طرابلس اليوم

السبت، 7 يناير 2017

“الصابري”

,

عبد المطلب الوحيشي

فأوقد المصباح فوق صرح المكان، وأطَّلع، فهنا أسباب العشق والهيام، والأصالة والمُرُوءَة والسناء
من قبل الميلاد…عند ضفافي بحيرة ( تريتونيس ) في بساتين (برنيق)، زرعت الألهة (هيرا) شجرة التفاح الذهبى وأقامت على حراسـتها أربعاً من الحســـان …منذ ذاك الحين عرف الزمان حارسات التفاح الذهبي وكانت بداية المكان وكانت (يوسبريدس)..ومن يومها تشكلت أركان الحي ونمت عراجين (الفل)..وشهد (الشابي) ورماله ولادة (الزين)..

لا تخف فزيت المصباح هنا لاينفذ.. على ضوء شعاعه ستقرأ أن الحي أغريقي الصبغة، روماني المعالم، تُهامي الملامح، وإسلامي الهوى..تختلط فيه كل الألوان والأعراق، والأضداد والصنوان..وتتشكل فيه رسم الزمان والدهر.

وأطَّلع مرة أخرى ..لتعلم أن أسمه ورسمه يرجع إلى (بني سليم) عندما أستوطنت ذرية (شداد بن عامر بن عبدالله بن صابر الصابري) القادمة من (قصر حمد) المكان…

فإن أردت سبر غور تاريخ الحي فاستعر أبيات (حميدة درنة) وأسأل بلغة (الصبراويين) وقل :

(( نريد نرسلك تمشيش ياشوشانه ..تجيبى خبر ريدى ووين مكانــه ))

ستنهض الجارية وستقول لك ..أبدأ المسير…من “التوريللي” مروراً “بالزريريعية” إلى نخيل “اللثامة”…
عند (فم السور) .. هناك في (السبيتار الكيبر) يُبصر مواليد (بنغازي) النور..في الجانب المقابل في (جامع الموتى) تخرج جنائز القوم فتمر لتباركها أروقة الحي…هناك إلى (سيدي أعبيد) الذي ينشر بركته في ثنايا المكان.

ستجيبك أن اللوح والدواة و(الربعة) لم تغب أبداً عن مساجد (كربوني) و(بوخشيم) و(الزيريق) و(العلوة) و(السمين) و(المغيربي).. وستجيبك أن فقه (مالك) لم يبرح جنبات دار الشيخ ( عبد الهادي أبوصبع) ورواده.

ستخبرك أنه بين جنبات زاوية “البهلول” هناك، ستستمع إلى “البردة”، وستمسح متبركاً بكلتي كفيك على وجهك في زاوية “بالرزق” حين يفرغ “القطعاني” من قراءة (مولد البرزنجي)..وستطرب لبنادير حضرة (العيساوية)..وسيلفك عبق (الجاوي) و(الوشق).

ستجيبك أن (ريدك) صبراوية ساحرة فاتنة، لا يقوى أحدٌ على عذوبتها، وستؤكد لك أن (الفقي) نفسه لم يقوى على سحرها فغاب عن دروسه حينما لمح عيونها ، بالرغم أنها حذرته قائلة: (سيدي الفقي لو ريت بوتكليلة.. يحرم عليك الدرس ما تمشيله) !

ولا محالة ستطرب حتى الثمالة حين تسمع (سي علي) يصف (ريدك) قائلاً : (جت باالبرداق …تقول عناق ..لها ردعة من غير زواق..كما مركب خش الرقراق ..بعد ميلين …مع النسمة حط أقلاعين)

ستجيبك (الشوشانة) أن (فهود التحدي) كان أول فريق يُهدي للشرق كأس أول دوري ليبي…ستقول لك أنه كان هناك (سعد سليمان) أو (س س) كما يحلو للتحدوايين مناداته، وستذكر لك(سويري) و(نجم) و(الشطيطي)، وستتنهد حينما تذكر لك أبناء (شرف) … (يونس) و(أحبارة) و(بوحلفاية) و(أشبير) و(مصطفى) و(الفلاح) و(عيسى) و(الفيتوري) …ثم رفاق (طه) و(حميدة فرج) و (فرج ميلود) و(شطوح)…

هناك باحت أسرار (عبدالسلام زقلام) بكل مفردات الهيام.. فتغنت (وردة الجزائرية) بكلماته في (ليالي الغربة) …و أعلن (مسعود الدراجي) أبن الحي عتاب (زقلام) في (لومك علي لنظار)… بينما رددت (فايزة أحمد) تساؤله في (أيش تقصد)… وهناك أنهى كتابة العشق في (ليبيا الحبيبة) فأنشدها (محمد التباني)..

ستعلم أن الحرف كان ينسج هناك..من الألف إلى الياء..فالقلم والدواة صناعة أبناؤه ..من (الصادق بالة) و(الجدي) و(فنة) و(فليفله) و(الرويعي) ، إلى (الفزاني) و(الموت فوق المئدنة)…ستأسرك حبكة مفردات (الفيتوري) في روايته (سريب)…وهناك تشكلت مرايا (العريبي).

وأسأل البحر …سيحدثك عن (بابور بالة) و سيروي لك قصة (الرياس) و( ذكورية عيال البحر)..

تقدم إلى الأمام لتصل إلى (حوش بوسعدية)..ستسمعه يغني (مولاي سلم أسيادي…مولاي نجي أولادي)..
وأمضي على مهل إلى (سوق أحداش) و(دكاكين حميد)..سيقابلك (سيدي بالخير) في وسط السوق..عرج لتحتسي سحلب (الوداني) و(حفيظة) …ولتلقي السلام على الحجام (سي سويلم)..ثم (سي العربي) لتغمرك رائحة (العطرية واللوبان)..ولابد لك من تذوق (الهريسة والمصير) عند (سي رجب)..ولا يستقيم لك أن تغفل عن (الفول المدشش) عند (أشتيوي) ، و(التن والهريسة) عند “سي بشير” و”سي خليفة”

هناك بقرشين فقط عند (سكليستي) السوق يمكنك إيجار (الهمبر) من (المصراتي) أو(عبدالغفار)…وهناك ستصفق للبطل في سينما (الهايتي) و(الشرق)…

ستري عند “عصبينة“، و”بالحاج ” و”غيضان” و”المزوغي” شناقيل”“القلوب “ و”الكرشة” ورؤوس الضان….ولا تنسى فعندما تتحدث عن الجزارة فلا تتعدى أهل الحي فهم أهلها وناسها … و(المزرة) خير شاهدٍ ودليل.

من “الشاردة”…و(كوشة الجير)…إلى كوشة (بوبه)..هناك تتميز (خبزة) الحي …عند مقهي (ابريك لنقي), و(عوض الفونشة), و(مخلوف), و(الطرابلسي) و(بالروين) ,و(العاشق) ستضوع في أنفك رائحة “الكسبر” و”الحبهان” .

فإن شئت فأطفأ المصباح..ولا تكثرت فمنارة (خريبيش) لن تخبو..
وأعلم أن قمر السماء وشمسها اجتمعا هناك.

وهناك لا توصد أبواب المنازل..وهناك تمتزج سٌمرة اللون والمحيا…وهناك تمتد (الحصران) أمام البيوت ..وهناك تتلون حبات رمال (المنقار) بأطياف الدنيا كلها…وهناك أهل البساطة والعز والأنفة …وهناك مكث الوطن وحل في كل جانب.

هناك في كل منازل الطوب والأسقف المحشوة (بتفن) البحر . ..هناك تتعدد الوجوه من (عبد الملح)…من (أم قطمبو).. من (الزرايب) …من (الحلاليق) و(الدنقة) و(الغيطة)…من البساطة…من قطرات العرق، من الفخار، من الدين والمحاريب والمساجد.

من كل هؤلاء وغيرهم كثير تُنسج حكايات بنغازي بأجمعها..ويتوسد الوطن بأكمله تراب الحي….هنا لن يأفل نور( الزين)، وهنا سيبقى الورد واالياسمين .وهنا سيطوق (الصابري) جيد (بنغازي) ويزينها (بعرجون الفل) !

التدوينة “الصابري” ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على ““الصابري””

إرسال تعليق