طرابلس اليوم

الاثنين، 5 يونيو 2017

نحو تفعيل الممارسة النقدية

,

أحمد الدايخ/ كاتب ليبي
كثير هي النواقص التي تعاني منها  أمتنا الإسلامية والعربية في مجال الفكر على وجه الخصوص  ،  لا سيما بعد تموضع العلوم وتصنيفها وفق تخصصات تخدم البشرية  ، وانطلاق المجتمعات في أشكال أكثر حضارية تتمثل في المؤسسات  والتجمعات والجمعيات الراشدة ،  ولعل من أبرز هذه النواقص  هو غياب العملية النقدية أو الممارسة النقـدية أو ما تعارف على تسميته بالـ (النقد)  .
فمن المعروف أن النقد كحركة  عقلية واعية ، وكثقافة شائعة لم تعرف طريقها إلينا إلا  مؤخراً ولازال يُنظر إليها  بشيء من الحساسية المفرطة خصوصاً من قبل المسؤولين وأصحاب المشاريع ،   أو ينظر إليها كأداة للترف الفكري   وارتبطت في الأذهان بأؤلئك القاعدين عن العمل  الذين يلوكون الكلام لأجل الكلام فقط ،  كل هذه سلبيات في العقلية العربية  وردود أفعال سببت في تشويه صورة النقد .
إذ أن النقد ما هو إلا حركة علمية لغرض التصحيح ، و منطلق للبحث والتفكير في الماضي  والحاضر بغية المساهمة الفعلية في إيجاد حلول للمشكلات التي يحبل بها  ، فيجب أن يتاح المناخ للنقد من أجل العمل على تأسيس عملية نقدية  تبحث في المشكلات الراهنة للمجتمع اعتمادا على مقاربات علمية لا ترى في  النقد هدفاً  في حد ذاته ، بل مدخلاً لفهم مشكلات الحاضر ، وأداة لإعادة بناء المجتمع على آليات المكاشفة والنظر والتنقيح والتصويب ، فأثر النقد في دفع المسيرة التوعوية وغرس مفاهيم وعناصر الرشد الفكري في المجتمعات أصبح واضحاً .
ويبقى لزاماً علينا ونحن نذكر أهمية آليات النقد   ، أن نذكر طرفاً من الأمور التي من المفترض أن يضعها الناقد نصب عينيه في أي عملية نقدية :
* التوازن  : وهي أمانة علمية يضطلع بها الناقد لتبيين السلبيات والإيجابيات في أي فكرة أو مشروع أو موضوع يتصدى له بالنقد ، فلا ينبغي وضع الإصبع على أحد الأطراف حتى تميل الكفة ولا يتحقق مبدأ التوازن في الممارسة النقدية ، وتغيب المنهجية العلمية .

* الموضوعية : حتى نستفيد من عملية النقد ونقطف ثمارها لابد من التمتع بروح الموضوعية والإنصاف أثناء ممارسة هذا الدور سواء على الذات أو الآخر .
فالموضوعية خاصية مهمة من حيث دراسة القضية أو الفكرة والموقف من مختلف الجوانب مع مراعاة الظروف المكانية والزمانية المحيطة ، وهذا يحتاج إلى شخصية تتصف بالتجرد عن الشخصنة والمواقف المسبقة التي قد تؤثر في القيام بدور الناقد ، وهذه مشكلة نعاني منها كثيراً بحيث تكون مسبقاتنا الفكرية دليلنا إلى الحكم على أية جهة أو فكرة تصدر من اتجاه معين .

* الابتعاد عن الانتقائية : بحيث يُنتقد الأضعف في المنظومة الفكريّة المخالفة ويركز عليه ويضخم ويترك غيره ،   وهذا يدلّ على ضعف النّاقد أو هي محاولة لإبراز ضعف المنظومة الفكريّة المخالفة باستعمال الحلقة الأضعف .

* التجرد : يجب ألا يترك الناقد نفسه فريسة للأهواء أو الحزازات النفسية  ،  فقد يصعب على المثقف أو الكاتب أن يرفع عقيرته بالسب والشتم وقد يستحي أن يعبر عن غضبه وما يدور في خلده برديء القول ولكنه قد يفري بقلمه أعراضاً وشخوصاً مدعياً أنها حمولة نقد .
فهو بذاك ليس بناقد ولكنه ناقم !! وما أقرب هاتين الكلمتين رسماً ونطقاً وما أبعدهما ممارسةً وأهدافاً ، النقد ليس كما يظن البعض تتبع للأخطاء والزلات ، بل هو حركة عقلية واعية تتابع الأفكار لا الأشخاص .
يجب أن يتطهر النقد من البواعث النفسية الجامحة والممارسات السلبية لأن في استمرارها سيكون النقد أمراً غير مرغوب فيه ؛ وسيرتبط في الأذهان بالخصومة والشتيمة والبعد عن التجرد ، وهذا يجعل الأخطاء تزدهر ، والصواب يختفي ويتلاشى  .

وكخُلاصة نقول بأنّ أي عملية نقدية  يجب أن تكون مبنية على  أساسات سليمة  في التّفكير ، وهذا التّفكير هو الذي يخوّل فهم الأفكار الأخرى والحكم عليها ، فيكون انتقادها  هو  ذاته  عمليّة مؤصّلة ومبنيّة على فهم وعُمق ،  ويصبح النقد عندها علامة  صحية ودليل نضج   ووسيلة للرقي ، و سيبقى ملازماً لأي فكرة أو مشروع أو حتى نهضة مجتمعية .

التدوينة نحو تفعيل الممارسة النقدية ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “نحو تفعيل الممارسة النقدية”

إرسال تعليق