أبوبكر بلال/ كاتب ليبي
المتابع لوسائل إعلام ما بات يعرف بالتيار المدني سوف يصل إلى حقيقة أن هذا التيار قد بدأ يشنُّ حربًا جديدة على مخالفيه من التيار الإسلامي وغيره في قنواته ومواقعه وإذاعاته وكافة وسائل تعبيره وتأثيره التي بدأت تتسع في الآونة الأخيرة وتنتشر بشكل خاص على مواقع التواصل الاجتماعي التي تظهر للمتصفح بإعلانات مموَّلة تموّل منشوراتِه وموادَّه؛ فتستهدف تارة مجموعة بعينها فيما تركز تارة على شخصيات مجتمعة أو شخصية منفردة.
هذه الحملة الإعلامية الجديدة التي لم تعد تخفى على كل متابع للإعلام الليبي والتي ظهرت فجأة رغم محاولات التوافق والتأسيس لمرحلة جديدة تضع في حسبانها الابتعاد قدر الإمكان عن الاستقطاب السياسي الحاد الذي ساهم في الانقسام السياسي ليس لها من تفسير إلا أن حربا جديدة بدأ يشنُّها أقطابُ هذا التيار ومن يدعمهم للتمهيد لمرحلة سياسية أخرى ربما تنتج عن خيار الانتخابات التي دعت إليها البعثة الأممية في ليبيا وعلى ضوئها أعلنت مفوضية الانتخابات فتح سجل الناخبين ثم أعلنت الانتهاء منه وذلك حتى تساعدهم هذه الحرب الإعلامية على الفوز بأغلبية مريحة إذا ما جرت، وحتى تكون هناك ذريعة لاستئصال مخالفيهم ويحظى هذا الاستئصال بضوء أخضر شعبي ولد من رحم هذه الحملة المستعرة.
لم يتعظ أقطاب التيار المدني مما تسببت فيه تجربتهم السياسية السابقة وأذرعها الإعلامية التي ساهمت في إنتاج مرحلة الانقسام السياسي وإشاعة روح الكراهية بين الليبيين مما دعاهم إلى تقرير خوض حرب إعلامية أخرى لا يعنيهم تبعاتها الباهظة فاتورتها من زيادة الشرخ بين شرائح المجتمع الليبي بدل السعي إلى التئامه والسعي إلى التأسيس لمنافسة شريفة تضمن الاعتراف بالآخر، كما لا يهمهم إن تسببت في بقاء المزاج العام لليبيين مسموما بدلا من تنقيته والعمل على صفائه، أو إن بقي الانقسام السياسي على حاله والذي لن يجعل دوران العجلة السياسية يتجه إلى الأمام سواء بالانتخاب أو بغيره ويتحقق لهم ما أرادوه من وراء هذه الحملة وهو إنتاج مرحلة سياسية أخرى تكون لهم الغلبة والتفرد بالحكم فيها، وإذا ما حدث تقدم بسيط لها وبقيت هذه الحرب الشرسة على حالها فإنه من الوارد والممكن أن تندلع حرب عسكرية أخرى كما حدث في السنوات السابقة والتي راهن التيار المدني عليها بادئ الأمر ظانا أن الحسم العسكري سيكون خلال أيام معدودة.
ينبغي لهؤلاء أن يتعظوا من الماضي ومن هذا الواقع الأليم الذي نحياه اليوم الذي كانوا أحد أسبابه حينما استخدموا وسائلهم الإعلامية هذه في حرب سابقة فشوهوا الآخر وساهموا في القضاء على الحياة السياسية ومضوا على خطى الاستبداد الذي لم يمض وقت طويل على القضاء عليه فكانوا سببا في إنتاج استبداد جديد ظنوا أنه سيمهد لهم الطريق للحكم؛ إذ دارت الدوائر عليهم وقرر هذا الاستبداد الجديد أن يقضي عليهم أيضا وألا يبقى إلا هو، فصدق عليهم المثل: ( من حفر حفرة لأخيه وقع فيها ).
ينبغي عليهم أيضا ألا يكونوا مرتهنين في أيادي دول إقليمية تغدق عليهم الأموال، وأن يعودوا إلى وطنهم وأن يسعوا إلى تأسيس معادلة وطنية شريفة تؤسس للتنافس الشريف والاعتراف بالآخر؛ فالاعتراف بالآخر هو سبيل مريح جدا للوصول إلى الحكم عاجلا أو آجلا وأن يراهنوا على هذا الخيار بدلا من الرهان على حسم عسكري لا تخفى شراهة قادته في الحكم.
أعلم جيدا أن هذه بديهيات لا تخفى على أٌقطاب هذا التيار الذين أفنى بعضهم عمره في التنظير له والدعوة إليه، لكنني رأيت ن أكتب هذه الكلمات من باب الذكرى ومن باب الخطر الذي يحدق بالوطن الذي بدأت وسائلهم الحديثة الممولة في بثه وإطلاقه.
التدوينة حرب إعلامية ثانية ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.