المرصد الليبي للإعلام
ذكر الكاتب داريو كريستياني، في تحليل على موقع “مؤسسة جايمس تاون” الأمريكية، أن الجزائر تعد إحدى الدول الأكثر اهتماما بما يحصل في ليبيا، لكن تمسكها بعقيدة عدم التدخل، جعل من الدور الجزائري محدودا جدا في شؤون جيرانها، ومع ذلك، عندما قام رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج في أكتوبر الماضي بزيارة استغرقت يومين إلى الجزائر، كانت المخاوف الجزائرية بشأن ليبيا واضحة بقوة، وعلى رأسها تهديدات تنظيم “الدولة” (داعش) وإمكانية تحول ليبيا إلى معقل لتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، إضافة إلى العلاقات الإقليمية مع مصر والمغرب.
واستقبل رئيس الوزراء عبد المالك سلال السراج، فضلا عن وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية عبد القادر مساهل، ووزير الداخلية والحكومة المحلية نور الدين البدوي، ويؤشر وجود سلال والبدوي على الأولويات الجزائرية في ما يخص ليبيا، كما التقى السراج بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، ويقال إن الجانبين ناقشا الوضع في ليبيا، وما أسماه السراج “الدعم الثابت للجزائر في هذا السياق الصعب”.
التزام
وبين الكاتب أن الجزائر لطالما التزمت بمبدأ عدم التدخل، وعلى هذا النحو، كانت غير مستعدة لأي تدخل خارجي في ليبيا، وقد أظهرت السلطات الجزائرية، على مدى السنوات القليلة الماضية، قدرا من المرونة في تطبيق هذا المبدأ، على غرار التدخل في معالجة المشاكل الأمنية في تونس، لكن بصفة عامة، ليس للجزائر أي استعداد للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، حتى في صورة كان أمنها مهددا، وكنتيجة لذلك، عندما يتعلق الأمر بليبيا، ظلت الجزائر ملتزمة بالتوصل إلى حل سياسي- تفاوضي، بعيدا عن استخدام القوة العسكرية، كما ترفض فرض أي أجندة سياسية من قبل دول أخرى على ليبيا، وتبقى أيضا ملتزمة بدعم حكومة الوفاق الوطني، وفيما تبقى حكومة الوفاق الوطني ضعيفة، ولم تفعل شيئا يذكر من أجل تعزيز شرعيتها في نظر العديد من الليبيين، تظل المنهجية السياسية الكامنة وراء إنشائها متناسبة ومبادئ السياسة الخارجية في العاصمة الجزائر.
ومع ذلك، تبقى الجزائر قلقة حيال يحدث في ليبيا، فهي تتقاسم 1000 كيلومتر من الحدود معها، ويمكن لعدم الاستقرار في ليبيا أن ينتشر بسرعة ، خاصة في ما يتعلق بالتسلل المحتمل لـتنظيم “الدولة”، ومن المتوقع أن يكون لهزيمة التنظيم في سرت الليبية، تأثير الضربة القاضية على الأمن الإقليمي، فعلى الرغم من أنها ستكون ضربة رمزية ضد التنظيم، إلا أنها لن تكون نهاية لتواجده في ليبيا، وقد فر العديد من المقاتلين إلى الأجزاء الغربية والجنوبية للبلاد، وقد يشنون هجمات في ليبيا أو في البلدان المجاورة.
وأبرز الكاتب أن ديناميكية الأمن الإقليمي ساهمت في إثارة مخاوف الجزائر، ومع تحرك الحكومة العراقية نحو استعادة السيطرة على الموصل، أعرب معلقون جزائريون عن مخاوفهم من أن يترك مقاتلو التنظيم العراق ويتوجهون إلى ليبيا لتعزيز تواجدهم هناك، وتتمثل المشكلة الثانية بالنسبة للجزائر في أن ليبيا قد تصبح مرة أخرى منصة لوجستية لتنظيم “القاعدة في المغرب الإسلامي”، والحقيقة، لا يمثل تنظيم “الدولة” التهديد الإرهابي الوحيد للجزائر ولا الأهم، بالنسبة للجزائر، تمثل “القاعدة” تهديدا أمنيا أكبر، على الرغم من أن المجموعة تعتبر الآن أضعف مما كانت عليه قبل بضع سنوات.
وعلى الرغم من أن العديد من مقاتلي “القاعدة” غادورها خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أنه ما يزال يحافظ على وجوده هناك، ففي شهر أكتوبر الماضي، قامت قوات الأمن الجزائرية بقتل جمال هناب أحد المقربين من زعيم “القاعدة في المغرب الإسلامي”، عبد المالك دروكدال، هذا وقد حول التنظيم تركيزه الجغرافي، ويسعى في تنافسه الإقليمي مع “داعش” للبحث عن “فرص” جهادية جديدة في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، وإطلاق عدد من الهجمات الإرهابية في رد على تصاعد دور “داعش” في شمال أفريقيا، وفي هذا السياق، يمثل ضعف ليبيا فرصة إستراتيجية لتنظيم “القاعدة” للعودة إلى البلاد، وربما إعادة تأسيس وجود كبير له، وتعتبر الجزائر وجود “القاعدة” في ليبيا تهديدا كبيرا لها، وقد كان الهجوم على منشأة آميناس جنوب الجزائر تذكيرا قويا بهذا التهديد المحتمل.
أما العنصر الثالث المثير للقلق فهو تهريب الأسلحة، ففيما تتحول ليبيا، بشكل عام، إلى مركز إقليمي للسلع غير المشروعة، فهي أيضا مركز إقليمي رئيسي للأسلحة في السوق السوداء، فالأسلحة الخفيفة القادمة من منطقة الساحل والسودان، تدخل الجزائر وتجد طريقها إلى أيدي الخلايا الإرهابية والعصابات الإجرامية جنوب الجزائر، وبالإضافة إلى ذلك، تدخل الأسلحة الثقيلة، مثل الصواريخ، الجزائر من ليبيا، وفي العديد من الحالات، تدار هذه العمليات من قبل المنظمات الجهادية الإقليمية، ما يدل على الطبيعة المختلطة لهذه المجموعات.
بعد إقليمي
واعتبر الكاتب أن هناك قلقا أيضا من تأثير الأزمة الأمنية الليبية على تونس المجاورة، لأن استقرار تونس له أهمية خاصة بالنسبة للجزائر، وذلك لأسباب أمنية واقتصادية، وقد كان لتواجد “داعش” في ليبيا تأثيرا مباشرا على الأمن التونسي، مع ثلاثة هجمات إرهابية عانت منها البلاد سنة 2015، وعلى الرغم من أن المؤسسات الجديدة في تونس أثبتت مرونة في التصدي لهذا التهديد، إلا أن كلن للوضع الأمني تأثيرا سلبيا على اقتصاد البلاد، وزاد من إحباط العديد من التونسيين تجاه السلطات، وتفاقمت هذه المشاكل لتصبح خطرا على الدولة التونسية، وهو تطور تريد الجزائر تجنبه، وهي التي أصبحت أحد أهم مصادر السياحة التونسية، ويمثل الاعتداء على الوجهات السياحية التونسية تهديدا مباشرا لسلامة المواطنين الجزائريين.
ونظرا لغياب الإرادة السياسية للتدخل المباشر في ليبيا، تدخلت الجزائر عبر طرق أخرى لتعزيز أمنها، عبر زيادة قدرة قواتها الأمنية على الحدود، وقد نشر الجيش الجزائري حاليا طائرات دون طيار لعمليات الاستطلاع، فضلا عن استخدام نظارات عسكرية متطورة للرؤية الليلية، وبالإضافة إلى ذلك، أعلنت في يونيو 2016 عن شراء ثلاثة طائرات “غولف ستريم جي550″، يمكنها أن تقوم بمهام مراقبة أطول، كما بدأت الجزائر في بناء سياج على طول حدودها مع ليبيا وتونس، وهي تقوم بالشيء نفسه على حدودها مع المغرب.
وذكر الكاتب أن لعدم الاستقرار في ليبيا بعدا إقليميا يؤثر على العلاقات الدولية في المتوسط وأفريقيا، وهذا مهم بشكل خاص بالنسبة للجزائر، فالمشاكل في ليبيا لها تأثير مباشر على العلاقات الجزائرية مع اثنين من منافسيها الإقليميين الرئيسيين، مصر والمغرب. وتبقى مصر الأكثر انخراطا في القضايا الليبية، وما تزال الحليف الإقليمي والدولي لقائد الجيش الوطني الليبي (المعين من قبل مجلس النواب)، خليفة حفتر، ودائما ما تعبر عن آراء تخالف الجزائر بخصوص الأزمة الليبية، ويحاول حفتر تقديم نفسه على أنه قائد مكافحة “داعش” في ليبيا، على الرغم من أن عبء الهجوم على سرت، كان على عاتق كتائب مصراتة، العدوة الشرسة لحفتر، وفيما ما يزال هذا الأخير شخصية مثيرة للخلاف في ليبيا، تحاول العديد من الدول الغربية، على الرغم من دعمها الرسمي لحكومة الوفاق الوطني، دعمه بصمت، وبعد انتخاب دونالد ترامب على رأس الولايات المتحدة، يرى العديد في ليبيا في ذلك فرصة لحفتر لتعزيز دوره السياسي.
مصالح
وبالنسبة لمصر، لا تكمن الأزمة الليبية في المخاطر الأمنية المباشرة فقط، فهي لديها الكثير من المصالح تتجاوز الصراع الحالي وعدم الاستقرار، بل ترى في شرق ليبيا فناء خلفيا لها، حيث ما تزال الروابط القبلية متماسكة، وتنحى منحى مصر، ما غذى الشعور بالاغتراب عن بقية ليبيا، كما لمصر أيضا مصالح اقتصادية كبرى في ليبيا، وقبل اندلاع الثورة، عمل نحو 2 مليون مصري هناك، وكانت تحويلاتهم المالية هامة جدا للحفاظ على مستوى عيش العديد من الأسر المصرية، وحتى الآن، ما يزال عدد المصريين العاملين في ليبيا كبيرا، إلا أنه انخفض إلى 700 ألف، وبهذا، يمكن لاستقرار ليبيا أن يكون عاملا ايجابيا مباشرا للاقتصاد المصري، من خلال تعزيز الفرص بالنسبة للعمالة المصرية في ليبيا، وهناك فرص جديدة للاستثمار المصري- الليبي المتبادل، وهذا مهم بشكل خاص، لأن مصر تعيش انكماشا اقتصاديا، يشكل تهديدا محتملا على الاستقرار السياسي لنظام عبد الفتاح السيسي.
من جهة أخرى، أبرز الكاتب أنه رغم عدم اشتراك المغرب بحدود مباشرة مع ليبيا، وعدم تأثره مباشرة بعدم الاستقرار، ما يزال لهذا البلد مصالح كبرى في ليبيا، ما دفع المملكة إلى لعب دور دبلوماسي أكثر حزما، كما أن ليبيا غير مستقرة، سيدفع الجزائر لتكريس المزيد من الموارد لمراقبة حدودها الشرقية، ما يؤدي إلى تخفيض أي تهديد جزائري للمغرب.
وبين الكاتب أن الجزائر بدأت تلعب دورا دبلوماسيا أكثر حزما في جلب الفصائل الليبية المختلفة إلى طاولة المفاوضات، ودفعت المغرب أيضا للعب دور الوسيط، وهي خطوة تعد جزءا من عملية مغربية أوسع لتجنب التهميش الجيوسياسي الإقليمي، ومواجهة النفوذ الجزائري، وذلك يعني أن المفاوضات وضعت على مسارين مختلفين، واحد في الجزائر وآخر في الصخيرات المغربية، ويمثل الاتفاق السياسي -الذي تم التوصل إليه- نجاحا بالنسبة للمغرب، لكن ازدواجية المفاوضات خفضت من فعاليته، ومع ذلك، تبقى الرباط إحدى ركائز الاستراتيجيات الغربية في المنطقة، وترى الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية وجودها كوسيط دبلوماسي إيجابي، فمن الناحية الأخرى، ترى الجزائر التدخل المغربي ليس فقط قضية جيوسياسة، ولكن أيضا مشكلة أخرى تمنع حل النزاع الليبي، وترى المغرب القضية الليبية كجزء من التنافس الجيوسياسي الأوسع مع الجزائر حول الصحراء والساحل، ما يمنع الاثنين من التعاون بشكل وثيق.
واعتبر الكاتب أن الجزائر فاعل رئيسي في الديناميكيات الإفريقية في البحر الأبيض المتوسط، وسيظل دورها كبيرا في ليبيا، ومع ذلك، قد لا يترتب على هذا الدور عمل عسكري مباشر على الأرض، وبدلا من ذلك، ستتمسك الجزائر بمبدئها في عدم التدخل في السياسة الدولية، فيما تكثف جهودها لتعزيز أمن الحدود، والقيام بدور الميسر لجلب الفصائل الليبية إلى طاولة واحدة، ولهذا السبب، ما تزال الجزائر تشكك في حفتر وصعوده كرجل قوي محتمل في ليبيا، وتشعر بالقلق من كونه سيقوم بخلق استقطاب أكبر في البلاد، وموجات جديدة من عدم الاستقرار.
وهذا الأمر يضع الجزائر في خلاف مع مصر، ويتركها معزولة، في الوقت الذي تقوم فيه القوى الغربية بتهدئة ردود فعلها تجاه ليبيا بشكل عام، في الوقت نفسه، تعرقل العلاقات التقليدية مع المغرب المزيد من التعاون بين البلدين، على الرغم من نقاط التوافق الدبلوماسية بينهما حول ليبيا.
التدوينة الأزمة الليبية ودور الجزائر المحدود ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.