عبدا لقادر أقدوره / عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور
السؤال المطروح وبإلحاح من الناس اليوم هو لماذا كل هذا الوقت فى كتابة الدستور؟ هل تصنعون الذرة ؟ هناك دساتير كثيرة فى الدنيا ؟ تونس ومصر صنعت دساتيرها فى مدة قصيرة.
سأحاول الإجابة عن السؤال لماذا التأخير فى صياغة الدستور الليبي ؟ باختصار شديد من خلال النقطتين التاليتين والتي يمكن أن يكتب فيها عشرات الصفحات لتفاصيلها ، وأختم بفكرة كنت من مؤيديها منذ زمن ربما تساعد للخروج من الأزمة :
1- طريقة العمل فى الهيئة التأسيسية
فى بداية عمل الهيئة التأسيسية ظهر لى أن الجميع جاء بكثير من الآمال والطموحات وحتى الحماس كالعادة عند الناس أمثالنا ولكن من الاجتماع الأول بدأ الواقع يظهر أمامنا بما فيه من مشاكل نحملها فى أشخاصنا وفى أفكارنا و فى عقلياتنا ونفسياتنا ، فقد جئنا بالانتخاب من كل مناطق ليبيا وبالتالي نحن مختلفون بقدر اختلاف تضاريسها……. فقد دخل بعض أعضاء الهيئة فى مناقشات حول موضوع علاقتنا بالمؤتمرالوطنى العام الوطني العام ، وكان هذا قبل انتخاب مجلس النواب وإننا لا علاقة لنا به رغم انه هو من اصدر قانون انتخابنا واخذ هذا الموضوع الكثير من الوقت خاصة عندما تكون وجهات النظر مختلفة فى موضوع غاية فى الوضوح ورتب هذا نتائج لاحقة على قدرة الهيئة على العمل فى الوسط السياسي الليبي ،وانعزالها وربما تفويت دور تاريخى كان بالإمكان أن تقوم به دون أن تتولى الحكم فى ليبيا كما تحدث بعض الناس.
كذلك فى الاجتماعات كثر الحديث والجميع يريد الكلام فى مشاكل المواصلات والإسكان والإعاشة وظهر حرص أعضاء الهيئة المفرط أحيانا على أموال الهيئة وهم يريدون التدخل فى السكن والأكل والشرب وكل واردة وشاردة للهيئة واستمرت هذه العقلية سائدة إلى يومنا هذا ،وهذا أدى إلى ضياع الكثير من الوقت و تهميش الاهتمام بالموضوع الاصلى الذي جئنا من أجله ومن تلك الأيام ومن الشهور الأولى كان واضحاً لى أن الهيئة ستعانى من :
– عدم وضوح الاختصاص بين الهيئة وديوانها،وضعف ظاهر فى الإدارة….للأشخاص و للوقت بسبب غياب واضح فى الكفاءات الادراية اللازمة والحازمة وما ترتب عليها من ضعف شديد فى إدارة الجلسات وفى تقنيين المناقشات والحوارات وتوجيهها داخل الهيئة مع العلم انها نقاشات إجرائية لا علاقة لها بالموضوعات الدستورية وترتب على كل ذلك تسرب كبير فى الوقت خاصة عندما يسمح ل56 عضو بالحديث دون حدود فى الوقت ودون مقاطعة من الرئيس وكما قلت فى موضوعات لا علاقة لها بموضوعات دستورية.
– تم إقحام موضوع سمى بالتواصل حيث يذهب أعضاء الهيئة لمناطقهم والحقيقة كنت شخصيا ضد هذه الفكرة حيث كيف يذهب الأعضاء وليس فى أيديهم شيء للمناقشة ورأيت فيها ضياع للوقت ولم اذهب معهم فى أى رحلة ولم أفهم حتى اليوم لماذا إصرار رئيس الهيئة علي هذا التواصل؟ وقد ضاعت ايام وأسابيع ولم اعرف حتى اليوم ماهى الفوائد التي عادت منه فى كتابة المخرجات ، وهكذا كان التواصل من أهم مصادر ضياع الوقت ولا أعرف التكاليف وانقضاء الشهور في الهيئة لهذا الغرض ،رغم ان ذلك تم و للأسف بتصويت اغلب أعضاء الهيئة عليه.
– وأعتقد هناك سبب هام أخر فى تأخر ظهور الدستور حتى ألان وهو، ولكن للتذكير أولاً : فى عام 1951 لجنة الستين كلفت بوضع دستور ولكن كانوا عظماء يعرفون ويقدرون وبالتالي قاموا بتشكيل لجنة من 18 عضو وهذه اللجنة قامت بدورها وشكلت لجنة منها من 6 أعضاء من ابرز رجال القانون فيها وقامت هذه اللجنة الأخيرة مع مستشارين بوضع النصوص والتي عرضت بعد ذلك على لجنة ال 18 وأخيرا على لجنة ال الستين مجتمعة لإقرارها هذه طريقة عمل . اقترحت شخصياً وبالتأكيد غيري هذه الطريقة على رئيس الهيئة ،ولكن كان له رأى أخر مخالف حيث ظهرت فكرة تقسيم جميع أعضاء الهيئة على 8 لجان وقسمت موضوعات الدستور عليهم وكأن هناك ثمان دساتير سيتم وضعها وأصبحت كل لجنة بما لديها فرحون، وكانت النتيجة ظهور المخرجات بهذا الشكل رغم إنني طالبت ولو بقراءة أولى لها أمام جميع أعضاء الهيئة ولكن هذا المقترح رفض للاستعجال من البعض وعدم الفهم من البعض الأخر ، سبق وقلت وقال غيري أن هذه المخرجات مقبولة رغم حاجتها للمراجعة وفى هذه الأيام بدأت الهيئة فى مناقشة مخرجات لجنة الهيئات الدستورية المستقلة بحجة إنها أسهل الموضوعات وبدأت مرحلة التقييم الداخلي للمخرجات وأنا أشفق على الهيئة من أعضائها ….. ولكن هذه قصة أخرى.
2-الموضوعات الشائكة التى تواجه الهيئة التأسيسية
رغم ظهور هذه المخرجات وبعض الردود عليها ، حيث تعرضت للنقد الشديد والرفض دون مشاركة حقيقية ، بالإضافة إلى خروج مقترح نقل أعمال الهيئة لخارج ليبيا وهذا المشروع يثير عندي الكثير من الخوف بالإضافة لكونه مخالف لقانون إنشاء الهيئة التأسيسية ولائحتها الداخلية ،اليوم مازلت متردد فى الجزم بإمكانية خروج دستور متفق عليه سواء كانت الهيئة فى ليبيا او خارجها ، لوجود عدد من العوائق فليبيا ليست مصر ولا تونس ولهذا فالمقارنة غير صحيحة .
أهم هذه العوائق فى رأى ثلاث ، وهى فى حاجة لتوافق وطني عليها لم يحصل حتى الآن:
*فى ليبيا هناك توزيع ديمغرافى غير عادل بين المناطق ، فأغلب سكان ليبيا يسكنون الشمال بينما الجنوب قليل السكان وكذلك المنطقة الغربية يوجد بها اغلب سكان ليبيا بينما برقة المنطقة الشرقية قليلة العدد وهذه مسائل تثير مشكلة التمثيل العادل للأقاليم ومشاركتهم لفعلية والحقيقية فى حكم وإدارة البلاد لذلك قصة صوت واحد لكل مواطن واحد كما هو سائد فى الديمقراطيات الغربية لايستجيب لطموحات الشعب الليبي في بناء وطن للجميع وهذا الأمر يتطلب فهم من جميع الليبيين ولكن للأسف لا أرى لهذا الفهم أى بوادر حتى الآن.
*في ليبيا أيضا مازال النفط والغاز هو المصدر الرئيسي للثروة – وأثبتت الأيام انه مصدر الصراع فى بلادنا – ومصدر الرزق كل الليبيين والعمود الفقري لحياتهم ومعاشهم اليومي وبالتالي لاستقرار الوطن وحمايته وحماية وحدته حان الوقت للتفكير في التوزيع العادل لهذه الثروة بين السكان والأقاليم وحتى يشعر كل مواطن أيا كان مكانه إن حقوقه وصلت إليه وان حق منطقته وصل إليها دون تمييز منطقة عن أخرى تحت اى ذريعة كانت ، وهنا وللأسف لم أرى حتى اليوم فى معالجة هذا الموضوع غير عقلية الغنيمة والاستحواذ .
*في لبيا هناك المكونات من الامازيغ والتبو والطوارق وهؤلا يمثلون جزء من الشعب الليبي مهما كان عددهم ، بل أن مواقعها الجغرافية تمثل أهمية إستراتجية للوطن ، فهم حماة الثغور وهذا يتطلب الفهم لذلك والتوافق معهم فى القضايا التي تهمهم وتهم الوطن كله ويبدو لى ان المسافة للوصول لذلك مازالت كبيرة.
أعتقد أن التأخير في وضع الدستور هو ناتج عن هذه المشاكل وهى موجودة ومازالت ومستمرة ولكن ربما هناك من لا يريد رؤيتها أو الحديث عنها بل حتى التهرب منها .
3-مقترح ربما يمثل الحل فى المرحلة الراهنة
و اليوم مع الاعتذار لكل أبناء الشعب الليبى ولكل الزملاء فى الهيئة التأسيسية ، مازلت أعتقد وهذا قلته فى الشهور الأولى من اجتماعات الهيئة التأسيسية مجتمعة وهو مسجل صوت وصورة ,وقمت بنشره على هذه الصفحة مؤخراً بتاريخ 12/7/2014 إنه ربما من الأفضل وفى الظروف الحالية الداخلية والخارجية للهيئة والوطن وأهمها غياب توافق وطنى على الكثير من الأمور، أن يتجه تفكيرنا نحو تطوير الإعلان الدستوري فى موضوعات محددة مثل : تحديد وتنظيم السلطات الثلاث فى الدولة والحكم المحلى ، وتحويله إلى دستور مؤقت لا تزيد مواده عن 45 مادة يمكن بناء مؤسسات عليها و من أهمها ظهور حكومة تسعى لإعادة ثقة الليبيين فيما بينهم .
وتقوم الهيئة التأسيسية بوضع وإصدار هذا الدستور المؤقت ثم تقوم الهيئة التأسيسية بتعليق أعمالها أ، وننتظر بعض الوقت حتى تكون البلاد والعباد جاهزين لدستور دائم ، عندما قلنا هذا الكلام ورددناه أكثر من مرة ،هناك من قبل وهناك من رفض ولكن الرئيس لم يعطيه اى اهتمام . أنا شخصيا مازلت أعتقد أن هذا يمكن أن يكون الحل الممكن فى مواجهة الإحداث التي تعصف ببلادنا ، وأتمنى من زملائي الصامتين في الهيئة أن يتبنوا معي هذا الرأي لنخرج من المأزق الذي نحن فيه .
التدوينة لماذا التأخير في عمل الهيئة التأسيسية؟ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.