طرابلس اليوم

الثلاثاء، 18 يونيو 2019

عملية “الكرامة” والمشروع الانقلابي في ليبيا

,

يوسف البخبخى / أكاديمي وباحث سياسي ليبي

كيف لنا أن نفهم ما يحدث في ليبيا اليوم من هجوم على العاصمة السياسية طرابلس؟ هذا الهجوم في حقيقة الأمر ليس وليد اللحظة بقدر ما هو تتويج لسلسلة متتالية من الأحداث أخذت انطلاقتها من مخطط ابتدأ مبكراً مع بدايات الثورة وهي تتلمس طريقها نحو الدولة من بعد عرس انتخابي. ففي الوقت الذي انخرط المجتمع السياسي لما بعد الثورة في تجربة ديمقراطية نحو بناء مؤسسات المرحلة الانتقالية انخراطا شابه الكثير من العوار والنقائص بطبيعة التدافع السياسي الضبابي للمرحلة وحداثته، كان قائد القوات البرية خليفة حفتر منهمكا في صناعة انقلابه وربط خيوطه وتجميع أطرافه، إذ يشير صراحة في حديثه إلى صحيفة “الشرق الأوسط” بتاريخ 20 أيار/ مايو2014 إلى أنه كان يحضّر لهذا العمل منذ أكثر من عامين، أي حتى قبل حدوث انتخابات المؤتمر الوطني العام، والتي انعقدت في7 يوليو/تموز 2012 مما يفقد عملية الكرامة تبريراتها ومسوغاتها.

فليبيا لم تعرف في تلك الفترة الزمنية أي شكل للصراع السياسي، أو حدته، كتلك التي عايشتها في المرحلة التي تلت انتخابات المؤتمر الوطني العام وما أحدثه من إحباط للرأي العام، كما أنها كانت تتنعم بسلام ووئام غير مسبوق، والحركات المتطرفة لم ينضج عودها بعد، بل لم تظهر على السطح بحضورها الكياني ونزوعها الاستحواذي الذى شهدته مرحلة ما بعد الانتخابات، حتى أن تنظيم “الدولة” أو ما يعرف بـ “داعش”، رائد الإرهاب في المنطقة، لم يعلن عن وجوده بعد، فالتنظيم نشأ في ابريل/نيسان 2013، في تجاوز لمحليته العراقية، وأعلن الخلافة في 29 يونيو/حزيران 2014 والتي بموجبها بدأ في طلب البيعة والامتداد الإقليمي الواسع.

السياق الانقلابي لعملية الكرامة لم يتوقف على الكيفية التي نشأت فيها، تخطيطا وتنظيما وتأليبا، أو في انتفاء مبرراتها تبعا للسياق الزمني لبداياتها، والذي يؤكد قطعا طبيعتها الانقلابية، بل يتجلى واضحا في بيان الإعلان عنها. ذلك البيان الذي ظهر فيه حفتر في كامل بزته العسكرية في ذلك الشريط المصور الذي بثته قناة “العربية” معلنا تجميد عمل المؤتمر الوطني العام المنتخب وكذا الحكومة الليبية والإعلان الدستوري، والذى ليس هناك من سبيل لقراءته أو تفسيره بغير فعل انقلاب على سلطة دستورية منتخبة، فيما نفى حفتر عن حركته صفة الانقلاب.

ما هو الانقلاب إن لم يكن مشروع إزاحة وإسقاط لسلطة دولة ذات شرعية باستخدام القوة العسكرية، فما بالك إذا كانت هذه السلطة دستورية منتخبة، بل هي نتاج ثورة شعبية عارمة أجمعت فيها الأمة في لحظة عرس انتخابي على شرعية هذه السلطة، أي أنها سلطة لم تكتف بكونها نتاج نص متعال، بقدر ما كانت نتاج إرادة كلية جامعة.

انتفاء السرية في الإعلان عن عملية الكرامة، وعدم أخذها تلك السمة المعهودة في الانقلابات العسكرية، ألا وهي الالتزام بالسرية والكتمان حتى إنجاز عملية الاستيلاء على مؤسسات الدولة الحساسة، أظهر العملية وكأنها انتفاضة عسكرية وليست انقلابا، غير أن انتفاء السرية هذا لا يمحو عنها الوصف الانقلابي، ولا يجعل منها فعل انتفاضة عسكرية، فالانتفاضة والعسكرية منها لا تعدو أن تكون حالة احتجاج جزئي لا يرتقي إلى الحالة الانقلابية بوصفها حالة إزاحة كلية، أو مشروعها، لواقع ما. أضف إلى ذلك أن اللحظة التي شهدت إطلاق انقلاب الكرامة، هي لحظة استثنائية، فهي لحظة ما بعد ثورة تتلمس طريقها نحو الدولة والاستقرار، أي أن البعد المركزي المؤسسي للدولة لم يتبلور فيها بعد، ذلك البعد الذي يعطى لمؤسسات الدولة هيكلية هرمية ومكانية محددة مما قد يمكن العمل الانقلابي من سهولة السيطرة على مؤسسات الدولة وقياداتها، وهو الأمر الذي انتفى بشكل كبير عن الحالة المؤسسية لما بعد الثورة، فهي تعيش حالة من السيولة في التنظيم والإدارة والسيطرة إذ تتعدد القيادات والهياكل والجماعات والتشكيلات. وبذا كانت الطبيعة السرية الملازمة للانقلابات العسكرية ليست بذات جدوى أو معنى في هكذا سياق.

إن السعي لإزاحة أو إسقاط سلطة ما، بوصفها سلطة شرعية، باستخدام قوة السلاح وخارج نطاق التداول الدستوري هو بطبيعة الفعل انقلاب عسكري سريا كان أم علنيا.

الإعلان عن عملية الكرامة كان شديدا في وضوحه وبيانه الانقلابي بتأكيده أن المؤتمر الوطني العام المنتخب في حكم المتوقف وأن الاعلان الدستوري الحاكم للمرحلة الانتقالية مجمداً إلى حين إيجاد الآلية الدستورية المناسبة وفق ما تحدده خريطة الطريق التي أرادها الانقلاب.

ولعل إحدى مفارقات عملية الكرامة أنها في بيانها الأول أو عند إطلاق العملية لم تعلن عن نفسها بوصفها مشروعا لمحاربة الإرهاب تحديدا، بقدر ما قدمت نفسها بوصفها مشروعا لإنجاز بديل لواقع اكتنفته فوضى السلاح، حتى وإن أتت على ذكر محاربة الإرهابيين فإن ذلك كان في سياق الإعلان عن البديل لما فاض به التغيير الصعب لثورة السابع عشر من فبراير/شباط، والسعي بمنطق القوة نحو تحقيق ذلك البديل المغاير، أي أنها لم تخف منذ البداية نزوعها الانقلابي، ولم تكن محاربة الإرهابيين إلا بعضا من ذلك المشروع الانقلابي. وباستقراء عملية الكرامة في ادعائها محاربة الإرهاب، يظهر حرص العملية على إبقاء ظاهرة الإرهاب، المتمثلة في تنظيمات الإرهاب المعروفة، والتي توافق المجتمع الدولي على تعريفها وتحديدها من داعش وأنصار شريعة، إبقائها حية فاعلة تستمد من وجودها، أي عملية الكرامة، شرعية البقاء والاستمرار والنمو. بل أن العملية لم تدخر جهدا في فتح ممرات آمنة لتلك التنظيمات للانطلاق إلى مناطق أخرى في سعي لاستنزاف العدو الحقيقي لعملية الكرامة ألا وهو ثوار السابع عشر من شباط/ فبراير.

ويظل سؤال محاربة الإرهاب سؤال رؤية استراتيجية تتعدد أدواتها وأساليب مقاربتها، وما الوقوف بها عند المقاربة العسكرية إلا قصور في الرؤية والمعالجة، غير أن عسكرة المقاربة هذه في سياق لا حدود له في توصيف الإرهاب وتحديد مصادره وأدواته، كما هو واقع الأمر لدى عملية الكرامة، لا يعدو أن يكون سوى هجمة انقلابية مفتوحة على كل ما يحول دون العملية الانقلابية وتحقيق حلمها السلطوي.

وتتجلى أبرز تمظهرات البعد الانقلابي لعملية الكرامة وطموحها السلطوي الشرس، في سعيها الدائم لإجهاض كل ما بدا من محاولات توافق سياسي أو ما من شأنه العمل على إنتاج سلطة مدنية تمتلك قدرا من الإجماع من حولها. إذ أنها رأت في كل تلك المحاولات عمليات تستهدف قطع الطريق أمام مشروعها الانقلابي والاستحواذ على السلطة، وقد تمثل ذلك واضحا في تعاملها مع الاتفاق الوطني الذي رعته بعثة الأمم المتحدة والمعروف باتفاق الصخيرات.

عملية الكرامة عبر مناصريها ونوابها سعت وبكل قوة لإفراغ ذلك الاتفاق من معناه أو حقيقته المدنية المتمثلة في المادة الثامنة والتي تنص على “نقل جميع صلاحيات المناصب العسكرية والأمنية العليا إلى مجلس رئاسة الوزراء في حكومة الوفاق فور توقيع الاتفاق”. المادة التي تؤسس للحقيقة المدنية للدولة تم التحفظ عليها من قبل مجلس النواب المناصر لعملية الكرامة، بل سعى حفتر بوصفه قائدا لعملية الكرامة إلى الطلب من المبعوث الأممي إلغاء المادة بما قد تؤدى إليه من إجهاض لعملية الكرامة، لا بوصفها عملية عسكرية ذات مهام محددة، بل بوصفها مشروعا انقلابيا، بما تحمله من إخضاع للحالة العسكرية للسلطة المدنية، الأمر الذي انعكس على موقف عملية الكرامة ومجلس نوابها من الاتفاق ذاته بالامتناع عن التضمين الدستوري للاتفاق والسعي في آن إلى إعاقة ما فاض عنه من مشروع حكومة بالامتناع عن إقرارها، مما جعلها تظل خارج السياق القانوني المحلي وإنْ امتلكت الاعتراف الدولي.

وكان لموقف عملية الكرامة هذا من الاتفاق السياسي أن يؤول بكل المساعي الأممية والدولية لإحياء الاتفاق السياسي وإخراجه من شرعية الأمر الواقع إلى الشرعية الدستورية، إلى الفشل الذريع وذلك عبر سلسلة لم تنقطع من المناورات والمراوغات والوعود الزائفة من طرف عملية الكرامة وتحديدا ذراعها السياسي.

ولعل ما يعرف باتفاق أبوظبي، غير المعلن عن حيثياته، والذي جاء تتويجا لعدد من اللقاءات الدولية رامت بدورها التأسيس لحالة من التوافق السياسي القائم على إخضاع ما هو عسكري للحالة المدنية هو آخر تلك المحطات، إلا أن الحقيقة الانقلابية لعملية الكرامة وقائدها أبت غير الاستمرار في سعيها لإجهاض كل ما من شأنه التأسيس لسيادة مؤسسية مدنية على الفضاء العام، هذا التأسيس، أو حتى الاقتراب الهزيل منه، رأت فيه قيادة الكرامة خطرا داهما، أي يتجاوز الاحتمال، على مشروعها المضاد الساعي لإجهاض البعد المدني الذي أرادته الثورة لدولتها.

فهكذا مشروع، أي مشروع الكرامة، ليس له إلا أن يكون انقلابيا بما يمثله من قيم مضادة للثورة وطموحها المدني.

ويأتي الغزو العسكري لمدينة طرابلس بوصفها المحطة الأخيرة للاندفاع الانقلابي العنفي، والممتشق للغة القوة، من بنغازي إلى درنة إلى الجنوب الليبي، فهي العاصمة والمركز السياسي والتاريخي لدولة ليبيا، وبذا هي الجوهرة التي ما كان لأي انقلاب أن ينجح ويضحى حقيقة واقعة بدون الاستحواذ عليها، فما عداها لا يعدو أن يكون سوى أطراف أو هوامش لا تمتلك أن تضفي أو أن تظلل الانقلاب حتى بشرعية الأمر الواقع.

وبالاستحواذ على مدينة طرابلس، الجوهرة السياسية، يمكن للمشروع الانقلابي لعملية الكرامة، أو هكذا أعتقد، أن يعيد التاريخ إلى الوراء وأن يعلن موت الحلم ونهاية المشروع المناوئ، مشروع الثورة بوصفها خلاصة صراع الأجيال نحو استعادة وارساء لحظة الأمة، اللحظة المدنية.

عملية الكرامة في انطلاقتها، أو في حراكها العدواني المرتهن بذاته إلى لغة القوة والقوة فقط، هي حقيقة انقلابية أرادتها الثورة المضادة، بكل تناقضاتها، جسرا نحو إجهاض ثورة السابع عشر من فبراير/شباط وتمكين قواها من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، الا أن للتاريخ ديناميته، فالتاريخ بوصفه حراكا نحو خلاص إنساني، يأبى أن يعود إلى الوراء، حتى وفي غفلة منه.

القدس العربي

التدوينة عملية “الكرامة” والمشروع الانقلابي في ليبيا ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “عملية “الكرامة” والمشروع الانقلابي في ليبيا”

إرسال تعليق