المرصد الليبي للإعلام
ذكر الدبلوماسي الفرنسي السابق في ليبيا باتريك هايمزاده في تحليل نشر على أروينتكسي المختص في التحاليل ومقالات الرأي حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في تحليل نشر يوم 19 سبتمبر الماضي تحت عنوان: “حفتر الجنرال القوي في ليبيا” أن سيطرة القائد العام للجيش الليبي (المعين من قبل مجلس النواب) المشير خليفة حفتر يوم 11 سبتمبر الماضي على موانئ الهلال النفطي الإستراتيجية، جعله يضع نفسه على خط التماس المباشر مع سلطات طرابلس المعترف بها من قبل القوى الغربية.
ويقدر هايمزاده أن الهجوم العسكري المباغت على موانئ الهلال النفطي وسط ليبيا وافتكاكها من كتائب إبراهيم الجضران الموالية لحكومة طرابلس، مثل منعرجا مهما في المشهد الليبي،
علما وأنه غداة عامين من إطلاقه لعملية “الكرامة” العسكرية، التي سعى من خلالها للقضاء على خصومه السياسيين، يجمعهم كلهم في خانة “الإرهابيين الإسلاميين”، نجح المشير الليبي في افتكاك موانئ تصدير النفط.
ويشدد الدبلوماسي السابق المختص في الشأن الليبي أن سيطرة حفتر على منطقة الهلال النفطي ومواصلة معارضته لرئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، تنهي مرحلة سابقة في ليبيا، باعتبار أن حفتر تجاوز مرحلة محاربة “الإسلاميين” في منطقة برقة في كل من درنة وأجدابيا وبنغازي للسيطرة على منطقة الهلال النفطي المتواجدة على حدود منطقتي طرابلس وبرقة.
خطوة
ويضيف هايمزاده أن حفتر بهذه الخطوة خرج من منطقة نفوذه التقليدية ببرقة ليضع نفسه في مواجهة مباشرة مع سلطات طرابلس المعترف بها من قبل القوى الغربية.
وتأتي هذه الخطوة “الجريئة” من حفتر، في الوقت الذي لم ينته فيه بعد تنصيب حكومة الوفاق المدعومة من قبل المجتمع الدولي، والتي تعيش حالة انسداد في الأفق السياسي والميداني.
ويؤكد هايمزاده أن المبعوث الأممي في ليبيا مارتن كوبلر ِأقر بأن الآمال المعلقة على فريق السراج تبخرت بعد خطوة حفتر الأخيرة، خصوصا مع تواصل رفض مجلس النواب في طبرق منح الثقة لحكومته، مع تواصل عجز حكومة الوفاق على حل المشاكل الأمنية والاقتصادية التي تتخبط فيها البلاد، ليزداد وضعه سوءا مع توسع منطقة نفوذ حفتر، الذي يفرض نفسه الآن كطرف لا مناص من التعامل معه على المستوى الخارجي أيضا.
ويذكر هايمزاده أن مصير حفتر لم يكن واضحا، عندما تم الإمضاء على اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015.
عسكرة
ويقدر الخبير الفرنسي أن منطقة برقة تشهد عسكرة للمؤسسات وللممارسة السياسية،
وقد أصبح رئيس أركان “الجيش الوطني الليبي” عبد الرزاق الناظوري الحاكم العسكري للمنطقة، حيث قام بعزل المجالس المحلية في بنغازي وأجدابيا والكفرة وتعويضها بقيادات في الجيش.
وتؤكد عدة شهادات أن المنطقة تعيش عودة للممارسات العسكرية للنظام السابق من مراقبة وإيقافات عشوائية ومراقبة لوسائل الإعلام، وهي ممارسات غير مستغربة بنظر هايمزاده في ظل عودة قيادات عسكرية وأمنية سابقة إلى وظائفها القديمة.
ويقر هايمزاده أن حفتر هو حجر الأساس في هذا المشهد القديم الجديد، لرغبته في تنفيذ “الشمولية العسكرية” على نمط حكم المشير عبد الفتاح السيسي في مصر.
ولكن الدبلوماسي الفرنسي السابق ينبه إلى أن هذا المشهد لن يكتمل دون موافقة الهياكل القبلية المؤثرة في ليبيا والمتمسكة الانتماء المناطقي الاستقلالي عن الحكم المركزي في طرابلس.
نفوذ
ويذكر هايمزاده أن سكان طرابلس هم أكثر تنوعا والتزامهم بالنمط المدني الذي أضعف الانتماء القبلي، عكس برقة التي تتميز بهيمنة الزعامات القبلية التقليدية، حيث ترى القيادات القبلية الكبيرة شرق ليبيا في تنصيب حكومة البيضاء سنة 2014 وتشكيل الجيش “الوطني” بقيادة حفتر فرصة لفرض نفوذها الاجتماعي، بعد الشعور بتواصل تهميش المنقطة عقب ثورة 2011، بالرغم من مشاركتهم فيها.
ولطالما نظرت قيادات شرق ليبيا بعين الريبة لتعاظم نفوذ الكتائب المسلحة المقربة من “حركة الإخوان المسلمين” و”الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة”.
ويؤكد هايمزاده أن قيادات شرق ليبيا لعبت على مشاعر الانتماء المناطقي، وتحالف أكبر 12 قبلية في برقة لبث شعور بعدم الثقة في سلطات طرابلس، ما مكن حفتر من دعم الشبكات القبلية شرق ليبيا، فضلا عن طاقات شبابية كبيرة في جيشه الجديد.
وأضعف هذا الأمر أيضا شعور العداء ضده في كل من أجدابيا وبنغازي ودرنة، بالرغم من أن هذه المدن الثلاث، تعد الأكثر تنوعا شرق ليبيا، حيث تضم عائلات تنحدر من مدن غرب ليبيا، كما توجد بها أيضا كتائب ذات توجه إسلامي، تشكلت في الأيام الأولى من ثورة 2011.
ويحذر هايمزاده أيضا من أن قبائل ليبيا ليست بالتجانس الكامل، حيث توجد داخلها صراعات، وتساند قيادات عسكرية في قبيلة العواقير ببنغازي حكومة الوفاق.
ويضيف الخبير الفرنسي أن منطقة طرابلس تعتبر الأكثر تنوعا من حيث النسيج الاجتماعي والنخب المحلية، التي تعكس التنوع السياسي للمنطقة المستعدة للتفاوض والتصالح في آخر المطاف.
وتعرف المنطقة انقساما في التحالفات أيضا بين قطب مصراتة -الذي ساهم في مسار التفاوض وتنصيب حكومة السراج في طرابلس- وقطب الزنتان وجبل نفوسة.
ويقر هايمزاده بوجود تجاذب في ليبيا بين قطب ذو نفس إسلامي وقطب آخر رافض لهذه الإيديولوجيا، إلا أنه يشدد على أن أغلب الأطراف الليبية تحرص على المحافظة على التعايش السلمي مع ضمان توازن القوى.
وتشهد منطقة طرابلس تنوعا في أقطاب القوى، وتغيرا في التحالفات على أساس ضمان مصالح ومراكز نفوذ.
توازنات
ويخلص هايمزاده إلى أن ليبيا تعيش على وقع ثقافتين سياسيتين متناقضتين واحدة في طرابلس والأخرى في برقة، وهو الجو الذي يساهم في عرقلة أي مسار توافقي، يسهل ولادة نمط حكم جديد في ليبيا.
ويؤكد الدبلوماسي الفرنسي أن حكومة السراج عوض أن تساهم في إنهاء هذا التناقض، أدت في النهاية إلى تشكيل خطوط مواجهة جديدة وانقسامات أكبر.
ومن وجهة نظره، تسرعت القوى الغربية في فرض تواجد حكومة الوفاق، عوض التفكير في حل توافقي يجمع كل الأطراف، رغم أنها نجحت على الأقل في إنهاء تواجد تنظيم “الدولة” في سرت.
أما على المستوى العسكري، فقد ساعد الدعم المباشر لحفتر في معاركه في كل من بنغازي ودرنة وأجدابيا من قبل الإمارات ومصر وفرنسا على السيطرة على الموانئ النفطية الشهر الماضي.
ويضيف هايمزاده أن الموقف الفرنسي من الأزمة الليبية غير مفهوم، فهي من ناحية تدعم حكومة الوفاق دبلوماسيا، وتقد الدعم العسكري لقوات حفتر من ناحية أخرى، حيث اضطر وزير الدفاع الفرنسي إلى الاعتراف بقيام قواته بعمل استخباراتي شرق ليبيا، عقب حادث تحطم مروحية فرنسية قرب بنغازي.
علاوة على أن المعلومات التي طالما تم تكرارها في وسائل الإعلام الفرنسية بوجود 6000 مقاتل لتنظيم “الدولة” في سرت، كانت خاطئة، حيث لا يتجاوز عدد مقاتلي التنظيم في المنطقة الـ1500 عنصر.
ويضيف هايمزاده أن عملية حفتر الأخيرة في منطقة الهلال النفطي حملت تغييرا جديدا في موازين القوى بين شرق وغرب البلاد، حيث سارعت سلطات الشرق إلى إعلان استعدادها لتصدير النفط، ما يقوي نفوذ العناصر التي تمثلها في المجلس الرئاسي الليبي، هذا
وتغير خطوة حفتر الأخيرة أيضا الخطوط الجغرافية للمواجهة بين طرابلس والقوى المساندة لحفتر، الذي يملك موالين أيضا غرب ليبيا في كل من الزنتان وورشفانة والرجبان.
ويقول هايمزاده إن وجود حفتر في منقطة الهلال النفطي يهدد بتصعيد عسكري خطير في ليبيا، بحكم تنامي شوكة ممثلي شرق ليبيا في المجلس الرئاسي الضعيف والمنقسم والعاجز عن تحسين ظروف عيش الليبيين.
كل هذه المعطيات تجعل مستقبل المجلس الرئاسي في شكله وتركيبته الحالية على الأقل على المحك، حيث تتصاعد الأصوات المنتقدة لدور البعثة الأممية إلى ليبيا، وقد بدأ كثيرون يطالبون برحيلها.
التدوينة حفتر يفرض توازنات جديدة في ليبيا ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.