صحيفة لوموند الفرنسية
الكاتبان: جيروم غوثريت وفريدريك بوبن
طغت الشكوك التي تحوم حول التحاق قائد الجيش الوطني الليبي بمؤتمر باليرمو، الذي انتهى يوم الثلاثاء، على حساب القضايا الجوهرية. فهل كان حفتر يرغب في إثارة الجدل حوله فقط؟
يبدو أن المارشال خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي والرجل القوي في برقة (شرق ليبيا) ومنافس فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني المتمركزة في طرابلس (غرب البلاد)، قد تلاعب بأعصاب منظمي مؤتمر باليرمو حول ليبيا الذي عُقد يومي 12 و13 تشرين الثاني/ نوفمبر. وبالنسبة له على الأقل، كانت هذه القمة ناجحة. فمنذ بداية المؤتمر إلى نهايته، استأثرت مواقف المشير خليفة حفتر باهتمام الأطراف المشاركة أكثر من مضمون المناقشات.
خلال المؤتمر الصحفي الختامي، رحّب رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي بسير الاجتماع على خير ما يرام، معترفا في الآن ذاته بمدى ثقل المهمة الموكلة إليه حيث صرّح قائلا: “حتى نعلن عن نجاح هذا الاجتماع، ينبغي علينا الإقرار بأننا توصلنا إلى حل لكل المشاكل، وما دمنا لم نحقق ذلك فإن هذا المؤتمر لم يكن ناجحا”. كما أكد في الآن ذاته أن كل الأطراف الفاعلة في اللعبة الليبية كانت حاضرة في هذا المؤتمر. ولكن في تلك الأثناء، كان المارشال خليفة حفتر وحليفه المصري عبد الفتاح السيسي قد غادرا المكان منذ ساعات.
يوم الاثنين، تتالت في قاعة فيلّا “إيجيا” الفاخرة المعلومات المتناقضة، حيث قام أعضاء الوفد الإيطالي بعرض معلومات جزئية وغامضة على مدار الساعة دون الإجابة عن أي سؤال. واقتصرت تصريحاتهم بشأن حفتر على: “قد يحضر المؤتمر”، “هو في طريقه إلى المطار”، “لقد غادر” ، “إنه على متن طائرة إيطالية”. وعلى الساعة السابعة مساء، لم يتم تأكيد أي معلومة حول هذا الموضوع. وأخيراً، قدم المارشال خليفة حفتر مساء الاثنين إلى هذا الاجتماع لكنه وضع حدا لحضوره في هذا الحدث الدولي الذي يتمحور حول مستقبل بلاده، فور وصوله.
جو مشحون
بعد أن كان من بين آخر الواصلين لمقر المؤتمر، تلقى حفتر ترحيبا في إطار أجواء جعلها الانتظار مشحونة نوعا ما. وأمام المصورين والكاميرات، تحدث حفتر مطولا مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، الذي بدا وكأنه لازال مضطرا لإقناعه بالانضمام إلى المؤتمر. وبمجرد الانتهاء، أعلن هذا القائد الليبي عن رفضه المشاركة في العشاء الذي أقامه كونتي.
بعد فترة وجيزة، قال متحدث باسم الجيش الوطني الليبي إن حفتر “ليس في باليرمو للمشاركة في المؤتمر” الذي تم تنظيمه من قبل روما، وإنما “للقاء قادة الدول المجاورة”. وعلى هذا النحو كان حفتر بمثابة الشخصية الحاضرة الغائبة في الآن ذاته، واستطاع الهيمنة على موضوع مناقشات الوفود التي بلغ عددها 38 وفدا دون الحاجة حتى إلى المشاركة فيها. وقد أفاد أحد المشاركين في المؤتمر في نهاية المناقشات أن “الإيطاليين اضطروا فعلا لأداء رقصة معقدة للغاية”.
وفقا لمراقبي المشهد الليبي، هناك سببان رئيسيان يفسران الشكوك التي استمرت حتى اللحظة الأخيرة حول وصول حفتر إلى باليرمو، فضلا عن استعداده الواضح للنأي بنفسه عما خطط له الإيطاليون.
أولا، أصر حفتر على الإعراب عن استيائه من بعض التطورات الدبلوماسية التي حدثت في المرحلة الأخيرة، قبل قمة باليرمو. ووفقاً لأحد مستشاريه، لم ترُق له تغريدة نشرها نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، خلال زيارته التي أداها إلى قطر بتاريخ 31 تشرين الأول/ أكتوبر. وفي هذه التغريدة، قال سالفيني إنه “اكتشف دولة محترمة ومتسامحة وقفت في وجه التطرف”، “وستُساعد على تأمين استقرار ليبيا”. خلافا لذلك، تنتمي قطر إلى جانب تركيا إلى محور إقليمي يدعم خصوم المارشال (المنتمين إلى المعسكر “الثوري” أو حركة الإخوان المسلمين)، المدعومين من طرف الإمارات العربية المتحدة ومصر.
ثانيا، أشار أحد مستشاري المارشال أن تنقل وزير الدفاع التركي إلى طرابلس في الخامس من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، حيث التقى برئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، وزيارة السراج في التاسع من الشهر ذاته لأنقرة، حيث التقى برجب طيب أردوغان؛ قد أثارت حفيظة المشير خليفة حفتر. وقد عبر عن انزعاجه من هذين الحدثيْن من خلال انشقاقه عن هذا المؤتمر في باليرمو الإيطالية.
ومن خلال جعل نجاح مؤتمر باليرمو مرتبطا بحضوره، رغب حفتر في توجيه رسالة ضمنية إلى روما، القوة المستضيفة، التي يعتبرها مقربة جداً من حكومة السراج. وقد أوضح الباحث الليبي من مؤسسة المجلس الأطلسي البحثية، محمد الجاهر، أن “حفتر لا يمانع إحراج الإيطاليين قليلا بالنظر لعلاقاتهم مع قادة طرابلس”.
وفي سياق آخر، قد يرغب حفتر في فرض مكانته كرجل دولة. وحسب الجاهر فإن “هذه الرسالة موجهة بشكل خاص إلى الرأي العام الليبي. وفي الواقع، يتعلق الأمر برسم صورة حفتر كرجل قوي؛ ففي الوقت الذي يسخر فيه البعض من ضعف السياسيين الليبيين الآخرين، يسعى حفتر إلى تقديم نفسه في صورة الشخص الوحيد القادر على إعادة سيادة الدولة”.
لم يُسجل أي تقدم يُذكر
يبدو أن الإيطاليين منشغلون هم أيضا بانطباعات الرأي العام. وبغض النظر عن إعادة تأكيد القيادة الإيطالية التي كان من المفترض أن يعكسها هذا الاجتماع، لم يتم تسجيل أي تقدم يذكر. في المقابل، قدّم الاجتماع صورة ضبابية للوضع، خاصة أن الجهات الفاعلة لم تجتمع حول نفس الطاولة إلا بصعوبة كبيرة.
خلافا لذلك، يُلاحظ المتفائلون أن هذا المؤتمر قد نجح في تحديد موعد تقريبي للانتخابات العامة، التي من المتوقع إجراؤها في ربيع 2019؛ وهو تاريخ يعتبره العديد من الدبلوماسيين واقعياً. وفي الإطار ذاته، بيّن دبلوماسي فرنسي أنه “في حال سارت الأمور على ما يرام، سيكون الليبيون قادرين على إجراء انتخابات في غضون أربعة أو خمسة أشهر”.
وخلال لقائه القصير مع رئيس الوزراء فايز السراج، على هامش هذا المؤتمر، أراد المارشال خليفة حفتر طمأنة الرأي العام من خلال استعارة جريئة: “لا تغير الحصان قبل عبور النهر”، تلميحا على عدم وجود داع لإقصاء خصمه. ولكن المشكلة هنا تكمن في أنه لا يوجد نهر في ليبيا.
التدوينة مؤتمر باليرمو حول ليبيا، المارشال خليفة حفتر يصر على المماطلة ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.