إسماعيل القرتيلي
قدم المبعوث الأممي برناردينو ليون بعد جهود استمرت شهورا مديدة النسخة الثالثة من مسودة مشروع البعثة الأممية الرامية لإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا والعودة بليبيا إلى طريق الاستقرار والنماء.
وما من شك يساورني في أن السيد ليون وفريق البعثة كاملا يدعمهم عديد المبعوثين الدوليين، أخص بالذكر منهم المبعوث الإنجليزي السيد جوناثان باول، والعشرات من الشخصيات الليبية والدولية، إلى جانب وفود الحوار على كل الأطراف ودول عربية وغربية، قد دعموا الوصول إلى اتفاق ينهي الأزمة السياسية التي مثلت النزاعات الدموية فيها وجها مؤلما أضر بالآلاف من المدنيين في ليبيا.
لكن بالرغم من كل الجهود التي تستحق الإشادة فإن المسودة المقدمة، والتي وصفها السيد ليون في رسالته الممهدة لها بأنها “إعادة صياغة وتنظيم” لعشرات المبادرات والملاحظات التي وصلت البعثة من الأطراف المشاركة في كل مسارات الحوار، فإنها لم تحقق قبولا واسعا بين الأطراف خاصة المجموعات المشاركة المحسوبة على المؤتمر الوطني العام، بل إن دولا داعمة لجهود المبعوث الأممي قد تفاجأت من بنود الاتفاق المقترح.
وباختصار وقبل تناول المسودة بتحليل مفصل نجد أن أهم الملاحظات عليها تمثلت في غياب مبدأ التوازن في توزيع الصلاحيات، خاصة بين مجلس النواب ومجلس الدولة وحكومة الوفاق الوطني. وهذا ينذر باستمرار الأزمة؛ فقد منح إلى جانب الصلاحيات الكاملة لمجلس النواب فإنه منحه كذلك حق إقرار الاتفاق السياسي وتعديل الإعلان الدستوري تعديلا ثامنا ليتوافق مع بنود الاتفاق السياسي.
كما أن هناك غياب للتفصيل المهم فيما يخص المجلس الأعلى للدفاع والأمن القومي وترك أمره لمجلس النواب يفصله لاحقا ولعل الأمر يزداد غموضا في المسودة عندما تتحدث عن إرجاع الصلاحيات الأمنية التنفيذية إلى الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، دون إعادة توضيح لهذه المسميات. فهي مصطلحات يراد تحيل على وجود مؤسسات مهنية محترفة تلتزم المعايير الدولية في تكوينها وإدارتها. وهذا ربما لا يصدقه الواقع في ليبيا.
رسالة ليون
تضمنت الرسالة التي قدم بها السيد برناردينو ليون المبعوث الأممي لدى ليبيا مسودة الاتفاق السياسي المقترحة منه، والمقدمة لأطراف الحوار السياسي الليبي، عديد الأوصاف والإقرارات والاستنادات؛ فالمبعوث الأممي أقر في رسالته أن المسودة غير نهائية، واعترف بأنها لا تلبي توقعات بعض الأطراف، وخص بذلك ما يتعلق بتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات المذكورة في المسودة، خاصة بالمقارنة بين صلاحيات مجلس النواب ومجلس الدولة. وهو ما ظهر واضحا في مستوى الرفض الذي قوبلت به المسودة من المؤتمر وداعميه، ممن يستندون في موقفهم إلى حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، وكذلك بنتائج النزاع على الأرض.
وأسهب السيد ليون في تفصيل القيم الدستورية والممارسات الديمقراطية التي استند إليها في صياغة هذه المسودة، بعد أن أعلن احترامه لنتائج انتخابات مجلس النواب، وكذلك حكم الدائرة الدستورية الذي فسره كثيرون بأنه إنهاء لانتخابات مجلس النواب، لكن ليون برر عدم العمل بذلك التفسير بحماية أصل استمرار الدولة، مستندا في ذلك لفهم وممارسة ديمقراطية في التجربة الإنسانية.
وأوضحت رسالة ليون أن المسودة ستمدد لمجلس النواب وهيئة صياغة مقترح الدستور ضمن مرحلة انتقالية قد تمتد إلى عامين بحسب مخرجات هيئة الدستور، وربط كل ذلك باستمرار حكومة التوافق حتى إجراء انتخابات تشريعية مبنية على الدستور الدائم.
وأشار ليون في مواضع عدة، منها أهمية محاربة الإرهاب والتصدي للعنف ومحاربة الاتجار بالبشر المتمثلة في الهجرة غير الشرعية، إلى أوروبا مؤكدا وجود دعم دولي لكامل عملية الانتقال السياسي في ليبيا، من خلال إيجاد آليات رقابة فاعلة ودعم العمليات الإنسانية والمساعدة في تأسيس حكم رشيد.
وأنهى ليون رسالته بأهمية مشاركة الجيش والمجموعات المسلحة للوصول إلى رؤية بخصوص الترتيبات الأمنية، ومشاركة زعماء القبائل في الحوار لضمان نجاحه ودعمه.
ولعله يلاحظ على رسالة المبعوث الأممي ومواطن في مسودة الاتفاق السياسي غلبة اللغة الوعظية الناصحة كمستند لتمرير ما يمكن أن تعتبره أطراف عديدة في الأزمة الليبية إهمالا لها، أو تقليلا من تأثيرها على الأوضاع السياسية رغم تحكمها في مساحات واسعة من الجغرافيا مدعومة بعمق ديمغرافي اجتماعي وعسكري ميداني.
المسودة الثالثة
أولا: الديباجة
تضمنت المسودة عددا من المسائل بينها أن الاتفاق السياسي يلتزم المسار الديمقراطي ونتائج الانتخابات المؤسسة لمجلس النواب في نفس الوقت، الذي أعلنت فيه احترامها للقضاء واستقلاله وحياده ونزاهته. لكن عند التفصيل في مسودة الاتفاق جاء الميل واضحا إلى نتائج الانتخابات؛ فاعترفت بشكل كامل بمجلس النواب كهيئة تشريعية وحيدة، كما جاء في تفاصيل المسودة، وإن كانت المسودة قد نظرت للمجلس من خلال كل أعضائه، حتى المقاطعين منهم، وأوضح المبعوث أنه سيقوم بجمع كل الأعضاء قبل منتصف شهر يونيو القادم لتهيئة الأوضاع لالتئام شمل المجلس.
ولم تتأثر مسودة الاتفاق بشكل ملموس في بنودها وجملها وكلماتها بحكم الدائرة الدستورية في المحكمة العليا، مع إقرارها القاطع بنزاهة واستقلالية وحيادية القضاء الليبي، وربما بررت عدم الالتزام بضرورة استمرار الدولة، التي رأت البعثة أن استمرارها يكمن في اختيار آخر الهيئات التشريعية المنتخبة، وهو مجلس النواب. وهذا أمر يمكن تفهمه لو أن المسودة راعت أيضا أمرين اثنين؛ الأول هو حكم المحكمة ضد مجلس النواب. والثاني هو سلوك أعضاء المجلس الحاضرين منذ انتخابه ابتداء من مخالفتهم لقواعد التسليم والاستلام المنصوص عليها، وصولا إلى عشرات القرارات التي أسهمت في إذكاء الصراع السياسي والمسلح في ليبيا. بل لم يتوقف النواب الحاضرون عن دعوة قوى إقليمية ودولية للتدخل في ليبيا.
وتتمثل مراعاة الأمرين السابقين في إحداث توازن في العملية السياسية عبر آليات عديدة؛ منها عودة المقاطعين من النواب وتغيير مقر المجلس ليكون في مدينة سبها بالجنوب الليبي، وكذلك بإشراك طرف النزاع الآخر وهو المؤتمر في توازنات المرحلة التوافقية السياسية، عبر حضوره في مجلس الدولة بصلاحيات رقابية ملزمة لمجلس النواب والحكومة، ومرجعية لقرارات النواب. ويكون حَكَماً أوليا، قبل القضاء، في النزاعات بين الحكومة والنواب.
ومما يحمد للديباجة تأكيدها على مشاركة كل الليبيين بما فيهم المرأة والشباب والمكونات الثقافية، وظهر ذلك واضحا بشكل نسبي في الهيكل السباعي المقترح لإدارة الدولة، مع الملاحظات الخاصة بتطبيقات من يتواجد في مكونات الهيكل وتوزيع الصلاحيات بينها.
ومن المهم ما ورد في المسودة من امتلاك الدولة وحدها، حق استخدام القوة الخاضعة للقانون، وضرورة تبعية المؤسسة الأمنية والعسكرية والشرطية للسلطة المدنية، وخضوع مسؤولي الأمن للرقابة المدنية والمساءلة والمحاسبة.
وأسست المسودة عديد قراراتها وموادها على حرمة انتهاك حقوق الإنسان، ووجوب حمايتها وبناء الحاضر والمستقبل الليبي على الشراكة والمصالحة والعدالة والمواطنة.
ثانيا: مبادئ حاكمة
تضمنت المبادئ الحاكمة ما يمكن اعتباره من البدهيات؛ كالحفاظ على وحدة ليبيا الوطنية والترابية، ورفض أي تدخل خارجي في شؤونها، إلا أن وضعها في المبادئ الحاكمة يؤكد الالتزام الدولي برفض ما تتعرض له ليبيا اليوم من تدخل أجنبي يكاد يؤثر على أصل وجودها كوطن واحد يجمع كل الليبيين.
وبعد حديث متوقع عن التحول الديمقراطي والفصل بين السلطات، تأتي المبادئ الحاكمة لتؤكد على ما يمكن وصفه بهدم الكثير من المبادئ والأسس الواردة في المسودة، وذلك من خلال تأكيدها المطلق على أن مجلس النواب يمثل السلطة التشريعية الوحيدة حلال الفترة الانتقالية.
وربما يمثل هذا الإقرار ما وصفه عديدون بأنه إصرار من البعثة على استمرار أصل الأزمة السياسية في ليبيا، والخلاف الذي صاحب القوانين والإجراءات المتعلقة بمجلس النواب، وما صدر عنه من قرارات جدلية أسهمت في تأزيم الأوضاع في ليبيا وأعطت “شرعية” لعلميات حربية تأثرت بها قطاعات عديدة من المدنيين.
ورغم أن البعثة قدمت في رسالة ليون ما رأته مبررا لميلها لهذا المنحى، فإن تمديدها لمجلس النواب لمدة قد تصل إلى عامين، يوقعها في ما اعتبرته هي نفسها خطأ وقع فيه المؤتمر عندما فسر في مدة سابقة الفترات الزمنية الواردة في الإعلان الدستوري على أنها تنظيمية، وليست من باب تحديد أمد المؤتمر. واليوم تقع البعثة ربما في نفس الإشكال بالتمديد لمجلس النواب الذي من المفترض، حتى في حالة تجاهل حكم المحكمة، انتهاء ولايته في أكتوبر المقبل.
ولعله على البعثة الأممية ورئيسها، في حال رغبت في الابتعاد عن دخولهم في مستوى الجدل بين الليبيين ،أن تعيد تعديل المسودة بما يسمح باستمرار وجود الجهتين التشريعتين، مادام الأمر قد طال إحداهما بالتمديد ليمارسا معا توازنا سياسيا؛ فالأزمة بتعريف المسودة والبعثة سياسية وليست قانونية، وبالتالي لا يصح الاستناد على القانون وحده، (وأقصد به الانتخابات) لصالح جهة، وعدم الالتفات إليه لما كان لصالح جهة أخرى على الأقل هكذا يفسر عديدون فحوى المسودة.
ولتصحيح عدم التوازن والخروج من الاستخدام غير المتوازن لعلوية القانون، قد يصبح لازما إشراك المؤتمر في إقرار التعديلات الخاصة بالاتفاق السياسي على الإعلان الدستوري، ثم تسميته تصريحا في عضوية مجلس الدولة، وجعل صلاحياته رقابية ومرجعية، كما تمت الإشارة آنفا.
ثم استمرت المبادئ الحاكمة في تقديم عديد المواد التي لن تكون محل خلاف بين أطراف الأزمة السياسية، كمحاربة الإرهاب والتصدي للعنف، ومن المهم ما أكدته المبادئ من تجريم التحريض على العنف والإرهاب بأي شكل كان.
والتزمت المسودة بتحقيق المصالحة والشراكة وتفعيل اللامركزية عبر قانون صدر عام 2012 وحماية موارد ليبيا وثرواتها. ودعت إلى معالجة أوضاع المهجرين والنازحين وهذا أمر لا ينبغي أن يختلف بشأنه الليبيون.
لكن ربما وقعت المسودة مجددا في فخ المصطلحات الموهمة عندما تحدثت عن جيش وجهاز أمني، فهي رغم حديثها عن ضرورة تطوير الجهاز ورفض مشاركته في السياسة وخضوعه للمراقبة والمساءلة المدنية، فإنه من المهم للبعثة ولأطراف النزاع في ليبيا الإقرار بإشكاليات عدة تتعلق بالأجهزة العسكرية والشرطية في ليبيا، فهي لم تتأسس من البداية كأجهزة محترفة، مما يجعل من الصعب توقع استطاعتها الاضطلاع بواجبات ومهام الأجهزة الأمنية المحترفة، كالتي نعرفها في الدول الديمقراطية ذات العراقة في تعريف أدوار مؤسسات الدولة والسلطة.
ومن المهم بلا شك للمسودة والبعثة الأممية أن تستند إلى جهاز عسكري وأمني رسمي بالشكل المتعارف عليه دوليا، وهذا أمر لا جدال فيه، ولكن لن يبرر ذلك التعامل مع الواقع في ليبيا، بعيدا عما يمكن أن توصف به الأجهزة العسكرية والأمنية من ابتعاد عن أدوارها المتعارف عليها؛ فبعضها منغمس في العملية السياسية وغيرها منخرط في الاقتتال الحالي بين أطراف الأزمة في ليبيا، ولذا لا بد من توسيع الحوار بخصوص هذه المؤسسات للوصول إلى توفيق بين الحالة المتوقعة للأجهزة الأمنية والعسكرية وبين واقع تلك الأجهزة في ليبيا اليوم.
ثالثا: حكومة الوفاق الوطني
ربما شكل الإسهاب في فصل حكومة الوفاق الوطني رؤية البعثة الأممية ورئيسها للأزمة السياسية في ليبيا؛ فالسيد ليون منذ توليه طرح فكرة تشكيل حكومة وفاق وطني تتولى مهمة الخروج بليبيا من أزمة الانقسام السياسي، وربما يكشف النظر للصلاحيات الواسعة التي منحت لحكومة الوفاق ما يعكس هذه الرؤية.
وهذا أمر كان يمكن أن يكون أبعد في إيجابيته، لولا تقدير المسودة والبعثة بمنح مجلس النواب (بكل أعضائه) سلطة الرقابة والمحاسبة على حكومة التوافق، وهو في ظاهره مهم ولكن بسبب ما أحاط بمجلس النواب، وما يمثله حاليا مكان انعقاده من إشكالات، ربما لن يختلف كثيرون في دورها في تعميق أزمة الانقسام السياسي في ليبيا والانزلاق بليبيا نحو احتراب واقتتال أثر بشكل كبير على مئات الآلاف من المدنيين، وربما على عدة ملايين منهم.
رابعا: تدابير بناء الثقة
وهي مجموعة من الأفعال والقرارات تلتزم بها حكومة الوفاق الوطني اقترحتها مسودة الاتفاق السياسي، ربما تلخص بأنها أفعال تظهر احتكار الحكومة لمفهوم السيادة من خلال السيطرة على كامل التراب الليبي ومنافذه وتحكمها في المؤسسات والمنشآت العامة، وهيمنتها الأمنية والقضائية على ليبيا، وحمايتها للمجتمع من أي محاولات للاصطفاف بما في ذلك مراقبة المؤسسات الإعلامية والسياسية ومنعها من التحريض ودعم أي طرف لتحقيق مكاسب سياسية.
خامسا: الترتيبات الأمنية
وجعلت المسودة هدف الترتيبات الأمنية هو تحقيق رؤية البعثة الأممية، وهدف الحوار ورجاء الاتفاق السياسي، المتمثل في إنهاء النزاع السياسي، بما يشمل تمثلاته العسكرية كذلك. ولا شك أن عديد التفاصيل التي تُمَرْحِلُ للترتيبات الأمنية تعكس احترافا وخبرة إنسانية إلا أنما ذكرناه من الحديث عن جيش وجهاز أمني يمكن أن يكون الجهة المخولة باستلام الأوضاع الأمنية في ليبيا، يعود بنا إلى ذات الإشكال المتعلق بأهمية، بل ربما ضرورة، تعريف مصطلح الجيش، وما المقصود في ليبيا بالمؤسسة العسكرية؟ وأي تعميم وإجمال في هذا الصدد قد يفشل كل الجهود المبذولة لإنهاء الاقتتال في ليبيا.
فكما تم تعريف بعض المنظمات بالإرهاب فلا بد من التقييم التفصيلي للمؤسسة العسكرية والأمنية، وقد يكون مهما إخراج وإقالة كل القيادات والعناصر العسكرية والأمنية التي أسهمت في إذكاء الاقتتال الدائر في ليبيا، ومنهم من هو متهم بارتكاب مخالفات للقانون الليبي، والقانون الدولي الإنساني، وميثاق حقوق الإنسان، وربما يرى البعض أن عديد الأعمال القتالية المنسوبة لفصائل محسوبة على الأجهزة العسكرية والأمنية الحالية لدى كل الأطراف قد ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب. وهو ما لم تتنبه له المسودة؛ إذ تحدثت في الترتيبات الأمنية عن دعم وتفعيل الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، وقد لا يشفع، إن كانت البداية بالدعم والتفعيل للوضع القائم المنقسم، الحديثُ عن أي جهود ترمي إلى تطوير وتحديث الجيش الأجهزة.
الأمر ذاته ينجر بخصوص استيراد الأسلحة والذخيرة من قبل حكومة الوفاق الوطني التي أخضعتها المسودة للمراقبة والمساءلة وإمكانية الإقالة من قبل مجلس النواب الذي يشكل أحد أطراف الأزمة الحالية في ليبيا في جانبها السياسي والأمني والاجتماعي.
سادسا: العملية الدستورية
وهذا موطن خلاف لم تعالجه المسودة الأممية فمن جهة لم تمنح مسودة البعثة المقترحة حكم الدائرة الدستورية أي مساحة للتأثير الفعلي على الاتفاق السياسي، وإن كانت منحته تأثيرا شكليا في تشكيل مجلس الدولة ذي الصلاحيات الاستشارية غير الملزمة.
كما أن المسودة لم تنطلق من تقييم عمل هيئة الستين والذي ظهر في انتقادات شخصيات مهمة من أعضاء الهيئة، ومن اتجاهات ومناطق مختلفة، واكتفت المسودة بالتبرير للهيئة، ومنحها مزيدا من الوقت قد يصل إلى عامين قادمين، دون النظر هل تستطيع بتركيبتها الحالية الوصول إلى مسودة دستور توافقية بعد مدة من الانقسام متعدد الأشكال والجوانب في ليبيا.
لا تزال المواد المتعلقة بالهيئة بحاجة إلى توسيع الحوار بشأنها للوصول إلى تقييمات دقيقة بخصوصها، وقد تحتج البعثة بضغط الوقت واستمرار القتال، وقد يقترح عليها إرجاء الحديث عن الهيئة الدستورية والتركيز على معالجة الإشكال في توزيع الصلاحيات بين مجلس النواب والمؤتمر الوطني، ومن ثم المضي بعد ذلك قدما عبر الحوار لمعالجة أوضاع الهيئة الدستورية.
سابعا: المجالس المختصة
هنا تقع المسودة في نوع من الإجمال المخل؛ فالإدارة المحلية واللامركزية والوضع الأمني من الإشكالات الرئيسية في الأزمة الحالية، وهذا ربما يدعو البعثة إلى حث الأطراف المشاركة في الحوار على أهمية الوصول إلى تفاصيل متوافق عليها تتعلق بتنظيم التشتت العسكري والأمني من خلال منظور غير تقليدي بل ينظر إلى تفاصيل الواقع الليبي، وصولا إلى رؤية ترسم إطارات وهياكل المؤسسة العسكرية والأمنية بما يخدم الاستقرار السياسي بعد الانتهاء من الانقسام السياسي الحالي.
وربما تكمن فاعلية ذلك في تقييم كل القيادات العسكرية والأمنية الحالية لدى كل الأطراف دون أي استثناء؛ فالحديث هنا ليس انحيازا لطرف أو تصحيحا لأوضاع خاطئة لصالح أي طرف كان. وينتهي التقييم بالوصول إلى شروط لمن سوف يستمر في المؤسسة العسكرية ومن سينضم إليها جديدا. وتتم معالجة أوضاع المبعدين بمنطق المصالحة والعدالة.
ثامنا: المجلس الأعلى للدولة
وهو ما اعترف ليون بأن صلاحياته لن تلبي توقعات أطراف في الأزمة السياسية في ليبيا، وهذا أمر صدقته بنود ومواد مسودة الاتفاق السياسي المقدمة من البعثة الأممية، رغم أن رسالة السيد ليون وديباجة المسودة اتفقتا في الإعلان عن احترام حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا وإيمان البعثة والمسودة بنزاهة وحيادية واستقلال القضاء، وعلى الرغم من التفصيل الملاحظ في الحديث عن مجلس الدولة، إلا أن أمر منحه صفة استشارية يصدر بها توصيات فقط، هدم أي جدوى مرجوة من أن تؤدي تلك الصلاحيات إلى بناء هيكل للسلطة في ليبيا يحقق التوازن السياسي المفضي إلى مزيد من البناء الديمقراطي، وبالتالي الابتعاد بليبيا عن الوقوع في منزلق الحرب الأهلية الشاملة.
المسودة بحاجة، من خلال حوار بين الأطراف وبدعم البعثة وتأثيرات إيجابية من القوى الكبرى، إلى تعديلات تقر لأحد أطراف الأزمة صلاحيات تعجل في إنهاء الانقسام السياسي، وتوازن في الصلاحيات بين مؤسسات الدولة، ولا تمنح طرفا مباشرا في الأزمة، مهما تم التبرير لشرعيته، صلاحيات على مؤسسات الدولة التنفيذية، بما فيها الأمنية، مما ينذر بنقل البلد إلى مرحلة أكثر تعقيدا من الأزمة بين مكوناته السياسية والاجتماعية والثقافية.
تاسعا: الدعم الدولي
وهو أمر سيكون أكثر تأثيرا لو استخدم المبعوث الأممي علاقاته وصلاحياته لإقناع المجتمع الدولي، ومنظماته الأساسية، كمجلس الأمن، بالضغط على الأطراف للقبول بمسودة اتفاق تحقق التوازن الذي افتقدته المسودة الثالثة. لأنه بدون الوصول إلى هذا الاتفاق المتوازن فإن مستقبل الاستقرار في ليبيا يصبح مجهولا، ويقع بالأساس على المجتمع الدولي ممثلا في بعثته الخاصة إلى ليبيا ومؤسساته.
لعل أهم ما تحتاجه ليبيا اليوم هو دعم بالضغط إيجابيا على الأطراف الأكثر تعنتا للوصول إلى اتفاق سياسي يصل إلى جذور الأزمة السياسية الحالية، ويقترح حلولا تعزز السلم والسلام، وتمنع تحول ليبيا إلى بيئة خصبة للإرهاب والاستبداد.
عاشرا: أحكام ختامية
من أهم ما أشارت إليه الأحكام الختامية، إلى جانب تكرارها للخطأ الموضوعي المتعلق بمجلس النواب، التأكيد على التئام المجلس بكل أعضائه ومنعه من اتخاذ أي قرارات تعارض الاتفاق السياسي. لكنها لم تكن واقعية عندما دعت مجلس النواب ومجلس الدولة للتعاون، وإظهار الدعم بينهما رغم أن توزيع الصلاحيات بينهما غير متوازن؛ فأحدهما ذو صلاحيات واسعة وحاكمة حتى على الحكومة، وهو مجلس النواب والآخر (مجلس الدولة) له دور استشاري فقط.
لكن من جهة أخرى أشارت تلك الأحكام الختامية إلى أمرين مهمين الأول استمرار الحوار بغية مراقبة تنفيذ الاتفاق السياسي، وكذلك حق كل أطراف الحوار في أن يدعو أحدها إلى عقد جلسة للحوار يضم كل أطرافه. والأمر الثاني استبعاد أي شخص عن المناصب العامة إذا ما كان متهما في قضايا تتعلق بجرائم الحرب أو شمله قرار مجلس الأمن رقم 2174.
ملخص
المسودة جيدة في مجملها، لكن الضعف البنيوي جاءها من تجاهل طرف رئيسي ومهم في الأزمة الحالية وهو المؤتمر، وكل ما يتبعه من مكونات سياسية وعسكرية واجتماعية، ومنح الطرف الآخر الذي هو البرلمان ومن يجتمع حوله من سياسيين وأعيان وعسكريين رجحانا. لم تنجح المسودة والبعثة في وضع أسس متينة تقنع بصحة ما ذهبت إليه مما يتطلب منها مراجعة هذا الانحياز (حتى في غياب القصد).
والأمر الثاني يتمثل في التعامل مع الجيش والأمن في ليبيا وكأنهما طرفان خارج النزاع السياسي والعسكري الحالي، مما يزيد تعقيد المشهد والأوضاع، وينذر، كما ذكر سابقا، بانزلاق البلد في أتون حرب أهلية ضروس. ولن ينفع معها التلميح والتهديد بالعقوبات وغيرها من المجتمع الدولي؛ فكل ذلك لم يمنع اندلاع واستمرار حروب أهلية في عشرات المناطق حول العالم.
ولعل عدم تصحيح هذه الإشكالات البنيوية في المسودة سيجعل الكثير من الجيد فيها كالسراب تكتشف أنه غير موجود وسط هذه الإشكالات الأساسية.
لا يزال الأمل بأن تواصل البعثة وكل الأطراف، الحوارَ، وبدعم ورعاية وضغط دولي، للوصول إلى اتفاق أكثر توازنا ينهي الانقسام في ليبيا ويضعها من جديد على جادة الاستقرار والبناء.
التدوينة مسودة الاتفاق السياسي المقدمة من المبعوث الأممي.. قراءة في المضمون ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.