المرصد الليبي للإعلام
ذكرت الكاتبة فريديريكا سايني فاسانوتي، في تقرير نشر على موقع “معهد بروكينغز” أن القوى الخارجية لطالما ساندت أحد جانبي الصراع في منطقة الشرق الأوسط، واليوم، هناك تركيز كبير على الحرب بالوكالة في سوريا، حيث تدعم روسيا وحلفاؤها نظام بشار الأسد من جهة، وتدعم الولايات المتحدة وحلفاؤها المعارضة السورية من جهة أخرى، ولكن هناك حرب مماثلة قد تكون بصدد الحدوث في ليبيا، ولكنها غير واضحة بعد، حيث تساءلت الكاتبة عن الجانب الذي تدعمه روسيا في ليبيا وأسباب هذا الدعم.
ولفتت إلى أنه خلال السبعينات من القرن الماضي، كان من الواضح بالنسبة لمعمر القذافي أن التطورات في المنطقة لا تتجه لصالحه، فقد تدهورت علاقات ليبيا مع مصر بشكل خطير، حيث انتشرت الشائعات بأن ليبيا تمول سرا الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين من أجل شن هجمات على مصر، وكان الرئيس المصري الراحل أنور السادات يهاجم “مجنون ليبيا” في خطبه، علاوة على ذلك، وغداة فترة من الوساطة المكثفة من قبل وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، قامت مصر بتعزيز علاقاتها مع إسرائيل عبر توقيع اتفاق سيناء المؤقت (سيناء 2) في سنة 1975.
وسعى القذافي إلى توطيد علاقاته مع الاتحاد السوفياتي عام 1976، عندما أدرك التدخل الأمريكي المتزايد في الشرق الأوسط، وكانت ليبيا بالفعل أحد أهم مشتريي الأسلحة الروسية، ووقع القذافي عقودا لجلب آلاف المهندسين والمدربين العسكريين السوفيات من أجل بناء قواعد الصواريخ الجديدة، وكان ذلك انطلاقا لعلاقة صداقة وثيقة وطويلة الأمد، وعلى مدى العقد التالي، تواجد أكثر من 11 ألف جندي روسي على الأراضي الليبية، ووفقا لبعض المصادر، شاركوا جنبا إلى جنب مع الجيش الليبي في الصراعات المختلفة، في المقابل، تم إرسال العديد من المسؤولين الليبيين إلى الاتحاد السوفياتي في دورات متخصصة.
اتفاقيات
وتراجعت زيارات القذافي إلى موسكو عام 1985، ولم تستأنف سوى سنة 2008، وبينت الكاتبة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان على استعداد لإلغاء 450 مليار دولار من الديون المتخلدة بذمة ليبيا خلال الحقبة السوفياتية، مقابل اتفاقيات تجارية مناسبة بين الطرفين، وقدرت قيمة الصفقات ما بين 5 و10 مليارات دولار، تتضمن مبيعات الأسلحة وعقدا لبناء خط سكك حديدية بين سرت وبنغازي، وتبلغ قيمة هذا العقد الأخير وحده حوالي 2،2 مليار دولار، وكانت روسيا أيضا تبحث عن قواعد إستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط، فمنح القذافي لروسيا حق دخول أسطولها إلى ميناء بنغازي، وأبرزت الكاتبة أن علاقة القذافي بالولايات المتحدة لم تكن جيدة، ورأى أن الاتفاق مع روسيا سيكون رادعا ضد أي تدخل أمريكي.
وعندما اندلعت الثورة في ليبيا سنة 2011، كانت روسيا من أشد منتقدي التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعلى الرغم من أن روسيا لم تستخدم حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973، -الذي شكل الأساس القانوني للتدخل-، إلا أن الأمر استغرق عدة أسابيع لتحول دعمها لصالح المجلس الوطني الانتقالي الليبي السابق، وقد مثلت عقوبات الأمم المتحدة ضد النظام الليبي خسائر فادحة بالنسبة لروسيا، حيث خسرت أكثر من 4 مليارات دولار، وعلى سبيل المثال، ألغي عقد بقيمة 600 مليون يوريو لتوريد أنظمة الصواريخ المضادة، فضلا عن تأجيل اتفاق السكك الحديدية لأجل غير مسمى، وفي أعقاب الثورة، خشيت روسيا أن تصبح ليبيا أكثر موالاة للغرب، لذلك اضطرت لتحديث إستراتيجيتها.
وبناء على دعوة روسيا، سافر رئيس الحكومة الليبية في طبرق، عبد الله الثني، إلى موسكو في أبريل 2015 لإعادة العلاقات الثنائية، التي توقفت رسميا عقب انهيار نظام القذافي. وذكر الثني موسكو بأن لديها مليارات الدولارات من الاستثمارات في ليبيا، تنفذ بعضها من قبل مجموعة “غازبروم” والشركات التابعة لها، إضافة إلى أنشطة التنقيب وإنتاج الغاز، لكن أدت سلسلة من الاتفاقات إلى تشكيل حكومة الوفاق الوطني بدعم الأمم المتحدة، وإضعاف حكومة الثني، ووسط الجمود السياسي، لم يتغير الكثير في ليبيا، فهي ما تزال منقسمة في ظل وجود فصائل متنافسة، في الوقت الذي ينهار فيه الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
فرص
وتساءلت الكاتبة عن الدور الروسي في ليبيا حاليا، وبينت أن بالرغم من أن الأمم المتحدة كانت قد فرضت حظرا على الأسلحة، إلا أن الأسلحة ما تزال تصل ليبيا، ويعتقد العديدون أن روسيا تجاوزت الحظر لدعم الحكومة الليبية في طبرق، والسبب الآخر له بعد عسكري، فعلى سبيل المثال، أدى قائد الجيش الوطني الليبي (المعين من قبل مجلس النواب)، خليفة حفتر خلال شهر يوليو 2016 زيارة غير رسمية إلى موسكو، التقى خلالها بوزير الدفاع الروسي، سيرجي شيغو، ونائب وزير الخارجية إيغور مورجولوف ونيكولاي باتروشيف المستشار الشخصي لبوتين.
كما تتولى روسيا أيضا طباعة بعض العملة الليبية، ففي شهر مايو الماضي، طبعت أوراق نقدية جديدة بقيمة 4 مليارات دينار ليبي (3 مليارات دولار) في روسيا لفرع مصرف ليبيا المركزي في البيضاء، على الرغم من احتجاجات حكومة طرابلس والمجتمع الدولي، وليس من المستغرب أن ذلك لم يحل مشكلة السيولة في ليبيا، وجعل النظام المصرفي في البلاد أقل مصداقية.
وذكرت الكاتبة أن روسيا، جنبا إلى جنب مع مصر والامارات، تحافظ في الواجهة على دعمها لحكومة الوفاق الوطني، لكنها ما تزال داعما مهما لحفتر والحكومة في طبرق بشكل عام، ودون الحصول على موافقة هذه الأخيرة، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغاي لافروف أن حكومة الوفاق الوطني غير شرعية.
واعتبرت الكاتبة أن الأساس المنطقي للدعم الروسي للحكومة الليبية في طبرق غامض إلى حد ما، فمن غير المرجح أن روسيا لا تهتم إلا بتدعيم سوق السلاح، و لعب دور مركزي أيضا في إعادة إعمار ليبيا سياسيا واقتصاديا، فبعد سنوات من الحرب، تواجه ليبيا صعوبات كبيرة، وهي بحاجة إلى إعادة بناء، ليس فقط على المستويين الاجتماعي والسياسي، لكن أيضا على مستوى البنية التحتية، وعلى الرغم من انخفاض الإنتاج، ما يزال لصناعة النفط إمكانيات هائلة، ناهيك أن حكومة قوية ستضمن استخدام الموانئ الليبية الشرقية في سرت وبنغازي على البحر المتوسط، وبالنسبة لروسيا، التي تواصل توسيع تواجدها في شرق البحر الأبيض المتوسط -تحديدا في سوريا-، هذه فرص من ذهب.
التدوينة الدور الروسي وآفاق العلاقات مع ليبيا ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.