المرصد الليبي للإعلام
ذكرت الكاتبة فريديريكا سايني فازانوتي، في تحليل نشر على موقع “بروكينغز” الأميركي، أن الصراع الذي تواجهه ليبيا حاليا -والنابع من الانقسامات الداخلية والقبلية أحيانا- ليس سوى تكرار لصراعات أخرى، حصلت في البلاد منذ وقت طويل، فكما اكتشف الإيطاليون خلال استعمارهم للبلاد، وكما اكتشف “تنظيم الدولة”، عندما سيطر على مدينة سرت، ليبيا بلد منقسم بعمق، فدون مقاربة حقيقية لهذا الواقع، سيبقى الليبيون أعداء أنفسهم.
واستخدم الإيطاليون هذه الانقسامات لصالحهم في أوائل عام 1928، عندما هزموا قبائل المغاربة وغيرهما، والذين قاتلوا الجيش الملكي الإيطالي، ولكن أيضا ضد بعضهم البعض، واحتل الايطاليون ممر سيرتيكو وواحات الجفرة وعويجلة وجالو المعزولة في صحراء برقة، وعلى بعد أكثر من 150 ميلا عن البحر الأبيض المتوسط، وبعد ذلك بوقت قصير، قامت ثلاثة مجموعات من “موبيلي”، المشكلة من آلاف الجنود الإيطاليين بالانتقال إلى طرابلس وبرقة.
تحول
وأبرزت الكاتبة أن هذه التطورات سمحت بتوحيد المستعمرتين طرابلس وبرقة، تحت قيادة المارشال بياترو بادوليو، وكان ذلك تحولا كبيرا، فقد كان لليبيا في ذلك الوقت حكومتان وقيادتان عسكريتان وإدارتان مختلفتان، وواجه الإيطاليون صعوبات كبيرة على الأرض من أجل نزع السلاح والانتقال بالنظام الليبي من نظام عسكري إلى نظام سياسي، وهو درس حاسم بالنسبة لليبيين وللقوى الأجنبية أيضا، وعندما حاول الإيطاليون توحيد المنطقتين، واجهوا عداوة قوية بدعم شعبي، وكان لهذا العدو كل شيء للفوز، لكنه افتقر لشيء واحد وهو الوحدة الوطنية.
وبعد فترة طويلة من انسحاب الإيطاليين وحصول ليبيا على استقلالها، بقيت سرت نقطة إستراتيجية للبلاد، وكانت مسقط رأس معمر القذافي، ومهدا للاتحاد الأفريقي سنة 1999، وحتى يومنا هذا، ما تزال سرت خط الاتصال الرئيسي بين المنطقتين الرئيسيتين في ليبيا، فقبل سنة، سيطر “تنظيم الدولة” على المدينة، وخاضت الكتائب الليبية، -معظمها من مصراتة-، قتالا لتحريرها، لكن القتال ليس معركة عادية، بل معركة تعكس خيار الليبيين في التحالفات التي ستحدد مصير بلادهم، فالفصائل المتنافسة تاريخيا أصبحت متحالفة، فيما يفقد تنظيم “الدولة” شيئا فشيئا سيطرته على الأرض، ويخطط لاستراتيجيات أكثر مرونة.
عداوات
وذكرت الكاتبة أن الليبيين قد يكسبون المعركة وليس الحرب، ففي ليبيا اليوم، لا يتمثل التهديد الرئيسي في تنظيم “الدولة”، بل المشكل الحقيقي هم الليبيون أنفسهم، الذين تحركهم الانقسامات الداخلية، ويميل العديد منهم إلى النظر إلى التدخل الأجنبي على أنه تهديد، بدلا من أن يكون تحالفا حقيقيا، وقد طلب رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج وقائد عملية “البنيان المرصوص”، محمد الغصري، رسميا التدخل الغربي في مكافحة التنظيم، لكن رغم أن هذا التدخل حاسم جدا من الناحية العسكرية، يمكن أن تكون له نتائج عكسية من الناحية السياسية.
ومن الملفت للنظر أن اثنين من ألد الأعداء – قائد الجيش الوطني الليبي (المعين من قبل مجلس النواب) خليفة حفتر والمفتي الصادق الغرياني- اتفقا على إدانة التدخل الأمريكي، خاصة على ضعف السراج، ولجعل الأمور أسوأ، صرح المبعوث الخاص للأمم المتحدة في ليبيا، مارتن كوبلر، أن الدعم لحكومة الوفاق الوطني “ينهار” وسط تفاقم مشكل النفط وانخفاض قيمة العملة الليبية.
ويتمثل المشكل الآخر في إدماج حفتر والجيش الوطني الليبي في حكومة الوفاق الوطني، لكن في الوقت الراهن، لا يبدو أنه مستعد للتخلي عن أي شيء، فبعد عامين من الصراع الداخلي، لم يتغير شيء، وهذا مؤشر من مؤشرات صراع متجذر محليا، وبينت الكاتبة أن الليبيين اليوم لديهم قواسم مشتركة كبيرة مع القبائل الليبية منذ قرن مضى، حيث كانت في صراع دائم ضد بعضها البعض من أجل الهيمنة على الأرض.
التدوينة الصراع الليبي اليوم تكرار لصراعات أخرى ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.