صحيفة فزغلياد الروسية
الكاتب: بيتر أكوبوف
بعد التجربة الروسية في سوريا، والنجاحات التي تمكنت موسكو من تحقيقها هناك، يتوجس الغرب خيفة من “خطط روسيا” فيما يتعلق بليبيا على نحو متزايد. في هذا الصدد، تتحدث وسائل إعلام بريطانية، بالاستناد إلى أجهزة المخابرات البريطانية، عن مساعي الكرملين لغزو ليبيا “من أجل السيطرة على احتياطيات النفط في البلاد وإثارة أزمة هجرة جديدة في أوروبا”. لكن، هل تحتاج روسيا فعلا لغزو ليبيا؟ وما هي خططها المتعلقة بهذا البلد شمال أفريقي؟
تولي لندن اهتماما خاصا بالخُطط الروسية في ليبيا. وبحسب ما أكدته الصحافة البريطانية، فقد أبلغت الاستخبارات البريطانية رئيسة الوزراء تيريزا ماي، بالخطط الخبيثة لموسكو فيما يتعلق بليبيا. وبحسب ما نشرته صحيفة “ذاصن” البريطانية، يبدو من الواضح أن المملكة المتحدة قلقة من تواجد الروس في شمال أفريقيا.
وقد حذّرت وسائل الإعلام البريطانية تيريزا ماي، في إشارة إلى أن “روسيا تنقل قواتها وصواريخها إلى ليبيا في محاولة إلى دفع الغرب نحو فخ جديد. ويتمثل الهدف الرئيسي لموسكو في السيطرة على ممر عبور المهاجرين غير الشرعيين من أفريقيا نحو أوروبا. وقد وصلت الوحدات الروسية والقوات الخاصة إلى شرق ليبيا بغرض التدريب وضمان إقامة علاقات مع الأطراف المُسيطرة هناك”.
في الواقع، تعمل قاعدتان عسكريتان روسيتان في ليبيا في مدينتي طبرق وبنغازي الساحلية تحت سيطرة الشركة شبه العسكرية الروسية الخاصة “مجموعة فاغنر”، التي تملك مناطق استيطانية في ليبيا. كما قامت روسيا بنشر أنظمة الدفاع الصاروخية إس-300 وصواريخ كاليبر المضادة للسفن على السواحل الليبية.
بحسب مصدر في الحكومة البريطانية، إذا سيطرت موسكو على الساحل الشرقي لليبيا فقد يؤدي ذلك إلى موجة جديدة من اللاجئين الذين سيهرعون إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. وأضاف هذا المصدر أن “بوتين يستخدم في ليبيا الأساليب ذاتها التي وظّفها في سوريا وشبه جزيرة القرم”. وبحسب المصادر البريطانية، يُعتقد أن بوتين مستعد لاستخدام أي كان ليتمكن من السيطرة على ليبيا وبالتالي، التأثير على الغرب.
ويؤكد المصدر ذاته قائلا: “في الحقيقة، تنقصنا القدرات الكبيرة فيما يتعلق بالهجرة وتدفقات النفط الليبية. كما أن هذه الخطوة الكارثية المحتملة قد تسمح لبوتين بتقويض الديمقراطية الغربية في الوقت الذي لن نتمكن فيه من فعل شيء”. ولا تعتبر هذه التوقعات مجرد سيناريو لفيلم خيالي جديد، بل قد تصبح أمرا واقعا.
وفي بيان أدلى به رئيس اللجنة الدولية في البرلمان البريطاني، توم توغندهات، لصحيفة “ذا صن”، أفاد أن “هذه المعلومات تعتبر مثيرة للقلق بكل تأكيد، إذ أن روسيا تريد فتح جبهة جديدة ضد الغرب في ليبيا. لكن ذلك لا يمثل مفاجأة بالنسبة للغرب. ومما لا شك فيه، ستحاول موسكو فتح طرق الهجرة غير الشرعية من أفريقيا نحو أوروبا، لذلك نحن بحاجة إلى التنسيق مع الحكومة الليبية، إذ أن زعزعة الاستقرار في هذه المنطقة قد يؤثر بالتأكيد على الأمن القومي للمملكة المتحدة”.
كما تحذر وسائل الإعلام البريطانية البحرية البريطانية وقاعدتها الموجودة في المضيق بين أوروبا وأفريقيا من التواجد الروسي على السواحل الليبية. وبحسب صحيفة “ذا صن” “سيبدأ الميناء البحري الروسي على ساحل شمال أفريقيا لأول مرة منذ عقود بخدمة السفن العاملة في الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط، وهذا يشكل تهديدا محتملا لمضيق جبل طارق”.
من جهة أخرى، قد يكون قلق البريطانيين بشأن تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى دول الاتحاد الأوروبي مثيرا للسخرية، خاصة مع استعداد بريطانيا لخروجها من الاتحاد الأوروبي. كما يعتبر خوف لندن من خطط بوتين بإغراق أوروبا بوابل من المهاجرين الأفارقة عبثيا، خاصة وأن أوروبا تتقن التعامل مع مثل هذه الأزمات. من هذا المنطلق، لسائل أن يسأل: لماذا تخاف المملكة المتحدة من “الغزو الروسي لليبيا”؟
هناك سببان لذلك، يتمثل أولهما في أن المملكة المتحدة لا زالت ترغب في إظهار أهميتها في عيون بروكسل على الرغم من مسألة البركسيت، بصفتها اللاعب الجيوسياسي الأكثر خبرة وقوة. كما تعتبر قوة عسكرية هامة وأحد أعضاء حلف شمال الأطلسي، التي تُحاول الدفاع عن أوروبا من الأخطار المُحدقة بها، وخاصة تلك المتعلقة بنوايا الدب الروسي بشأنها. أما السبب الثاني فيرتبط بمدى أهمية ليبيا بالنسبة للغرب ولندن بصفة خاصة، التي ترغب في الحصول على موقع هام في رقعة الشطرنج الجيوسياسية.
في حقيقة الأمر، خسرت ليبيا وحدتها وتماسكها منذ سبع سنوات، بعد أن أطاح الغرب بنظام معمر القذافي الذي حكم البلاد لأكثر من أربعة عقود. ونظرا لأن ليبيا لم تنشأ كدولة موحدة إلا في خمسينيات القرن الماضي، لم يكن تفككهاعلى أيدي قوات أجنبية أمرا صعبا. مع ذلك، قد تكون استعادة استقرارها ووحدتها من جديد أمرا بعيد المنال بعد الآن.
ورغم انقسام ليبيا إلى أجزاء بسبب الحرب الأهلية التي أنهكت البلاد، إلا أن العديد من البلدان لا زالت تهتم بها وتوكل لنفسها مهمة توحيدها. وتعد مسألة توحيد ليبيا مهمة بالنسبة لليبيين أنفسهم وللدول العربية المجاورة لها، فضلا عن الدول الأوروبية، لا سيما في ظل تحول ليبيا إلى طريق عبور لتدفقات اللاجئين من أفريقيا إلى أوروبا، نتيجة لغياب قيادة قوية وموحدة.
علاوة على ذلك، تعد ليبيا، إلى جانب مصر، الجزء الأقدم من أفريقيا، والمعروف لدى الأوروبيين بالمستعمرة الرومانية السابقة، كما أنها من المناطق المهمة جدا بالنسبة للاتحاد الأوروبي التي يعمل على ضمان عدم تحولها إلى صومال ثاني، وهو البلد الأفريقي الذي تفكك منذ أكثر من ربع قرن.
لذلك، تحاول أوروبا في المقام الأول، وخاصة الفرنسيين والإيطاليين، منذ سنوات، التوفيق بين القوات المتناحرة في ليبيا، لكن كل محاولاتهم كانت دون جدوى. في الأثناء، تحكم القوات المحلية والقبلية أجزاء مختلفة من ليبيا، فضلا عن انتشار بعض الإسلاميين الراديكاليين الذين جاءوا إلى ليبيا سنة 2011، واختاروها كموطن لهم.
إن الحكومة المعترف بها من قبل المجتمع الدولي في طرابلس غير قادرة حتى على السيطرة على العاصمة نفسها. ويعتبر المشير خليفة حفتر من الأشخاص الأكثر نفوذا في ليبيا، حيث يبسط سيطرته على نصف الأراضي الليبية تقريبا.
من جانبها، تقدم مصر وبعض الدول العربية الأخرى الدعم للمشير حفتر، كما تعمل روسيا على الحفاظ على علاقاتها مع حفتر ومع الحكومة في طرابلس ومع جميع الأطراف الليبية الفاعلة بشكل عام. في الواقع، كانت العلاقات الروسية الليبية في عهد الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، وثيقة للغاية، وظلت المصالح المشتركة تجمع بين البلدين. لكن روسيا لم تتدخل عسكريا في ليبيا ضمن الاضطرابات التي تتخبط فيها البلاد.
في الوقت ذاته، تحاول بعض الجهات الليبية والإيطالية خلال هذه السنوات جر روسيا إلى ساحة المعركة. وكانت إيطاليا من أكثر الأطراف تكبدا للخسائر جراء الوضع السائد في ليبيا وتفككها، حيث لا تقتصر العلاقات التي تجمع ايطاليا بليبيا على التقارب الجغرافي، بل هناك روابط اقتصادية وثيقة. وعلى إثر الأحداث التي عرفتها ليبيا بداية من سنة 2011، أصبحت إيطاليا تتلقى بدلاً من البترودولارات الليبية، تدفقات من اللاجئين، لا سيما في ظل الردود الغامضة للاتحاد الأوروبي حول الدعوات لاتخاذ بعض التدابير لوقف هذا التدفق.
لهذه الأسباب، رغبت روما في انضمام موسكو إلى الجهود الرامية لاستعادة النظام في ليبيا وفي البحر الأبيض المتوسط. مع ذلك، أدى توتر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، على خلفية قضية شبه جزيرة القرم، إلى تعطيل المسألة وجعلها أمرا مستحيلا. بطبيعة الحال، لا تعتبر روسيا على استعداد لترميم ما دمره الأوروبيون في ليبيا، ولكنها تنظر إلى مستقبل البلاد بطريقة مختلفة، ولا يرجع ذلك إلى تواجد القواعد الروسية في طبرق وبنغازي.
وتتعدد المصالح الاقتصادية لروسيا في هذه المنطقة، حيث زودت ليبيا في العديد من المناسبات بالأسلحة، فضلا عن إنشاء سكك حديدية هناك، وإنجاز مشاريع مشتركة في قطاع النفط والغاز. وفي الحقيقة، لا تنوي روسيا التخلي عن مثل هذه المشاريع، لكنها لا تعتزم دفع ثمن ما اقترفه الأوروبيون هناك.
ويقدم العشرات من الخبراء العسكريين الروس المساعدة للمشير حفتر في ليبيا. في المقابل، يعرض الرجل القويالعديد من المشاريع المهمة على روسيا، إلا أن موسكو لا تخطط للسيطرة على أي شيء هناك. ففي البداية، يبدو من الضروري التوصل إلى اتفاق يضمن وحدة وعدم تفكك البلاد مستقبلا، وإجراء انتخابات، ومن ثم إبرام عقود مع الحكومة التي سيتم انتخابها. ومن المقرر أن تجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية في كانون الأول/ ديسمبر من هذا العام، إلا أنه يمكن تأجيل ذلك بسبب عدم توصل الحكومة في طرابلس وحفتر إلى اتفاق نهائي حول هذا الأمر، كما لم تنجح محاولات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التوسط بين أطراف النزاع في ليبيا.
ونظرا لأهمية المؤتمر المقرر عقده في مدينة باليرمو الإيطالية في الأيام القليلة القادمة، والذي سيهتم بالوضع في ليبيا، دعت الحكومة الإيطالية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حضور هذا الحدث. ولكن، في حال تواجدت روسيا في مثل الحدث، فسوف يمثلها وزير الخارجية سيرغي لافروف عوضا عن الرئيس فلاديمير بوتين، وسيكون ذلك بمثابة خطوة لتخفيف حدة التوتر بين روسيا والاتحاد الأوروبي، وداخل ليبيا أيضا. ومن دون روسيا، لن يتم التوصل إلى اتفاق، كما لن يكون الاتحاد الأوروبي قادرا على إيجاد حل على حساب روسيا.
ومن الواضح أن اعتراف الاتحاد الأوروبي بضرورة مشاركة روسيا في الشأن الليبي من الأمور التي تثير إنزعاج الولايات المتحدة وبريطانيا، الأمر الذي دفعهم إلى نشر قصص مرعبة تتمثل في استعداد بوتين للاستيلاء على ليبيا وإرسال حشد من اللاجئين إلى أوروبا. وقد حاول الغرب عن طريق بعض الحيل إقناع الليبيين بأن روسيا عدوة لهم، وصرف الانتباه عنها.
التدوينة لماذا تخشى أوروبا “الغزو الروسي” لليبيا؟ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.