طرابلس اليوم

السبت، 17 نوفمبر 2018

المليشيات الليبية تعمل على حشد الدعم الشعبي من خلال تقديم مبالغ مالية

,

موقع ميدل إيست آي البريطاني

الكاتبة: فرانشيسكا مانوتشكي

استغلت ميليشيا طرابلس مؤتمر باليرمو لتمكين الليبيين من سحب عشرات أضعاف المبالغ المالية المعتادة من البنوك.

بينما كان المسؤولون الليبيون في إيطاليا لحضور مؤتمر طال انتظاره هذا الأسبوع، استغلت إحدى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس فرصة غيابهم لحشد الدعم الشعبي من خلال تقديم مبالغ مالية للمواطنين.

اجتمع السياسيون الليبيون على غرار رئيس حكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل الأمم المتحدة فايز السراج، وخليفة حفتر الذي نصب نفسه زعيما لجزء كبير من شرق ليبيا، في باليرمو لحضور مؤتمر المصالحة الذي استضافته الحكومة الإيطالية. ومثل هذا الحدث مشاورات حول الأزمات التي كان هدفها تقديم مجموعة من الإجراءات السياسية والاقتصادية والأمنية الجديدة لإعادة الاستقرار للبلاد، أو كما وصفه رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي “المؤتمر الذي أقيم لفائدة ليبيا وليس حول ليبيا”.

تضاعفت شكوك المراقبين حول ما إذا كان ممكنا رؤية نتائج ملموسة للمجهودات التي تبذلها الأمم المتحدة في ليبيا، المقسمة بين الدول المتنافسة منذ سنة 2011 وما زالت إلى الآن على تلك الحال. في المقابل، انتهى المؤتمر بتوفير بعض الحلول الأمنية والاقتصادية، اللذين يمثلان أهم القضايا الرئيسية التي تشغل بال الليبيين.

بالعودة إلى العاصمة، تزامن وجود مسؤولي حكومة الوفاق الوطني خارج البلاد مع تسلم كتيبة ثوار طرابلس زمام الأمور. وتحت رقابة رجال الميليشيات المسلحين، أبقت الكتيبة أبواب البنوك في العاصمة مفتوحة حتى وقت متأخر من الليل، مما سمح لليبيين بسحب عشرات أضعاف المبالغ المالية المسموح بها عادة. وقد امتدت صفوف المواطنين أمام البنوك، بينما قام الموظفون بتوزيع آلاف الدنانير عليهم؛ وبهذه الطريقة حظيت الميليشيات بدعم الشعب الذي تنتابه الشكوك حول ما يفعله قادتهم في إيطاليا.

حيال هذا الشأن، أفاد زكريا علي، البالغ من العمر21 عاما، الذي كان من بين مئات الرجال الذين انتظروا دورهم في الصف من أجل سحب المال: “نحن لا نتوقع أي شيء من مؤتمر باليرمو”. وقد كانت النساء يقفن في صف منفصل في الجهة المقابلة من الشارع.

وفي حديثه عن المؤتمر قال زكريا “إنه عرض للدمى والسراج أولها، إنه دمية أوروبا والأمم المتحدة. ما التغيير الذي قدمته من أجلنا استعراضات السياسيين في السنوات الأخيرة في البلدان المجاورة لنا، سواء في تونس، أو باريس، أو إيطاليا؟ لا شيء، لم يقدموا شيئا لفائدة الشعب، ربما حقق أولئك الذين ينهبون الغاز والنفط الخاص بنا بعض النتائج، ولكن ليس بالنسبة لنا”. كما أشار زكريا إلى أن الحل الوحيد يكمن في ليبيا وتحديدا بين يدي “هيثم”.

من قائد عسكري إلى روبن هود

 

هيثم تاجوري هو قائد عسكري وزعيم كتيبة ثوار طرابلس، الذي غيّر فجأة شخصيته العامة على إثر الاشتباكات التي شاركت فيها كتيبته واستمرت على امتداد أسابيع في العاصمة في أواخر شهر أيلول/ سبتمبر. لم يعد هيثم الرئيس الذي يهابه الجميع لأكثر الميليشيات قوة في العاصمة، وإنما قدم نفسه كمدافع عن المضطهدين مثل روبن هود.

لقد تسببت الأزمة الاقتصادية الحادة للبلاد في نشوب اشتباكين مسلحين كبيرين في الأشهر الأخيرة. ففي يونيو/ حزيران، وقع قتال في منطقة الهلال النفطي، وهي مجموعة من الموانئ النفطية الاستراتيجية الواقعة شرق البلاد، مما استدعى تدخل الأمم المتحدة لحظر عائدات النفط الذي يباع نتيجة للعدوان. وفي نهاية أغسطس/ آب، هاجم اللواء السابع ترهونة مجموعة من الميليشيات في العاصمة، بما في ذلك كتيبة ثوار طرابلس، فيما وصفه بمحاولة “تطهير” طرابلس من الجماعات الفاسدة.

وأفاد اللواء السابع بأن الميليشيات قد استخدمت نفوذها للحصول على إئتمانات مصرفية بقيمة ملايين الدولارات “بينما ينام الناس العاديون منتظرين  خارج البنوك للحصول على بضعة الدنانير”. ومنذ سنة 2014، وضع البنك المركزي الليبي قيودًا صارمة على توفير العملة الأجنبية، التي تعد جد ضرورية للمواطنين الذين يحتاجون للسفر من أجل تلقي العلاج الطبي الذي أصبح صعبا ومكلفا للغاية داخل ليبيا.

يحدد البنك رسميا سعر صرف الدينار الليبي بقيمة 1.30 دولار، إلا أن السوق السوداء واسعة النطاق في البلاد تحدد قيمة مختلفة تماما تتأرجح بين قيمة أعلى بأربع وسبع مرات. ووفقا لتجار السوق السوداء، كان المعدل 11 مرة أعلى خلال العام الماضي. وقد أدت الفجوة بين المعدلين إلى تفاقم المشاكل الأساسية لليبيين في بلد مزقته الخصومات السياسية والقبلية، التي تفاقمت بفعل المصالح الشخصية وطموحات الشخصيات الرئيسية مثل قادة الميليشيات. ويعد سعر الواردات من الوقود والسلع الأساسية مثل الملابس والمواد الغذائية من أكثر البضائع تكلفة، حيث صرح أصحاب البقالة أن سعر الخبز قد تجاوز الضعف خلال عام.

مجموعتان من القواعد

تتمثل المشكلة الرئيسية بالنسبة لليبيين ببساطة في طريقة الحصول على المال، حيث أفاد حسين، وهو طالب شاب يقف في الصف أمام البنك ورفض ذكر لقبه لحماية أسرته، أن هناك مجموعتان من القواعد لسحب الأموال في ليبيا، في الآونة الأخيرة. وقال حسين: “تستوجب الطريقة الرسمية لسحب الأموال أن لا تسحب من حسابك أكثر من 500 دينار شهرياً، أي نحو 90 دولاراً بسعر صرف السوق السوداء. لكن الطريقة غير الرسمية تتطلب إعطاء رشوة لأفراد الميليشيات الذين يسيطرون على البنوك. تريد الميليشيات نصيبا من المال، لكن هذا الأمر يبدو سخيفا جدا، فهم لديهم المال كله”.

في الوقت الراهن، تخضع طرابلس إلى سيطرة كتيبة ثوار طرابلس وبعض المليشيا السلفية القوية، قوة الردع الخاصة التي يترأسها عبد الرؤوف كارة، التي أحكمت قبضتها على مطار العاصمة والسجن الذي يُحتجز فيه أعضاء من تنظيم الدولة. وتتقاسم الميليشيا الأحياء والفروع المصرفية مع كتيبة ثوار طرابلس. وذكر حسين أنه “إذا تلقى فرع من فروع البنك مبلغا يصل إلى ثلاثة ملايين دينار، فإن نصفه يذهب إلى الميليشيا، أما النصف الآخر فيقتسمه كل من المعارف وأفراد الأسرة، الذين يتعين عليهم دفع رشوة تعبيرا على الامتنان”.

الحراس الليليون

اتخذت كتيبة ثوار طرابلس قرارا جديدا هذا الأسبوع، إذ أمر قائدها هيثم تاجوري ببقاء البنوك في طرابلس مفتوحة إلى وقت متأخر من الليل، مع توفير رجال ينظمون صفوف الأشخاص الذين توافدوا لسحب أموالهم. وكان تاجوري يقود دراجة نارية في الشوارع المجاورة لساحة الشهداء، مما يعطي انطباعا لدى البعض أنه كان يحرس حقوق الناس. وتحت قيادته، تمكن الليبيون من سحب ما يصل إلى خمسة آلاف دينار، لأول مرة منذ سنوات.

أفاد عبد الله، وهو شاب آخر يقف في الصف، بأنه “تمكن رفقة أشخاص آخرين قدموا من مدن بعيدة، يستوجب القدوم منها قيادة السيارة لأكثر من ساعة، إفراغ حساباتهم المصرفية في الوقت الذي كان فيه المسؤولون الليبيون في باليرمو”. وأورد عبد الله: “يقف الليبيون في هذا الصف اليوم بفضل هيثم تاجوري. لم يتخذ أي سياسي قرارا فعالا من قبل فلماذا نثق بالمسؤولين الذين سافروا لحضور مؤتمر باليرمو بينما أصحاب الحلول القويمة بيننا؟”. كما اعتبر البعض الآخر أن “هيثم رجل طيب وبمثابة بطل بالنسبة لهم”.

عندما داهمت كتيبة ثوار طرابلس سوق المشير المعروفة بتداول العملات الأجنبية، رفض العديد من التجار أمر تاجوري الذي يقضي بتخفيض سعر الدولار. وقد أدى ذلك إلى إجبارهم على الاستلقاء على الأرض أمام الزبائن والمارة، ثم السير أمامهم برؤوسهم المغطاة بصناديق القمامة.

كل تغيير يخفي وراءه عملية احتيال

مع غروب الشمس في ساحة الشهداء، وتحديدا في وقت مبكر من إحدى الليالي، كانت الأضواء داخل البنك لا تزال منارة، حيث استمر عدد من الزبائن المتلهفين لسحب أموالهم في الانتظار طوال الليل. والجدير بالذكر أن عددا من موظفي وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوفاق الوطني، المسؤولين عن حماية الميدان، كانوا موجودين إلى جانب رجال الميليشيات الذين كانوا يضعون أسلحتهم في جيوبهم، حيث كانت هناك ثلاث سيارات مرسيدس تقف أمامهم وهم يراقبون البنك.

في الواقع، لم يطلب أي من الأشخاص في الصف المساعدة أو الإذن من الرجال، الذين كانوا يرتدون الزي العسكري، لكنهم توجهوا مباشرة نحو رجال الميليشيات. كان محمود، وهو مهندس يبلغ من العمر 60 سنة، يقف بعيداً عن الحشد، فهو لا يكن احتراماً لقادة ليبيا، سواء المنتخبين أو الذي قاموا بتعيين أنفسهم بصفة ذاتية. لقد كانت الميليشيات تبعث فيه الخوف، لكن محمود يقر في الوقت نفسه بأن القوات الرسمية تملك سلطة أقل، حيث قال “إن ليبيا هي بلد الأقنعة. لا شك في أن الأمور ستتغير، لكن كل تغيير يخفي وراءه مصيدة، وكل إصلاح يحمل في طياته عملية احتيال”.

أبلغت حكومة السراج، قبل شهرين، عن عزمها إحداث إصلاحين مهمين. تمثل القرار الأول في إنشاء قوات أمنية جديدة للحد من تواجد الميليشيات، في حين تلخص الثاني في زيادة رسوم معاملات شراء العملات الأجنبية بنسبة 180 في المائة. وعلى الرغم من تسمية هذه القرارات بإصلاحات، إلا أن محمود يشك في ذلك الأمر.

بتاريخ 25 تشرين الأول/ أكتوبر، وأثناء تنصيب القوات الأمنية الجديدة التي أنشأها السراج للحد من تواجد الميليشيات، كان هيثم تاجوري حاضرًا أمام الرجال الذين يرتدون الزي العسكري. وفي هذا الصدد، قال محمود: “تظاهرت القوات الأمنية بحل كتيبة النواصي وكتيبة غنيوة، لكن الحقيقة هي أنه وقع انتدابهم من قبل وزارة الداخلية. وبالتالي، فإن هذا الأمر ليس حلاً، وإنما خدعة”.

في سياق متصل، أشار محمود إلى أن “إحدى الحيل التي تستخدمها الميليشيات، هي إجبار البنوك على إصدار خطاب الاعتماد المالي لهم”، مشيرا إلى أن “الميليشيات وحكومة السراج قد تتبع هذا النهج لإضفاء الطابع المؤسسي على السرقات التي يقومون بها”.  وأضاف محمود: “لقد فهمت الميليشيات اللعبة، فبعضهم يرتدون الزي الرسمي لقوات الأمن لوضع أيديهم على ثروة البلاد، في حين لا تزال بعض المليشيات الأخرى تسيطر على الشوارع”.

التدوينة المليشيات الليبية تعمل على حشد الدعم الشعبي من خلال تقديم مبالغ مالية ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “المليشيات الليبية تعمل على حشد الدعم الشعبي من خلال تقديم مبالغ مالية”

إرسال تعليق