الصحيفة: لوموند الفرنسية
الكاتب: فريدريك روبان
بعد مضي 18 شهرا من الهدوء النسبي، ها هي طربلس تتحول من جديد إلى مسرح للمعارك الدامية بين الميليشيات، وهو ما يهدد سيناريو حل الأزمة في ليبيا، الذي يعمل عليه المجتمع الدولي. وقد أصدر المجلس الرئاسي، الذي يعتبر بمثابة الهيئة التنفيذية لحكومة “الوفاق الوطني” في طرابلس، مرسومًا يوم الأحد 2 أيلول/سبتمبر، يقضي بتطبيق حالة الطوارئ في العاصمة وما جاورها.
وقد أعلن المجلس الرئاسي عن هذا القرار بعد ستة أيام من اندلاع الاشتباكات التي خلفت حوالي 40 قتيلا، فيما فرّ يوم الأحد قرابة 400 معتقل من سجن عين زارة في أحد أحياء العاصمة مستفيدين من حالة الفوضى العارمة.
وبالنظر إلى العجز الذي أظهرته حكومته منذ بداية هذه الأزمة، تكتسي حالة الطوارئ التي أعلن عنها فايز السراج طابعا رمزيا. وقد تم الإعلان عن حكومة الوفاق الوطني بعد توقيع اتفاق الصخيرات في المغرب في نهاية سنة 2015. وبعد أربعة أشهر، تسلمت هذه الحكومة مقاليد السلطة في طرابلس بدعم من الأمم المتحدة وبعد الوصول إلى اتفاق ضمني مع الميليشيات في طرابلس، التي تمثل السلطة العسكرية في العاصمة. ومن المفارقات أن المعارك التي نشبت في طرابلس مؤخرا، اندلعت بين هذه الميليشيات فيما بينها، التي كان من المفترض أن تتفق معا من أجل دعم حكومة فايز السراج.
ووفقا للمراقبين للوضع الليبي، يبدو أن تدهور الوضع السياسي العسكري في طرابلس يبدد احتمال إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية قبل نهاية هذه السنة. وكان قد تم الاتفاق على إجراء انتخابات خلال اللقاء الذي عقد في باريس نهاية شهر آيار/ مايو برعاية الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في حال اتفقت أطراف النزاع في الأزمة الليبية على تنظيم انتخابات مزدوجة (رئاسية وتشريعية) قبل العاشر من كانون الأول/ ديسمبر.
لكن، في 27 آب/ أغسطس، اندلعت الاشتباكات عندما تقدمت قوات تابعة للواء السابع، وهي ميليشيا تدير مدينة ترهونة الواقعة في الضاحية الجنوبية لطرابلس، شمالا نحو المطار الدولي الذي من المقرر أن يتم إعادة فتحه بعد مضي أربع سنوات على تدميره سنة 2014. وقد اصطدم اللواء السابع بميليشيات طرابلسية أخرى كانت قد عززت سيطرتها على العاصمة منذ سنة 2016، خاصة كتيبة غنيوة، وكتيبة ثوار طرابلس وكتيبة النواصي.
“كارتل” من الميليشيات في طرابلس
تشكل المليشيات الثلاث الآنف ذكرها، بالإضافة إلى ميليشيا قوة الردع الخاصة، “كارتل” حقيقي على حد تعبير المحلليْن السياسييْن؛ فولفرام لاخر وعلاء الإدريسي. بالإضافة إلى ذلك، وضعت هذه الميليشيات يدها على موارد الدولة مستفيدة من الحماية الأمنية التي توفرها لحكومة السراج.
ونقل كل من فولفرام لاخر وعلاء الإدريسي تصوراتهما في دراسة نشرت خلال شهر حزيران/يونيو عبر منظمة “مسح الأسلحة الصغيرة”. وقد جاء فيها أنه “لا يمكن دعم ليبيا وهي في وضع مماثل، حيث تُنبأ هذه الاشتباكات بإشعال فتيل صراع آخر شامل يضم كل القوى السياسية العسكرية التي تشعر أنها حُرمت بسبب هذا الكارتل من تولي مهام إدارية”.
ومن بين هذه القوى، اللواء السابع في ترهونة، الذي على الرغم من ولائه لحكومة فايز السراج، إلا أنه يمثل إحدى الميليشيات “المستبعدة” من قبل “كارتل” ميليشيات طرابلس. وقد تصاعدت حدة التوتر خلال الأشهر الأخيرة حول المطار الدولي، الذي تسببت أخبار إعادة فتحه في إثارة أطماع العديد من الميليشيات للسيطرة عليه.
من جهته، نوه خبير أمني مقيم في تونس بأن “اللواء السابع يعتبر أن هذا المطار تابع له متعللا بأن نسبة كبيرة من السكان المقيمين على مشارف المطار ينحدرون من مدينة ترهونة. ويؤكد ذلك أن الاشتباكات سببها الانتماء القبلي، أي أن الانتماءات الإيديولوجية ليست السبب الرئيسي في احتدام هذه المعارك”. وأضاف الخبير أن “الكل يريد نصيبه من كعكة طرابلس ومن مواردها”.
وينتاب المراقبون قلق مما إذا كانت ميليشيات “مستبعدة” أخرى ستلتحق باللواء السابع لمعاضدته في هجومه الأخير، بما في ذلك ميليشيات الزنتان ومصراتة. الجدير بالذكر أنه قد تم طرد ميليشيات الزنتان من طرابلس في صيف سنة 2014، كما تمت إزاحة ميليشيات مصراتة بعد تنصيب حكومة السراج في ربيع سنة 2016.
ومع تجاوزهم لخلافهم خلال الحرب الأهلية سنة 2014، اجتمع ممثلون للزنتان ومصراتة مؤخرا في محاولة واضحة لتشكيل جبهة ضد “كارتل” العاصمة. ولم يتم بعد تأكيد التحاقهم باللواء السابع لمدينة ترهونة التي تشاركها نفس الضغينة تجاه ميليشيات طرابلس. وإذا تم الأمر فعلا، فإن الأزمة الحالية ستتخذ بعدا أكبر خاصة وأن الزنتان ومصراتة تعد المراكز العسكرية الرئيسية في غرب ليبيا.
الإسلاميون متعطشون لانتقامهم
يبدو أن الميليشيات ذات التوجه الإسلامي تريد الاستفادة من حالة الارتباك لاستعادة مراكزها التي فقدتها أثناء تنصيب حكومة السراج. وقد تدخل خلال الأيام الأخيرة المصراتي صالح بادي ليعرض مساعدته على ميليشيا اللواء السابع. وتجدر الإشارة إلى أن صالح بادي هو زعيم جبهة الصمود، وهي واحدة من رموز الكتلة السياسية العسكرية لفجر ليبيا ذات التوجه الإسلامي، التي حكمت طرابلس من سنة 2014 إلى غاية سنة 2016.
ويصب المحللون أيضا اهتمامهم بشكل خاص على الجماعات المتمركزة في مدينتيْ الزاوية وتاجوراء، الواقعتيْن غرب وشرق طرابلس، اللتان قد تشاركان في فرض حصار على العاصمة. ولكن، في الوقت الراهن، لم يتم تشكيل هذه الجبهة بعد. ويكشف لنا التاريخ الحديث انقلاب الموازين السياسية والعسكرية في ليبيا، حيث تمر حكومة فايز السراج، التي تتمتع بدعم من المجتمع الدولي، بحالة واضحة من الاضطراب.
التدوينة طرابلس تغرق من جديد في صراعات الميليشيات ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.