طرابلس اليوم

الأحد، 1 مايو 2016

السياسات الغربية والسلام الصعب في ليبيا

,

 

ترجمة المرصد الليبي للإعلام

ذكر الكاتب جيوفاني فالاغ، في تقرير خاص بمجلس دراسات السياسة الأوروبية  أن ليبيا أثبتت أنها قضية صعبة، لا سيما في مجال بناء السلام، فبعد سقوط نظام معمر القذافي، بدا أن كل شيء يقف أمام العملية الانتقالية في ليبيا : انقسام البلاد بين الجماعات المسلحة، المصالح السياسية المتباينة للقوى الأجنبية، الظروف الاجتماعية والتاريخية المعقدة، والصراع القبلي من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية، ما جعل أي تدخل للمجتمع الدولي في مرحلة ما بعد الصراع ولبناء الدولة مستحيلا عمليا.

وفيما أعاقت هذه الظروف خطط حلف شمال الأطلسي (الناتو) سنة 2011، لم تتمكن السياسات الغربية والدبلوماسية من معالجة الوضع الهش في ليبيا، ولم يتم استكشاف خيارات بديلة بما يكفي من الحماسة، على غرار تعزيز دور الأمم المتحدة في تحقيق الاستقرار ، وانخراط أكبر للإتحاد الأوروبي للتعامل مع أمن الحدود والأمن البحري، ودور أكبر للشركاء العرب.

أسباب

 

واعتبر الكاتب أن أسباب هذا الفشل كثيرة، فقد رفضت كل الحكومات الشرعية في ليبيا ما بعد القذافي أي تدخل خارجي في أراضيها، وتسببت الصعوبات الاقتصادية والحملات الانتخابية والمخاوف السياسية الداخلية في صرف نظر الحكومات البريطانية والفرنسية والايطالية عن الضغط من أجل إرسال قوة أمنية أساسية، وتبعا لذلك، عندما تدهورت الأوضاع الأمنية، وأرسى تنظيم “الدولة” فرعا له في ليبيا، تم القيام بهجمات غير منسقة ضده من قبل القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، في الوقت نفسه، ينفَذ بعض الشركاء العرب مثل مصر والإمارات العربية المتحدة غارات.

ومع خروج الوضع الأمني عن نطاق السيطرة، لا يبدو أن هناك الكثير من الخيارات حاليا، إلا باستعادة استقرار الوضع الأمني لاستئناف الانتقال الطبيعي، عبر استخدام القوة العسكرية، وبما أن مجلس الأمن لم يستطع اعتماد قرار ملزم، بسبب معارضة روسيا (والصين)، ما يزال طلب الحكومة الليبية الشرعية شرطا لا غنى عنه، بالنسبة للعديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة من أجل إطلاق عملية عسكرية.

ولكن، مع انطلاق الاستعدادات العسكرية في العواصم الغربية، من المهم جدا عدم تكرار أخطاء تدخل سنة 2011، كما تبين أن فكرة الضربات الجوية كـ”حل سريع”، وأن استخدام القوة العسكرية وحدها غير ناجحة فعلا، وينبغي أن يقترن أي حل عسكري برؤية واضحة لتحقيق الاستقرار على أرض الواقع، من خلال إعادة بناء نظام الأمن والدعم المناسب لعملية دستورية سلمية.

وبين الكاتب أن مأزق الاتفاق السياسي الليبي برعاية الأمم المتحدة، عرقل إعادة بناء القطاع الأمني في ليبيا، وبالتالي توفير الأمن الأساسي لحماية السكان المدنيين، علاوة على ذلك، أدى النزاع بين الحكومتين المتنافستين في كل من طرابلس وطبرق منذ عام 2014، إلى تعميق الفراغ الأمني، حتى أصبح من الصعب ملؤه، واستغل تنظيم “الدولة” هذا الفراغ لاكتساب موطئ قدم له، وتشكيل فرع له في البلاد في مدينة سرت، هذا ويقدر عدد مقاتليه بحوالي 5 آلاف،  كما استغل التنظيم العداوات بين الجماعات المسلحة وبين الحكومتين المتنافستين لتوسيع دائرة نفوذه، وقد أصبحت ليبيا بسرعة ملاذا لأكبر مجموعة تابعة للتنظيم خارج العراق وسوريا، ويمثل وجوده خطرا كبيرا على مستقبل المرحلة الانتقالية وأمن الدول المجاورة في المغرب العربي ومنطقة الساحل وأوروبا.

وإلى جانب التهديدات الإرهابية، تزدهر أيضا الشبكات الإجرامية وشبكات تهريب البشر، ويتفاقم الوضع بسبب وجود العديد من الجماعات المسلحة التي تدين بالولاء لأحد البرلمانين في طرابلس وطبرق، ولكنها في الحقيقة مستقلة ولا يمكن التحكم فيها.

غياب

 

وأبرز الكاتب أن فكرة إرسال قوة لتحقيق الاستقرار في ليبيا جوبهت ببعض المقاومة السياسية في معظم البلدان الأوروبية، بسبب الرغبة المحدودة في الانخراط في عملية تدخل طويلة وعالية المخاطر، وكان الاتحاد الأوروبي قد أرسل عام 2013 بعثة مساعدة على أمن الحدود، تتكون من 100 جندي وميزانية سنوية محدودة 30 مليون يورو، انتقلت إلى تونس في أبريل 2014، وذهبت جهودها سدى، حسب الكاتب، فقد كان المجلس الوطني الانتقالي السابق والمؤتمر الوطني العام وبعده مجلس النواب مترددين في الدعوة إلى إرسال قوة لدعم الاستقرار، خوفا من العمليات الطويلة، على غرار أفغانستان والعراق.

وبما أن التدخل الرسمي ما يزال يعتمد على طلب المساعدة من الحكومة الليبية الجديدة، والاتفاق بين الأطراف المتنافسة، والذي تبين أنه صعب، تسعى الحكومات الغربية لاستكشاف خيارات أخرى في العواصم الأوروبية وواشنطن، تتجاوز الاتفاق السياسي، وتنص “الخطة ب” على تقسيم البلاد إلى ثلاث ولايات: طرابلس وبرقة وفزان، وقد تكون الخطة حلا عمليا للتغلب على الجمود السياسي الراهن، وتجنب انهيار العملية الانتقالية، ومنع حدوث كارثة إنسانية لا مفر منها.

ولكن السؤال هو ما إذا كان إرساء الحدود وإنشاء مراكز جديدة للقوة، هو الرد المناسب للوضع الحالي، وما ستكون الآثار المترتبة عن ذلك، وأن من شأن هذا التفكك أن يمثل سابقة في القانون الدولي، مع عواقب مجهولة بالنسبة لنزاعات أخرى في أفريقيا وأماكن أخرى.

وتعارض كل من إيطاليا والمملكة المتحدة وفرنسا “الخطة ت”، -التي تتمثل في شن عمل عسكري دون طلب صريح من السلطات الليبية-، ويمكن أن تلقى الخطة أيضا معارضة من جانب الرأي العام الأوروبي، ويمكن أن يكون من الصعب إتمام أي عملية دون دعم أو على أقل تقدير تأييد الشعب الليبي والفصائل المختلفة في البلاد، بغض النظر عن ردود الفعل المحتملة لهذه الخطة في عواصم أخرى مثل موسكو وبكين.

ولكن عدم القيام بأي شيء في ليبيا، سيلحق ضررا وخطرا على اللاجئين، حسب الكاتب، وسيسمح لتنظيم “الدولة” بكسب المزيد من الأرض، وهذا ليس خيارا يمكن أن يتحمله المجتمع الدولي.

توصيات

واعتبر الكاتب أن تحقيق الاستقرار عقب انتهاء الصراع، ما يزال تحديا في ليبيا، كما كان قبل أربع سنوات، على الرغم من الحاجة الواضحة في مرحلة ما بعد القذافي لبناء الثقة وتطوير المؤسسات وإشراك القوى القبلية والاجتماعية في البلاد، وأبرز أن هناك أربع توصيات عملية تساعد على تغيير اللعبة والتخفيف من مشاكل ليبيا.

تتمثل التوصية الأولى في فهم هشاشة الوضع في ليبيا، فلا ينبغي أن تعتبر ليبيا ساحة قتال لتنظيم “الدولة” والقوى الإقليمية، ولكن كدولة تواجه الهشاشة والخصومات القبلية والعنف المستشري، وينبغي على القوى الخارجية أن تفهم هذا، وأن تعمل على معالجة أسباب هذه الهشاشة، لأن عدم القيام بذلك، من شأنه أن يأتي بنتائج عكسية ضد مصالحها الوطنية.

ثانيا، يجب ألا تقف السياسة الداخلية الأوروبية والأمريكية في طريق الاستقرار، فليس هناك حل سريع أو منخفض التكاليف والمخاطر، وهناك حاجة للالتزام المتواصل والموارد المالية الكافية والقوة العسكرية على الأرض لتحقيق الاستقرار في البلاد على المدى الطويل، ويجب على القادة السياسيين شرح الآثار المترتبة عن تحول ليبيا إلى “صومال في المتوسط” بالنسبة لناخبيهم.

ثالثا، هناك حاجة إلى المزيد من الجهود الدبلوماسية لإشراك الأطراف الإقليمية، وتقع على عاتق الدبلوماسيين حل المآزق السياسية، كما يجب على الدول الأعضاء  في الاتحاد الأوروبي أن تعمل جنبا إلى جنب مع القوى الإقليمية.

رابعا، ينبغي أن تتضمن الخطط العسكرية إستراتيجية لبناء السلام بعد انتهاء الصراع، ويجب أن تكون هناك إستراتيجية متعددة الأبعاد ومتكاملة لما بعد الصراع لضمان التنمية السياسية والمؤسساتية، وينبغي أن يتم السماح للجهات الفاعلة الإنسانية والأمنية والتنموية للعمل في ليبيا، ويمكن أن تكون وصاية الأمم المتحدة حجر الزاوية في هذا الإطار، فرغم كونها قضية صعبة لبناء السلام، لليبيا القدرة لتكون نموذجا للتعددية الفعالة، إذا تمكنت الجهات الفاعلة الرئيسية من تقاسم المهمة.

التدوينة السياسات الغربية والسلام الصعب في ليبيا ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “السياسات الغربية والسلام الصعب في ليبيا”

إرسال تعليق