف برميل يومياً في جنوب غرب ليبيا. وتجدر الإشارة إلى أن حقل الفيل يعتبر مشروع مشترك بين شركة “إيني” الإيطالية والمؤسسة الوطنية للنفط. وقد طالبت هذه الميليشيات بدفع الأجور لمئات الأشخاص الذين لا صلة لهم بهذه المنشأة. ولكن المؤسسة الوطنية للنفط رفضت التفاوض. وبعد أربعة أشهر من الحصار، تم تسوية النزاع مع حرس المنشآت النفطية وأعيد فتح حقل الفيل النفطي.

 

قوى خارجية تدعم أخيرا المؤسسة الوطنية للنفط في نهجها المتشدد ضد الميليشيات

تعمل المؤسسة الوطنية للنفط على تحقيق هدف آخر، ألا وهو مكافحة تهريب النفط. وفي هذا الشأن، أصدر فريق خبراء تابع للأمم المتحدة تقريرا في شهر أيلول/ سبتمبر كشفوا من خلاله عن حجم التهريب في ليبيا للمنتجات النفطية. تنفق ليبيا، التي تفتقر إلى الإمكانيات اللازمة لتكرير النفط، 3.3 مليار دولار سنوياً على استيراد الوقود والمنتجات المكررة، ومعظمها متأت من إيطاليا. ولكن بمجرد وصول الوقود إلى مدينة الزاوية، وهو أكبر ميناء نفطي يقع في الجهة الغربية للبلاد، تسرق المليشيات أغلبه وتقوم بتهريبه إلى إيطاليا عبر مالطا، باستخدام أسطول يضم 70 قارباً.

 

من جهة أخرى، بدأت الشرطة الإيطالية التحقيق في عمليات التهريب، حيث أطلع مصدر مقرب من المؤسسة الوطنية للنفط مجلة “بتروليوم إيكونوميست” أن 9 بالمائة من الوقود الذي يباع في محطات البنزين الإيطالية مهرّب من ليبيا. وفي شهر حزيران/ يونيو، فرضت الأمم المتحدة والولايات المتحدة عقوبات على 6 من مهربي المهاجرين في مدينة الزاوية الليبية، من بينهم الرئيس المحلي لحرس المنشآت النفطية، الذي كان ضالعا أيضا في قضية تهريب الوقود.

 

“تنظيم الدولة” يعود للظهور من جديد في ليبيا

قد تؤدي الهجمات التي يشنها تنظيم الدولة، فضلا عن الحرب الأهلية المتفاقمة إلى تراجع التقدم الذي أحرزته البلاد في زيادة إنتاج النفط وتقويض نشاط الميليشيات الموجودة.

افترض الكثيرون أن القوات الليبية قد تمكنت من القضاء على تنظيم الدولة سنة 2016، في معقله الواقع في مدينة سرت الساحلية بمساعدة القوة الجوية الأمريكية. لكن الفوضى التي اكتسحت ليبيا مهدت الطريق لظهور التنظيم مرة أخرى وإعادة تركيز نفسه في قواعد عميقة في الصحراء، على الرغم من تواصل الضربات الجوية الأمريكية. وتتمثل النتائج المباشرة لهذه الهجمات في الإبلاغ عن إجلاء مهندسين أجانب.

 

أعلنت شركة الخدمات النفطية شلمبرجير، التي عادت لسالف نشاطها في ليبيا سنة2017  بعد توقف دام ثلاث سنوات، عن خططها لتعزيز وجودها في البلاد، في وقت سابق من هذه السنة. في الأثناء، تحتاج المؤسسة الوطنية للنفط إلى الكفاءات العاملة بهذه الشركة وذلك لإصلاح المنشآت التي تم تدميرها في حوض سرت. ولكن يخشى المسؤولون أن مديري هذه الشركة قد ينسحبون بتعلة أن ليبيا أصبحت في الوقت الراهن خطيرة للغاية.

 

اهتزت مصداقية الدولة مع شركات النفط الدولية بعد أن حاولت منع شركة “توتال” الفرنسية من شراء حصة شركة “ماراثون أويل” الأمريكية البالغة 16.33 بالمائة من امتياز حقل الواحة المشترك. ولكن المحادثات لحل هذا الخلاف لا تزال مستمرة.

 

تأمل القوى الخارجية أنه سيقع القضاء على الفوضى في ليبيا من خلال الانتخابات لتنصيب حكومة جديدة وموحدة، بهدف إنهاء الانقسام شرق ـ غرب بين حكومة الوفاق الوطني في طرابلس المدعومة من قبل الأمم المتحدة والحكومة المنافسة لها، مجلس النواب الليبي، في طبرق.

في شهر أيار/ مايو الماضي، شهدت المحادثات التي استضافها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اتفاق القادة الليبيين حول تحديد موعد للانتخابات التي تقرر إجراؤها خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر القادم. لكن الاستعدادات المتعثرة، واندلاع أعمال العنف الأخيرة دفعت مبعوث الأمم المتحدة، غسان سلامة إلى القول إن هناك احتمال لإلغاء هذه الانتخابات.

 

في حال لم يتم إجراء الانتخابات، قد تتفاقم الحرب الأهلية. أعلن حفتر، الذي يدعم مجلس النواب الليبي، عن نيته اقتحام مدينة طرابلس وتخليصها من الميليشيات. ويتمتع القائد الليبي بتأييد شعبي واسع، فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أن الجيش الوطني الليبي يعد المؤسسة الأكثر شعبية في ليبيا، حيث يتمتع بتأييد بلغ 68 بالمائة. وقد تفوق بذلك على كل من مجلس النواب بنسبة 40 بالمائة، وحكومة الوفاق الوطني بنسبة 15 بالمائة فقط. وعلى الرغم من أن معظم الليبيين أعربوا عن رغبتهم في أن يقوم الجيش الليبي بتخليص البلاد من الميليشيات واستعادة النظام، إلا أن الهجوم على العاصمة قد يتسبب في حمام دم.

التدوينة ليبيا: رغم الجهود المبذولة لم يشهد قطاع النفط أي تحسن ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “ليبيا: رغم الجهود المبذولة لم يشهد قطاع النفط أي تحسن”

إرسال تعليق