المرصد الليبي للإعلام
ذكر الكاتب ماركو أرنابولدي، في مقال نشر على موقع “ذي أتلانتيك كاونسل” أن مع الاقتراب من تحرير مدينة سرت الليبية من تنظيم “الدولة” (داعش)، يبدو أن التنظيم يسعى إلى التأقلم مع التطورات عوض الاضمحلال، فرغم تراجع تواصله مع العالم الخارجي، أبرزت التصريحات الأخيرة لقادة التنظيم والأساليب المستخدمة في القتال، مدى قدرته على التعامل مع التداعيات، ومن أجل بقائه على قيد الحياة، يتوارى التنظيم عن الأنظار، وتشكيل شبكة من الخلايا السرية.
وفي بيان صوتي، صدر في 2 نوفمبر الجاري، اعترف قائد التنظيم “أبو بكر البغدادي” بأن الانضمام إلى التنظيم أصبح أصعب من قبل، لكنه طمأن أنصاره بأن طرق الهجرة إلى ليبيا ما تزال سهلة، ما يمثل مؤشرا على الثقة المتجددة في إمكانية تواصل التنظيم.
واعتبر الكاتب أن “داعش” يعرف أوقاتا صعبة في ليبيا، وخلافا لسوريا والعراق، تبقى ليبيا كيانا مجزأ، فمن الناحية المثالية، تنقسم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم هي : طرابلس وبرقة وفزان، لكن على أرض الواقع، لا تتجاوز سلطة ولايات برقة وطرابلس بنغازي وسرت، أما فزان فلم تمارس أي شكل من السلطة الإقليمية، لذلك lا تزال بعض عناصره وخلاياه ناشطة في فزان وطرابلس، وهي تشكل مستقبل التنظيم.
تواصل
وفي أوائل هذا العام، أحكم تنظيم “الدولة” قبضته على مدينة سرت الساحلية، في وقت مثلت فيه ليبيا خيارا واقعيا لتراجعه، لكن النكسات الإقليمية الخطيرة في الأشهر الأخيرة، أثرت فيه، ما جعل بيانه الأخير غير متوقع، فقد تمكنت قوات “البينان المرصوص” من محاصرة مقاتليه في منطقة صغيرة هي حي الجيزة البحرية، ومع ذلك، يبدو أن خسارة سرت لا تمثل نهاية لطموحات التنظيم.
وبعد ستة أيام من بيان “البغدادي”، نشر التنظيم العدد الثاني والخمسين لنشرته الأسبوعية “النبأ”، تضمنت مقابلة مع “حاكم ولاية طرابلس”، “أبو حذيفة المهاجر” وقال إن التنظيم يواصل جذب المقاتلين الأجانب، وتحدث مرارا وتكرار عن وجود وحدات له في صحراء ليبيا، وادعى أيضا أن هذه الوحدات مسؤولة جزئيا عن تباطؤ معركة سرت، وقد تعرضت القوات الليبية منذ شهر أغسطس الماضي للعديد من الهجمات على الخطوط الخلفية، نفذها مسلحون آتون من الجنوب والغرب، كما اعتمد التنظيم على الخلايا الخارجية لزرع العبوات الناسفة على خط الإمدادات بالنسبة للقوات الليبية، ويقوم عناصره بتهديد الطريق السريع الرابط بين سرت ومصراتة.
وقد أكد “المهاجر” أن هذه الوحدات أنشأت حديثا، وتتكون أساسا من أجانب، وهي مستعدة للسيطرة على الأرض، يذكر أن التنظيم ليس جديدا في هذا الجزء من ليبيا، فقد اعتمدت الوحدات على شبكة موجودة سابقا، حيث أظهر شريط فيديو نشر في أبريل 2015 مقاتلين في إقليم فزان يعدمون أثيوبيين مسيحيين.
وبالإضافة إلى ذلك، ألقى أمير التنظيم في بنغازي، “أبو مصعب الفاروق”، رسالة قصيرة بشأن إعادة تشكيل التنظيم في منطقة لا تبعد كثيرا عن سرت، وادعى أن قادة “ولاية” طرابلس فروا من سرت بأمان، ويسعون لتشكيل حياة جديدة للتنظيم، ويبدو أن هذا المشروع جار بدعم من القيادة المركزية للتنظيم على ما يبدو.
إعادة
وبين الكاتب أن عدة شخصيات بارزة في التنظيم قتلت في سرت، وتم تعيين قادة جدد، ويقول “المهاجر”، على سبيل المثال، إنه تولى منصبه بعد أن فجر سلفه نفسه قبل ثلاثة أشهر، ووفقا لمصادر أمنية في طرابلس، اختار “البغدادي” المدعو “جلال الدين التونسي” في سبتمبر الماضي كقائد جديد لفرع التنظيم في ليبيا.
وأضاف الكاتب أن من غير المرجح أن تبقى الوحدات الجديدة للتنظيم وراء الأضواء، فتموقعها في ليبيا يسمح لها بتنفيذ هجمات متقطعة في المدن الساحلية بإقليم طرابلس، وتمثل العاصمة طرابلس ومصراتة أهدافا رئيسية، بسبب ما يمثلانه على المستويين السياسي والمؤسساتي، وفي هذا السياق، تكتسي مدينة بني وليد أهمية خاصة، باعتبارها قاعدة لوجستية، خاصة وأن عددا من مسلحي التنظيم -الذين فروا من سرت- قد لجأوا إليها، علاوة على أن اعترافات أحد المقاتلين -الذين قبض عليهم- بينت أن القائد السابق لولاية طرابلس متواجد في المدينة، وعلى الأرجح أن بني وليد هي المكان الذي أشار إليه “أمير” بنغازي في رسالته.
ويمكن للتنظيم أيضا أن يختار بديلا آخر، وهو إطلاق تمرد في إقليم فزان، خاصة وأن المنشآت النفطية هناك تمثل هدفا مثاليا لإحداث الضرر بالاقتصاد الليبي، وقد استغل التنظيم الفراغ المؤسساتي هناك لإقامة نقاط تفتيش، ففي 16 نوفمبر الجاري، أصدرت وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم، شريط فيديو يظهر مقاتلين يحرسون نقطة تفتيش في مكان ما جنوب سرت، وإلى جانب سرت، تبقى بنغازي المنطقة الوحيدة التي تشهد معارك بالنسبة للتنظيم، وتبقى الخلية المحلية هناك مهمة، بما أنها تمهد الطريق للجماعات الإسلامية المختلفة بالعمل مع بعضها البعض، ففي منطقة قنفودة مثلا، يتعايش التنظيم مع تحالف إسلامي ذو صلة بتنظيم “القاعدة” تحت اسم “مجلس شورى ثوار بنغازي”، ويتعاون الجانبان حاليا في القتال ضد الجيش الوطني الليبي.
واعتبر الكاتب أن ما يعتبر حاليا علاقة تعاون تكتيكية، قد يتحول إلى ممارسة واسعة، وإذا كان لليبيا أن تحقق استقرارا أفضل، فقد تجد مختلف الجماعات الإسلامية أن من المفيد التعاون في ما بينها، وقد يستفيد أيضا التنظيم من انسجامه مع المشهد السلفي الإقليمي، خاصة بعد دعوة المفتي الصادق الغرياني الفصائل الإسلامية الليبية إلى رص الصفوف ومحاربة القوات الحكومية.
هذا ولا يمكن للتنظيم أن يتحمل تراجع عدد المقاتلين، ما كشفته تصريحات “البغدادي” و”المهاجر”، وقد اعتمد في الفترة الأخيرة، على عدد من المنافذ غير الرسمية لتلبية احتياجات الدعاية، ورغم أن وسائله الإعلامية عرفت مشاكل تقنية، إلا أنها كانت مسؤولة عن حملات تجنيد واسعة خاصة في منطقة الساحل.
وبين الكاتب أن على الرغم من أن تحرير سرت هو إنجاز كبير لتحسين الأمن في ليبيا، إلا أن التخلص من التنظيم ما يزال بعيدا، وقد تشهد ليبيا في الأشهر القليلة القادمة إطلاق حملة تمرد من قبل التنظيم.
التدوينة “داعش” وأساليب التأقلم مع التطورات ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.