صلاح الشلوي/ كاتب ليبي
كانت قناعة صناع اتفاق الصخيرات تقول بحتمية انتهاء الاحتراب والنزاعات المسلحة، عاجلا أم آجلا طال الزمان أو قصر، وأن حسما عسكريا بخشم البندقة لن يحققه أيا من أطراف النزاع الدامي، وأن الاستمرار في نفس نسق الأحداث لن يخدم مصلحة البلد ولا أي طرف من تلك الأطراف، إذا عقلا وسياسة يجب إيقاف النزف المستمر، وتوفير أرواح الشباب ودماء الأبرياء في حرب عبثية صبيانية.
؛؛؛
وقالوا هذا بصراحة وصدق لكل الفرقاء، حيث تفهم بعضهم الموقف، ومن أين يخرج هذا التأطير للمشكلة الليبية آنذاك!، وتعنت فصائل أخرى كان بعضها يغريها الدعم الوفير الذي وُعدت به من الظهير الإقليمي العربي، والبعض الأخر يستفزه الإفتاء الديني الدموي، الذي كان يصور لهم أن هناك حرب باسم الإسلام في بنغازي ودرنة والهلال النفطي!.
؛؛؛
بينما صناع الاتفاق السياسي رفضوا هذه المعادلات العدمية الصفرية جملة وتفصيلا، وكان واضحا كل الوضوح في تصوراتهم أن ” لا بديل يحافظ على البقية الباقية من الهيئة الاجتماعية الليبية سوى الانحياز الكلي والتام لتعزيز خيار الدولة ورفض بدائل الفوضى سواء استمرار الاحتراب أو حكم العسكر المنخرطين في الفوضى أنفسهم” ومن هنا نشأت قاعدة الفهم المشترك بين الأطراف المحلية التي ساهمت في صناعة اتفاق الصخيرات و لتتقاطع مع إرادة المجتمع الدولي الذي دعم هذا التوجه بشكل واضح ومستمر حتى اللحظة الراهنة، ولكنه يعول على أن يفيق الرأي العام الليبي ويدعم اختيار السلم والانحياز المجتمعي إلى تعزيز خيار الدولة ضد تيار التأزيم والفوضى من طرفي النزاع الدامي، الذى ورط الشباب اليافع في أتونه واستخدم حطب نار تلظى تأكل الأخضر واليابس، ثم نبذوهم محطمين محبطين بعد أن كشفت لهم الحرب عن ساق وخمشتهم بمخلب وعضتهم بناب.
؛؛؛
وكأي عملية سياسية، تنطلق بحيوية وبحبكة كاملة من الأطراف الفاعلة، ثم مع الوقت تفقد الكثير من لمعانها وبريقها ليس لضعفها الذاتي ولكن بتأثير عامل الوقت نفسه، وتحت وطأة المستجدات وإصرار المعرقلين في الطرفين على التمسك بخيار الاحتراب وعرقلة خيار الاتفاق السياسي، عبر مؤسسات دينية بخطاب فقه الدم، وما يدعمها من قنوات تابعة لها تروج لخطابها وتلمعه لدى شيعة المفتى وأنصاره، ومؤسسات إعلامية تابعة للمشير وشيعته هو الأخر، والتي لطالما تسترت وراء دعوى محاربة الإرهاب مستغلة إياها في محاربة الخصوم السياسين وشيطنتهم لدى الرأى العام وعلى رأسهم المجلس الرئاسي ورئيسه، وهنا تتفق فتوى دار الإقتاء مع الأوامر اليومية للرجمة، وتسكت معهم قيادات تنظيمات دينية عريقة أخرى وقياداتها ورموزها، إلا ما شاء الله.
؛؛؛
وهنا لا يكتم صناع لسلم رأيهم ولا يخفوا شيئا بل يتكلموا بصراحة كلمة واجبة في حقهم، لله أولا ثم للوطن وثالثا للتاريخ، إن اتفاق الصخيرات عبارة عن مقاربة سياسية بين ليبيين متنازعين نزاعا مسلحا، ومحاولة بالغة الصعوبة لنقلهم نقلة نوعية من النزاع في الساحات والمحاور والتبات وانتشال الشباب الليبي من فوق التبات ووسط البارود والنار، إلى طاولة السياسة، ومهما كانت طاولة السياسة لا تحقق النصر الكامل لأي طرف من الأطراف، إلا أنها توفر مخارج آمنة للجميع بدون استثناء، وضرب لذلك مواعيد، أسقطت الجينات السابقة والتي وقعت أثناء الإشتباك، وأوقفت مشروعية كل القرارات التي سبقت التوقيع على الاتفاق، وقالت بضرورة مراجعتها مرة ثانية في ضوء معطيات وسياسات وروح وتوجهات وبنود وآليات الاتفاق السياسي.
؛؛؛
أما وراء ذلك فلم يعطي الاتفاق ولا المتفقين أي ضمانات سياسية لأي طرف من الأطراف بعد الدستور والانتخابات، سوى شيء واحد فقط، وهو تكافؤ الفرص، وشفافية الانتخابات، وقدرة الجميع على المشاركة إلا من يختار لنفسه الانطواء والإنكفاء على نفسه والعزلة، فهذا هو وما يختار لنفسه، أم من يريد المشاركة فليس هناك من مانع يمنعه، وسيكون وزنه وحضوره بحسب ما يمنحه الشارع من ثقة ويسكب في صندوقه من أصوات، أما المحاولات الصبيانية المشككة في ذلك والمروجة للقول بأن المجتمع الدولي يريد من وراء الاتفاق السياسي إيجاد حكومة ضعيفة كي يتخذها ذريعة للتدخل المباشر في ليبيا وفرض الوصاية عليها، فهو كلام عرى عن المنطق السياسي المواكب لكل ما صدر عن المجتمع الدولي تجاه المسألة الليبية منذ ( 1949- 2018 ).
؛؛؛
فالاتفاق واضح والداعمين له واضحون سواء الأطراف المحلية أو المجتمع الدولي، ليس هناك حرف واحد في الاتفاق ضد المصالح الحيوية الليبية، وتأكد واضح على السيادة الليبية بشكل قطعي وواضح كل الوضوح، ولكن الذي يفوت تيار التأزيم هو أنك يا كبدي لا تلعب في عالم منفرد فيه باللعب، هناك حوض البحر المتوسط كما أنت تتموقع على ضفافه الجنوبية هناك ضفاف أخرى له شرقا وشمالا، وشركاء معك في الاستقرار والأمن، لن تترك تسرح وتمرح حتى يأكلك الذئب حقيقة لا كذبا كذئب أخوة يوسف عليه السلام، فلا تظن أن ما تفرط به في داخل ليبيا لا ينعكس قلق وتوتر وإرهاب لدول الجوار فعليك أن تنتبه وتتعقل وتفهم، وتتخلى عن خطابك الدين المضلل للشباب وخطابك العسكري المضلل للشباب، وإلا فالعاقبة ستكون وخيمة على الجميع ولن يكون لك مخرج آمن بعدها ولات حين مندم!
التدوينة وضوح اتفاق الصخيرات السياسي في إنهاء الصراع المسلح بليبيا ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.