إسماعيل القريتلي
“ملحوظة منهجية”
يركز المقال فقط على دور الجماعات الاجتماعية والدين في الصراع على السلطة دون أن ينكر نشوء صراعات على السلطة في دول ومناطق غير ليبيا قد لا يكون الدين والجماعات الاجتماعية هي العامل المحرك نحو الصراع. ينطلق هذا المقال من فرضة أنهما في ليبيا يمثلان معا العامل الأكثر تأثيرا في تحريك الأفراد والجماعات، لذلك يقتصر عليهما تقريبا”
بعد سقوط نظام القذافي السياسي في 2011 لم تركز الجماعات الاجتماعية والمجموعات الدينية والعلمانية على الوصول إلى اتفاق تنتج منه هياكل واضحة للنظام السياسي الجديد، الذي من مهامه بعد تحديد شكل السلطة أن يعرفها وينظم العلاقات بين هياكلها. بل بدأت ملامح نزاع على السلطة، تحول بمرور الأيام إلى صراع ثم حرب عليها بين الجماعات الاجتماعية والمجموعات الدينية والعلمانيين، مع حلفاء وداعمين إقليميين لكل طرف في الصراع
منذ الأيام الأولى لحركة الرفض ضد القذافي والتجاذبات السياسية والاجتماعية والدينية بين المنتفضين متواصلة في كل ما يتعلق بالسلطة لحد الدخول في صراعات مسلحة وحروب بدوافع جهوية اجتماعية ودينية وفكرية، كل فريق يقدم تصوره للسلطة رافضا ما يقدمه الآخرون
بهذا الصراع تعود الجماعات الاجتماعية والمجموعات الدينية والثقافية العلمانية إلى أساس المشكل؛ حيث تأسست ليبيا بعيدا عن أي اتفاقات ومواثيق بين الجماعات الاجتماعية المختلفة، ولم تحدد علاقة الدين مع الشأن العام السياسي والاقتصادي، وما الحدود التي تقف عندها الجماعات الاجتماعية في استخدام الدين فلا يجوز بعدها استخدامه كمحرك للأفراد والمجموعات في الصراع على السلطة.
ولم تنعقد حوارات أو مفاوضات جادة بين المتصارعين على السلطة طوال الفترة من اندلاع انتفاضة فبراير 2011 وحتى الآن (مايو 2016)، فظهر الصراع جليا في انتخابات المؤتمر الوطني لسنة 2012 بين الرافضين لها خاصة من الفيدراليين وبعض الإسلاميين والعلمانيين في برقة شرقي البلاد، وبين الداعمين لها خاصة من الإسلاميين المسيسين والجماعات الاجتماعية خاصة في طرابلس غربي ليبيا. ثم اتسعت الخلافات داخل المؤتمر الوطني؛ متأسسة على جذور الصراع السابق.
بعد ذلك أصبح الاتجاه للمغالبة وكسر إرادة الخصم وفرض وجهات النظر هي الآليات الأكثر رواجا حتى داخل المؤتمر الوطني. الأمر الذي أعاد ترسيم أعضائه وكتله على أساس جهوي وديني.
وكان من أهم ما نتج عن هذا الصراع قانون العزل السياسي الذي احتفى به الإسلاميون وجماعات اجتماعية في غرب ليبيا موالية لفبراير، ورفضه العلمانيون وجماعات اجتماعية في برقة أيضا موالية لفبراير إلى جانب مؤيدي نظام القذافي في الداخل والخارج وهي جماعات اجتماعية تحالفت معه إبان سيطرته على ليبيا، كما رحبت بالقانون قوى إقليمية واعترضت عليه أخرى. كما أخرج من الخدمة مئات الضباط تحركوا فيما بعد بعملية الكرامة التي قادها أحد الضباط المحالين للتقاعد وبذلك شاركت المؤسسة العسكرية مدعومة من جماعات اجتماعية في شرق البلاد وغربها ومجموعات دينية تتلقى التوجيه من خارج ليبيا.
يمكن القول الآن، إن انتخابات 2012 وما تلاها في 2014 جاءت بسبب ضغوط الجماعات الاجتماعية والمجموعات السياسية الدينية والعلمانية؛ الأولى في انتخابات المؤتمر خاصة من الإسلاميين والجماعات الاجتماعية في غرب ليبيا؛ حيث رأوا في الانتخابات نهاية للمجلس الوطني الانتقالي، الذي سيطر عليه غيرهم. وكانوا قد نجحوا قبل ذلك في إنهاء ولاية المكتب التنفيذي برئاسة محمود جبريل المحسوب على العلمانيين وجماعات اجتماعية حسبت على نظام القذافي، ومجموعات دينية تقليدية، ويتحالف مع قوى إقليمية. واختير بدله عبدالرحيم الكيب المحسوب على الإسلاميين وغرب ليبيا خاصة العاصمة طرابلس.
وتكرر المشهد في عام 2014 عندما نجح العلمانيون وجماعات اجتماعية متحالفة معهم وأخرى مؤيدة لنظام القذافي ومرتبطة بأحلاف إقليمية مناهضة للإسلاميين بليبيا في فرض تعديلات على الإعلان الدستوري المنسوب إلى الإسلاميين والجماعات الاجتماعية في غرب ليبيا، فنتج عنها انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور المختصة بوضع مسودة الدستور الليبي الدائم، ثم التعديل الآخر الذي انتخب على إثره مجلس النواب. وقد تقلص فيهما عدد الإسلاميين خاصة بعد إصرار مناوئي الإسلاميين بمن فيهم متدينون يصارعونهم على النفوذ والسلطة على نقل مقر المجلس إلى مدينة طبرق في أقصى الشرق.
لكن الإسلاميين وجماعات اجتماعية مناوئة لمجلس النواب لم يقبلوا بنتائج الانتخابات، أو على الأصح لم يسلموا بها سياسيا، وعملوا على إجهاضها قانونيا، واستطاعوا الحصول على حكم من الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس يبطل التعديلات السالفة على الإعلان الدستوري، فنتج عن ذلك الانقسام السياسي والاجتماعي والديني الذي تعيشه ليبيا الآن.
يمكن أن نصف عام 2014 بأنه الأوضح في الصراع على السلطة؛ حيث انقسمت القوى المتصارعة جهويا وأيدولوجيا، وأصبحت جغرافيا متقطعة الأوصال، والصراع والحرب تتسع بين مكوناتها المحلية، وانضمت إلى الحرب مكونات سياسية واجتماعية وعسكرية محسوبة على نظام القذافي، كما اتضحت المعسكرات الإقليمية الداعمة لكل طرف في الصراع.
لم يستطع المتصارعون على السلطة منذ الثورة على القذافي الوصول إلى اتفاق يحدد تفصيلا آليات الوصول إلى السلطة والأدوار المنوطة بها، ووسائل مراقبتها وكيفية محاسبتها، ولم يتم الاتفاق على طريق الخروج منها.
كان الإصرار على إنهاء ما بات يعرف بالمرحلة الانتقالية يضغط في البداية لصالح أعداء المجلس الانتقالي، واستطاع مناهضوه أن يؤثروا على مكونات اجتماعية متوزعة جغرافيا في مناطق واسعة بليبيا في دعم رؤيتهم؛ فلم يكن مقبولا لدى الشعب تقديم وجهات نظر عقلانية. بل وتم النظر إلى من يرفض انتخابات المؤتمر الوطني على أنه خائن للثورة وظهرت حركة مناهضة للتيار الفيدرالي الرافض للانتخابات، وتعامل معه خصومه الإسلاميون، والجهويون في الغرب على أنه يقود مؤامرة. وظهرت المظاهرات المناهضة للفيدراليين وصدرت حتى فتاوى دينية في غرب ليبيا تعتبر الفيدرالية مخالفة للإسلام.
ولم تنجح الحلول السياسية المطروحة دوليا في إنهاء الصراع على السلطة. بل نجح المتصارعون في جر حربهم عليها فوق طاولات التفاوض، وفي أروقة السياسة الدولية والإقليمية.
كانت ولاتزال الحالة الاجتماعية هي الأكثر تأثيرا في الصراع على السلطة. وليبيا تنقسم موضوعيا إلى ثلاث مناطق اجتماعية عرفت سابقا بالأقاليم الثلاثة: طرابلس وفزان وبرقة، وتوجد مكونات اجتماعية غير عربية كالطوارق والتبو والأمازيغ، والمكون الأخير يتبع المذهب الإباضي. وانخرطت كل المكونات كغيرها في الصراع الدائر على السلطة. ولم تحظ هذه المكونات الاجتماعية بأي تفاهمات تعاقدية تحدد العلاقات بينها في ظل الدولة الواحدة؛ سواء في ما يتعلق بالحقوق والواجبات السياسية، أو توزيع الثروة والتنمية المكانية.
أدى غياب التفاهمات والتعاقدات التاريخية من جهة، واختلاط برقة بجماعات اجتماعية تعود إلى إقليم طرابلس عمل بعضها إبان العقد الأخير من سيطرة القذافي على تشكيل نفسه لتناهض الجماعات الاجتماعية في برقة إلى إذكاء الصراع على السلطة بعد الإطاحة به؛ فبمجرد انتهاء حقبته عاد النزاع على السلطة بين الأقاليم.
فمن جهتها تطالب برقة بالذات بالنظام الفيدرالي لأنه بحسب غالبية نخبتها الاجتماعية النظام الإداري السياسي الكفيل بإنهاء المركزية السياسية والاقتصادية التي استفاد منها إقليم طرابلس، وفي المقابل يرفض إقليم طرابلس هذه المطالب، وتطرح نخبته الاجتماعية والدينية نظاما يوسع من صلاحيات المناطق دون إلغاء النظام المركزي بشكل كامل. وأظهر هذا الجدل أن خلاف الطرابلسيين (غرب ليبيا) مع القذافي تركز في الصراع على السلطة فقط. وبدوا وكأنهم يتفقون معه في الشكل المركزي للسلطة الذي عززه القذافي طوال فترة سيطرته على البلاد، الأمر الذي عزز اتساع الصراع عليها والدخول إلى منزلق الحرب الأهلية التي منحت أوصافا دينية مقدسة في الجهتين فكان للدين دوره العميق في إذكاء الحرب.
شكلت الجماعة الاجتماعية (القبيلة) على الدوام النظام الأكثر تأثيرا على السلطة، وتمثل الأحلاف بينها الأساس الذي تقوم عليه السلطة. وتوزيع المناصب والنفوذ يتأسس على البنية الاجتماعية للسلطة فيمنح الجماعات الاجتماعية الأعلى مرتبة في فترة محددة المراكز الأساسية والسيادية، ثم توزع بقية المناصب في مستوياتها المختلفة على طبقات الجماعات الاجتماعية. مع احتمال طروء تغيرات في خارطة الأحلاف وبالتالي تنعكس على توزيع تلك الجماعات في هياكل السلطة.
من جهته عزز المفهوم التاريخي السائد للسلطة عند المتدينين والفقهاء الذين خضعوا بدورهم للنظام الاجتماعي القبلي السياسي منذ تأسسه على يد الأمويين، حيث مثل المتدينون الداعم الأساس للسلطة يحملون تأويلا دينيا مؤيدا، أو يقفون في صف حركات عصيان للسلطة يحملون تأويلا متناقضا مع الأول. وبالتالي نقلوا الدين إلى قلب الصراع على السلطة بعد أن انتصرت القبيلة العربية في الحكم لتعزز وجودها السلطوي بتأويلات دينية. استطاع الفقهاء أن ينقلوا هذه التأويلات لصالح أعراق عديدة صارعت للوصول إلى السلطة. وكان الصراع عليها ينشأ ويحتدم بين جماعات اجتماعية مدعومة بتأويلات دينية على الدوام، فتُكسى الحرب على السلطة ثوب القداسة. وأصبح محرما البحث في أسبابها باعتبارها صراعا دنيويا على النفوذ والموارد.
هذا المفهوم ظهر تأثيره على الصراع في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي؛ حيث توزع المتدينون على جبهتي الصراع والحرب على السلطة والنفوذ والموارد التي أطلقتها الجماعات الاجتماعية المتحالفة مع قادتها السياسيين.
ولم يتوقف الصراع عند السلطة وهياكلها، بل تعداه إلى غياب أي تنظيم قانوني لهياكل تتبع السلطة السياسية؛ مثل المؤسسات الجهوية وبعض الأمنية والاقتصادية. فما حدث بعد سقوط القذافي هو تمسك كل من تولى منصبا رفيعا في تلك المؤسسات بمنصبه؛ خاصة من استطاع أن يؤسس حلفا مع الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وكذلك مع حلفاء جماعته التاريخيين، وعدم الخضوع لأي مطالبات بنزع النفوذ عنه. ويمكن أن تعثر على عشرات الأمثلة عند تفحص قوائم المسؤولين في المناطق والجهات وعدم خضوعهم وقبائلهم ومناطقهم لأي قرار يتخذه المركز الذي تسيطر عليه كذلك جماعات اجتماعية ومجموعات دينية أصرت على استمرار الشكل المركزي للسلطة.
وتعزز ذلك بغياب خارطة قانونية تحدد آليات الدخول إلى تلك المناصب والخروج منها مع البحث عن حلول تتعلق بعقبة التحالفات الاجتماعية والدينية.
قد يبدو الوضع مختلطا وعسيرا عند الحديث عن تنظيم العلاقة بالسلطة ومراكز النفوذ الأخرى، من جهة الوصول إليها والخروج منها، في مجتمع تراكمت فيه سلطة القبيلة والجهة، متحالفة مع متدينين يمنحون السلطة المتولدة عن تحالفهم ثبات المقدس، دون أي وجود للنسبية؛ حيث تمنحها القداسة استمرارا غير منقطع يعزز من هيمنة الجماعات الاجتماعية صحبة حلفائهم المتدينين.
غير أن هذا العسر والاختلاط يمنح فرصة لتأمل نقدي ودراسة منهجية تعكف على تفكيك الموروث الاجتماعي والديني، من خلال فهم السياقات والأنساق السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها، وتحليل الحياة الشخصية والخلفيات السياسية للمؤلفين التاريخيين. دون الالتزام بالرواية المقدسة عن شخوص المؤلفين. كذلك بحث الأنماط الاجتماعية والنظم السياسية وإطاراتها الدينية من خلال فهم علاقتها بالسياق التاريخي السابق الذي منح قبلها صفة القداسة والعصمة ربما بقصد حماية السلطة من جماعات اجتماعية وتأويلات دينية أخرى كانت تناهض الأمويين أو ا لعباسيين أو الفاطميين أو غيرهم.
يتأسس تفكيك البنية الاجتماعية على إعادة تشكيلها في علاقات بسيطة سواء في المستوى المفاهيمي أو التشريعي أو الإجرائي. وهذا يتطلب تغيير الوظيفة الاقتصادية للمجتمع وإعادة تطوير المجتمع المديني (نسبة إلى المدينة) ليتأسس اقتصادها على الصناعة والخدمات وبناء مدن جديدة فيتم تشتيت المجموعات الاجتماعية وفك ارتباطها بالأرض والنسق التاريخي للدين. ومن المهم تنظيم وتسهيل التجنس والهجرة وفق منظور يرفض التمييز على أساس ديني أو عرقي. وكذلك تمنع السلطة قانونا من ممارسة النشاطات الاقتصادية الصناعية والخدمية بل ينحصر دورها في تطوير البنى التحتية لتأسس مجتمع حديث مفكك اجتماعيا بسيط العلاقات يبنى اقتصاده على الإنتاج وليس ريعيا.
تطوير المجتمع بتفكيكه عن الجماعات الاجتماعية يتطلب تحديث التأويل الديني الخاضع لسيطرة البنية الاجتماعية التاريخية المركبة. وربما يتم ذلك بإعادة تعريف السلطة والمجتمع والدين بعيدا عن أي تقديس للتأويلات والتفسيرات والاتجاهات الدينية، أو منح العصمة للموؤلين وكذلك فتح باب التعقل والتبصر لإعادة نقد السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي وضعت فيها التفسيرات والتأويلات الدينية، وتأسست فيها العلاقات بين مكونات السلطة المتمثلة في القبيلة والعرق والمتدينين.
ولعل تحريك موجات من متواليات التنشئة الاجتماعية تحمل هياكل معرفية وخطابات وتطبيقات تؤسس المجتمع الحديث والسلطة المحدودة تلزمها سيرورة تطورية؛ تبدأ بتحرير الأفراد من سيطرة الجماعة الاجتماعية والتأويل الديني الداعم لسلطتها، وتخضعهم لسيطرة القانون الأخلاقي النابع من التوافق الجمعي المؤسس على قواعد أخلاقية غير قابلة للتأويل الديني والاجتماعي بل على عقلانية تلتزم أصول الأخلاق، التي جاء بها الوحي، وتنظر للإنسان من زوايا الحرية والمساواة والعدالة، التي تمثل مجتمعة غاية السلطة الأخلاقية.
ولا تتخلق هذه السلطة إلا في مجتمع حديث؛ أفراده أحرار يمنحهم القانون الأخلاقي واجبات وحقوق متساوية، ويضيق دور السلطة ونطاقها في مقابل رقابة عالية عليها من الأفراد والمجتمع البسيط.
تلك التنشئة تفتقر بدورها إلى نخبة قوية وحرة وأمينة وعادلة. وهي تحتاج إلى زعيم قائد وفاعل ومؤثر يؤسس، النخبة القوية، ويحركها نحو قيادة وإدارة السلطة والأفراد والمجتمع وفق منظور للتنشئة؛ متنور معرفيا، ومتحرر الإرادة، وفاعل في ابتكار التطبيقات والعلاقات الخلاقة.
التدوينة دور الجماعة الاجتماعية والدين في الصراع على السلطة في ليبيا ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.