طرابلس اليوم

الجمعة، 22 مارس 2019

هل تغيرت موازين القوى في ليبيا؟

,

موقع نيويورك ريفيو أوف بوكس الأمريكي

الكاتب: فريدريك ويري

 

صبراتة، ليبيا: تقع مدينة صبراتة على ساحل البحر المتوسط غرب العاصمة طرابلس، وهي بلدة هادئة تعجّ بصغار المزارعين والتجار. وتحت قيادة الزعيم الراحل معمر القذافي، استضافت صبراتة، التي اشتُهرت بآثارها الرومانية، وأعمدتها ومدرجها المرمّم، عروض أوبرا لجاكومو بوتشيني التي كانت موجهة لأعداد غفيرة من السياح الإيطاليين. اليوم، رحل السياح وعانت المدينة جراء سلسلة من المصائب منذ الإطاحة بالديكتاتور سنة 2011.

 

في أوائل سنة 2016، أصبحت المدينة مسرحا لمعركة شرسة ضد مقاتلي تنظيم الدولة، الذين أنشؤوا معسكرا للتدريب في بساتين النخيل المجاورة. وبمساعدة غارة جوية أمريكية شُنّت على هذا المعسكر، قامت الميليشيات المحلية بطرد الجماعة الإرهابية.

 

لاحقا، شهدت صبراتة آفة جديدة تتمثل في تفشّي عمليات التهريب والاتجار بالبشر ومعارك ضارية للتصدي لهذه التجارة المربحة. وقد أسفرت الاشتباكات عن عشرات القتلى وشوّهت المدرج الأثري الذي غطّته الأزهار المتفحمة نتيجة القذائف الصاروخية وثقوب الطلقات النارية. مع ذلك، حين قمتُ بزيارة الأنقاض ظهر أحد أيام شهر شباط/ فبراير الماضي، كانت المدينة قد استعادت ملامح الحياة الطبيعية، إذ خرجت بعض العائلات للقيام بنزهة على العشب في الهواء الطلق بين الأعمدة، حيث ظهرت نبتة الهندباء البرية نتيجة الأمطار الشتوية. في المقابل، تخيّم ظلال أخرى على المدينة في الوقت الحالي.

 

 كان خليفة حفتر، القائد السبعيني للجيش الليبي، معارضا خلال فترة حكم نظام القذافي وأحد الأطراف التابعة لوكالة المخابرات المركزية. وفي أيار/ مايو سنة 2014، قاد حفتر مجموعة من وحدات الجيش المتمردة والقبائل المحلية في هجوم عسكري على الإسلاميين والجهاديين في مدينة بنغازي الشرقية. وبعد مرور سنوات من القتال الطاحن، نجح في السيطرة على الجزء الشرقي من البلاد ووجّه أنظاره نحو الغرب.

 

 وعلى امتداد الأسابيع الأخيرة، اكتسحت قواته المتحالفة، أي الجيش الوطني الليبي، الصحراء الليبية الجنوبية الشاسعة حيث استولت على حقول نفط ذات أهمية استراتيجية، بالإضافة إلى قواعد جوية. في سياق متصل، يواصل حفتر الزحف نحو طرابلس، حيث حكومة الوفاق الوطني المعزولة والمدعومة دوليًا والتي فشلت في تسيير الحكم. وتعتمد هذه الحكومة على أباطرة الميليشيات الذين قسموا العاصمة إلى إقطاعات ونهبوا خزائن الدولة. وقد أحدثت هجمات حفتر تحولا كبيرا في ميزان القوى في ليبيا، وهو ما أكده أحد مسؤولي الأمم المتحدة في طرابلس بالقول إن “أوراق اللعب يُعاد توزيعها”.

 

في الواقع، لعب الدعم العسكري والمادي من الرعاة الأجانب، لا سيما الإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا وروسيا، دورا هاما في حملة حفتر. من جهتها، كانت الولايات المتحدة تراقبه بحذر. وبينما تحتفظ بقوات استخباراتية وعمليات خاصة في صفوف قواته في بنغازي، تقدم واشنطن الدعم لحكومة طرابلس بصفة رسمية. ومع ذلك، يعتقد الدبلوماسيون الأمريكيون أن حفتر يعتبر طرفا حاسما في الدفع بليبيا إلى تجاوز الفترة “الانتقالية” بشكل نهائي. وحاليا، تساند واشنطن جهود الأمم المتحدة في محاولة تحويل حملة حفتر إلى دافع لتنظيم مؤتمر حوار وعقد انتخابات وطنية في وقت لاحق من هذه السنة.

 

ويتوقف تحقيق هذا الأمر على أمل أن يدرك أنصار حفتر الأجانب، وخاصة الإمارات، أن مسيرته عبر الجنوب لا يمكن أن تؤدي بسهولة إلى الاستيلاء العسكري على طرابلس، نظرا لأن جيشه الوطني الليبي يعد أكثر انقساما مما يظهر عليه في الدعاية التلفزيونية، فضلا عن أن خطوط الإمداد خاصته قد تشتّتت وتباعدت، فضلا عن وجود احتمال مواجهته لنوع من المقاومة من قبل بعض الميليشيات في طرابلس وضواحيها.

 

في الوقت الذي يزعم فيه حفتر أن الهدوء قد خيّم على بعض المناطق، تدلّ المؤشرات على تواصل الاضطراب، حيث أعيد توزيع بعض قواته خارج الجنوب. وفي أواخر مسيرته المهنية، قد يراهن المشير المسن الآن على نوع من “النفاذ الافتراضي” إلى العاصمة، حيث تتم دعوته ليكون جزءًا من صفقة جديدة بهدف تقاسم السلطة أو من أجل ممارسة نفوذه بصفة غير مباشرة. لكن، قد يُقابل هذا العرض بالرفض العنيف من قبل الفصائل في شمال غرب ليبيا.

 

وتتجسّد المجهودات التي يبذلها حفتر في المعاهدات والتحالفات التي تفاوض بشأنها مع مختلف شرائح المجتمع الليبي التي تقف في طريقه. وأعلنت بعض المدن والقبائل عن تحالفها مع حفتر بدافع اليأس، على خلفية عجز حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرا لها. في سياق متصل، رأى البعض الآخر في التحالف وسيلة لكسب النفوذ ضد المنافسين المحليين، مثلما كان الحال بالنسبة لمنطقة الجنوب الصحراوي. وتسببت الجريمة والبؤس الاقتصادي في هذه المنطقة في خلق فراغ ملأته قوات حفتر بالأموال والإمدادات، حتى حين تسببت في تأجيج التوترات الطائفية من خلال تفضيل بعض القبائل على غيرها.

 

تجدر الإشارة إلى أنه في غرب ليبيا، يقع تقسيم المدن، رفقة بعض الجماعات المسلحة التي انضمت إلى قوات حفتر، رغم أنها لا تزال شكليا تحت سلطة منافسه، أي حكومة طرابلس. وخلال اجتماع غداء في مزرعة واقعة في مدينة صبراتة، وحين كنت جالسا صحبة أفراد منتمين إلى أكثر ميليشيات المنطقة قوة، سمعت موافقة الجيش على استعادة النظام، غير أن هذه الرواية تعكس العديد من التناقضات. لقد أفاد حفتر أنه بصدد بناء مؤسسات الدولة ومكافحة الميليشيات، إلا أنه اعتمد بشكل كبير على الميليشيات المحلية لتحقيق تقدمه. وقد أعلن مؤخرًا عن التزامه بعقد انتخابات وطنية، علما وأنه أقر في وقت سابق بأن ليبيا ليست مستعدة للديمقراطية وتحتاج إلى حكم عسكري.

 

كما يتمثل مظهر التناقض الآخر في نبذ المشير للإسلاميين. وقد قال لي حفتر في سنة 2014: “نحن في غنى عن الشريعة الإسلامية هنا. الشريعة موجودة بالفعل في قلوبنا”. مع ذلك، يعد التيار المحافظ من أنصار التطبيق الحرفي للدين الإسلامي والمعروف بالتيار السلفي، من بين أقوى مؤيديه العسكريين. في الحقيقة، ينتمي الأشخاص الذي تولوا استضافتي في صبراتة، بمن فيهم صاحب المزرعة وزعيم الميليشيا، وهو رجل يدعى موسى النجم، إلى التيار السلفي.

 

لقد ارتدى النجم، الذي يبدو رجلا كئيبا وذا بنية جسدية رياضية، عباءة مع جراب مسدس يتدلى من كتفه. ونظرا لمسيرته الحافلة بالمعارك، قاتل النجم ضد تنظيم الدولة في صبراتة، حيث فقد شقيقه. وحاليا، يقود ميليشيا من السلفيين تسمى الوادي، أو كتيبة الوادي، والتي تسعى إلى إرساء الأمن في المدينة.

 

وقد امتنع النجم عن الإجابة عن سؤالي حول ما إذا كان هو وزملاؤه السلفيون ساروا على خطى حفتر، مشيرين إلى المبدأ العقائدي السلفي المتمثل في ضرورة إطاعة السلطة السياسية المحلية في المنطقة الجغرافية التي يعيشون فيها. ويعد هذا الاعتقاد بمثابة حجر الأساس بالنسبة للتيار السلفي الذي غالبا ما يوصف “بالهدوء” والذي يتغذى من البترودولارات السعودية بهدف تجنب النشاط السياسي الصريح.

 

في المقابل، لا يمكن وصف هؤلاء السلفيين بغير المسيسين علما وأنهم يمثلون قوة صاعدة في المدارس والمساجد، علاوة على قطاع حفظ الأمن والنظام، حيث يقومون بدوريات لمكافحة المخدرات والكحول والأنشطة التي يعتبرونها منافية للعقيدة الإسلامية، على غرار المعارض الفنية. كما حارب هذا التيار إرهابيي تنظيم الدولة ويعارضون المتنافسين السياسيين الإسلاميين على غرار الإخوان المسلمين. ويبدو أن جميع هذه العناصر تجتمع في طرابلس، حيث يتسنى لعدد من السلفيين المسلحين أن يكونوا حلفاء مفيدين لحفتر أثناء زحفه، سواء كان افتراضيا أو فعليا، نحو العاصمة.

 

وعند الذهاب شرقا انطلاقا من صبراتة في اتجاه طرابلس على امتداد الطريق الساحلي، يظهر دليل قاطع على تداعي قدرة الدولة على إحكام سيطرتها. وفي المقام الأول، تعاني البلاد من بنية تحتية متضررة إذ أدت العواصف الأخيرة التي ضربت المنطقة الغربية إلى ترسب بحيرات شاسعة حول الطريق السريع المتآكل. كما تراكمت النفايات في الأرجاء، وسُحقت لتغطي سطح الأرضية، إلى جانب هياكل السيارات المحترقة والصدئة. وتتضح ملامح الخراب أكثر على بعد 17 ميلا من العاصمة، حيث المعسكرات المدمرة الخاصة بالجيش.

 

كان المعسكر الذي يسمى معسكر 27، مسرحا لمحاولة فاشلة قامت بها القوات الخاصة الأمريكية في سنة 2013 قصد تدريب كتيبة من الجنود الليبيين من النخبة. وقد كانت هذه المبادرة واحدة من الجهود الدولية العديدة لإرساء دولة رسمية في ليبيا، ومنح الحكومة المركزية الضعيفة احتكارا جزئيا للسلطة مع الحرص على تغييب الميليشيات. وفي ذلك الصيف، شنت الميليشيات هجمة على المعسكر وتواروا عن الأنظار حاملين معهم معدات وأسلحة أمريكية باهظة الثمن. ونتيجة لذلك، ألغى المسؤولون الأمريكيون البرنامج التدريبي.

 

كما تعكس المزيد من العلامات مظاهر تراجع مكانة الدولة. فعلى الرغم من ارتفاع صادراتها من النفط، تعاني ليبيا من مشاكل في السيولة، مما أدى إلى توافد طوابير غفيرة على البنوك. وأثناء مروري بأحدهم، المعروف ببنك الجمهورية والواقع على حافة ساحة الشهداء، لمحتُ أفراد الميليشيات المُقنّعين وهم بصدد التدافع بين الحشود. ويتولى هؤلاء الأفراد، الذين يعدون بمثابة “بلطجية” الأحياء، حماية البنوك وغيرها من المنشآت المهمة، على غرار المطارات والموانئ والمباني الحكومية.

 

وفي مناطق جنوبية أخرى من الصحراء الليبية، استولت جماعات مسلحة أخرى على حقول النفط. واستخرج زعماء الميليشيات اعتمادات مالية مزورة من البنك المركزي، حيث استخدموها في أعمال الاحتيال بالعملات الأجنبية، والتي تمثل إحدى عملياتهم الرئيسية في نشاطهم الاقتصادي غير المشروع. وكما هو متوقع، استشاطت المليشيات التي حرمت من هذه الغنائم غضبا. واندلع القتال في أواخر الصيف الماضي في طرابلس، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين. بالتالي، تبقى ترتيبات وقف إطلاق النار هشة للغاية.

 

وقد سافرتُ إلى الضواحي الشرقية، تحديدا إلى منطقتي سوق الجمعة وتاجوراء، لمقابلة بعض المقاتلين المشاركين في تلك الاشتباكات. وتعد هذه الأحياء الغنية بالمياه الجوفية والتربة الخصبة بمثابة الملاذ للمعارضة. وفي إحدى الليالي، في شقة مظلمة بسبب انقطاع التيار الكهربائي، التقيتُ بطالب طب أسنان سابق انقطع عن الدراسة ليصبح مقاتلا في صفوف الميليشيات منذ سنة 2011.

 

اشتكى الشاب، الذي سأدعوه مهدي، من شظية مستقرة في ظهره بسبب الفراش المهترئ الذي يستلقي فوقه، ومع ذلك، لم يستسلم وبقي منتظرا. وفي النهار، يعمل مهدي في إصلاح ملاعب الأطفال. أما في الليل، فيتجمّع مع زملائه من رجال الميليشيات، أحيانا لتجاذب أطراف الحديث، وأحياناً أخرى للقتال. وقد منحه انتمائه للميليشيات مجموعة من الأصدقاء وهدفا في الحياة.

 

ويتلقى العديد من رجال الميليشيات رواتب من الحكومة، مما يجعل عمل المليشيا الليبية أكثر إرباكا. وفي ليبيا، تعد الميليشيات جزءًا تابعا للدولة من الناحية العملية، وليست منفصلة عنها، مما يجعلها في جوهرها وسيلة لتوزيع إيرادات النفط على السكان الذين يتململون من الانتظار. كما يعدون أيضا بمثابة قوة شرطة فاعلة داخل العاصمة وخارجها. وعلى الرغم من وجود ضباط الشرطة عند نقاط التفتيش، إلا أن القوة الحقيقية تنبع من الميليشيات. وفي هذا السياق، شبّه صديق لي هذا التأثير المستبد، بالحشرات الطفيلية التي تغزو وتعيش على حساب مضيفها.

 

وبعد مقابلتي مع مهدي، قمت بزيارة مقر بعض من هذه الميليشيات، التي شكلت معا ائتلافًا يسمى “قوة حماية طرابلس”. وقد استقبلني رجال الميليشيا الذين كانوا يرتدون زيا عسكريا ويتنقلون بين سيارات الدورية المزينة بأختام رسمية. ويحتوي مركز القيادة، المليء بالخرائط، على عديد ماسحات الراديو التي تخصص كل واحدة منها لإحدى الميليشيات المنتشرة عبر طرابلس. وكذلك، تحمل كل ميليشيا لقبا رسميا من قبيل “قوة الدعم الخاصة” “وفرع الأمن الأول”. كما يفترض بكل واحدة منها أن تعمل تحت إشراف الحكومة، من الناحية النظرية، ولكنها في الحقيقة تابعة لزعماء الميليشيات المجاورة.

 

في هذه الأثناء، وفي شوارع طرابلس العاصمة، يبدو أن الأوضاع متشنّجة. ومهما حدث، فإنك تشعر أن الحياة مستمرة في هذه المدينة. وعلى الرغم من أنها متعبة، إلا أنها صامدة ومتشبّثة بلقبها الذي يعود إلى قرون، ألا وهو “عروس البحر المتوسط”. كما تُعرف المدينة أيضا بأدب وأخلاق متساكنيها.

 

وبينما كنت أتجول في المطر، مررت قرب معرض فني، حيث تجاذبت أطراف الحديث مع أصحابه ومع الحاضرين. ويبدو أن معارض لوحات الباستيل والألوان المائية والزيوت الممزوجة بمختلف الأساليب، تتحدى رجال الميليشيات وتهكّم الإسلاميين السلفيين الذين يعترضون على الفن. وفي هذا السياق، قالت لي سيدة متحمسة تقف خلف المنضدة إن “السلفيين يتصلون بنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكننا نتجاهلهم”.

 

ولفتت انتباهي إحدى الصور المعلقة في مكتب المدير، التي كانت تضمّ رصيفا باللونين الأبيض والأسود، على طريقة هيرونيموس بوس، مع لمحات من الجداريات المكسيكية. وقد علمت أن هذا الدمج بين صورة الفتاة ممتلئة الجسم، والطيور الجارحة، والأسماك، والمحارب، وسرب البجعات، مستوحى من الأساطير الليبية والفولكلور الألماني. ونظرا لانتهاء هذه اللوحات قبل فترة طويلة من وقوع هذه الفوضى الحالية، فإنه من الخطأ استنتاج أي دلالات سياسية. مع ذلك، تبدو الشخصيات المرسومة بطريقة ملتوية ومتعرجة، محرومة تمامًا من السيطرة على ذاتها، كما لو أن قوى أخرى تتحكم بها.

 

وقد لاحظ مدير المعرض مدى انبهاري باللوحة، فسألته عن تطوّر الفن الليبي منذ الثورة، لكنه قاطعني قائلا: “نحن لا نسميها “ثورة”،” بل “تغييرا” فقط. وبعد مدة وجيزة، قابلت الرجل الذي يحاول تحقيق هذا التغيير، فتحي باشاغا، وهو رجل أعمال وطيار سابق في سلاح الجو، في الخمسين من عمره. وفي الخريف الماضي، تولى باشاغا منصب وزير الداخلية لحكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، متعهداً بتفكيك الميليشيا الطاغوت في العاصمة وبناء قوات الأمن الرسمية.

 

تظهر على باشاغا، وهو رجل طويل القامة غزا الشيب رأسه، علامات الثقة بالنفس، لكن حواجبه تكشف عن شعور بالقلق. وبصرف النظر عن تقلّده هذا المنصب المنتخب، إلا أنه لا يمتلك أي خبرة في الحكومة، ولا في مراقبة الإصلاحات، وهي إحدى أولوياته الرئيسية. مع ذلك، يتمتع الرجل بنفوذ باعتباره راعيا للميليشيات في مسقط رأسه، مدينة مصراتة الساحلية، وهي قوة عسكرية واقتصادية في شرق طرابلس.

 

ونظرا لمنصبه الحالي، تُمثّل خلفيّة باشاغا عبئا وامتيازا على حد سواء. فقد كانت ميليشيات مصراتة من بين المحاربين الذين شاركوا لفترة طويلة في صراع الفصائل للسيطرة على طرابلس، حيث يشعر سكان العاصمة بالامتعاض من وجودهم. وفي المقابل، أخبرني باشاغا أنه سيبقيهم كقوة احتياطية لتأمين العاصمة، في حال خرجت الأمور عن نطاق السيطرة.

 

علاوة على ذلك، تواجد باشاغا أيضا في قلب أقوى النزاعات المحورية في ليبيا. وفي ثورة 2011، عمل وسيطا مع قوات العمليات الخاصة الغربية خلال الحصار، الذي فُرض على مصراتة على امتداد شهور. وفي سنة 2016، اهتم بتنسيق الدعم العسكري الأمريكي للهجوم الذي كان بقيادة مصراتة ضد حصن تنظيم الدولة في مدينة سرت وسط البلاد. وكان المجهود الذي وظّفه باشاغا في هذا الصراع بالذات شخصيًا للغاية، حيث أنني عندما زُرت الخطوط الأمامية في سرت، كان ابنه أحد المقاتلين الليبيين الذين قابلتهم هناك، والذي أصيب بعيار ناري في ذراعه.

 

لا يقلّل باشاغا من شأن أو ضخامة التحدي الأخير الذي يواجهه، ويتجلى هذا الأمر أولاً في موقعه، إذ أقام مقر مكتبه الوزاري في كلية تقنية قديمة في الجهة الغربية من طرابلس، وهي منطقة يتمتع فيها خصومه من الميليشيات بنفوذ محدود. وبسبب مواجهته لبعض التهديدات الخطيرة، فإنه ينام في فيلا محصّنة، رفقة بعض الدبلوماسيين الأجانب والمقاولين الأمنيين. مع ذلك، اتخذ باشاغا بالفعل بعض التدابير الإيجابية، مثل فصل مديري الشرطة الذين كانوا على علاقة بالميليشيات.

 

علاوة على ذلك، يشرف باشاغا على الجهود المبذولة مؤخرا لتدريب قوات الشرطة الليبية. وقد شهدتُ على هذه التدريبات في الأراضي الجنوبية مترامية الأطراف، إذ مارس المجندون ذوي الشعر القصير والمرتدين لبدلات رياضية، مجموعة من التمارين الرياضية. وأخبرني أحد المسؤولين أن هؤلاء المتدربين قدموا من جميع أنحاء البلاد بهدف تشكيل قوة وطنية حقيقية قادرة على قطع علاقات الميليشيات مع الأشخاص.

 

لكن بعد ذلك، قدم المسؤول اعترافا مثيرا للاهتمام، إذ أفاد بأنه من بين 700 مجند، انسحب حوالي 200 منهم في غضون أول أسبوعين، متذمرين من أن النظام التدريبي كان شديد الصرامة، لا سيما مقارنة بتجاربهم السابقة مع الميليشيات التي تدعمها الدولة. وقد بدا لي أن الجماعات الخفية التابعة لهذه الميليشيات ستواصل الصمود على هذه الأرض التي مزقتها الصراعات، رغم الجهود المكثفة التي يبذلها أشخاص مثل باشاغا، أو ربما بسببهم. وأكد باشاغا هذا الأمر من خلال إخباري بأنه يحاول تبيّن الميليشيات ذات النوايا الحسنة من تلك ذات النوايا السيئة. ويعتقد أنه ينبغي الحفاظ على وحدة مكافحة الإرهاب التابعة لجماعة ضخمة تسمى “قوة الردع الخاصة”.

 

يدعو هذا الأمر إلى القلق. ومن المؤكد أن هذه الميليشيا قد فككت خلايا تنظيم الدولة من خلال عمليات المراقبة وشن الغارات، إلا أنها تدير أيضا سجنها الخاص الذي قمت بزيارته قبل سنتين. ووفقًا لمنظمات حقوق الإنسان، يتلقى المقاتلون والمجرمون المشتبه بهم في هذا السجن تعليما دينيا سلفيا كما يتعرّضون إلى التعذيب. حيال هذا الشأن، يؤمن باشاغا بأنه قادر على تنظيم وترويض أفراد هذه الميليشيا.

 

في الوقت ذاته، يقوم بجولة في كل من واشنطن والعواصم الأوروبية، حيث يتوسل للحصول على المعدات والمساعدة بشأن قطع التمويل عما يسميه “بأمراء الميليشيات” في ليبيا. وقد علقت حكومة الوفاق الوطني آمالا كبيرة عليه لاستعادة النظام. مع ذلك، أدركت الحكومات الأوروبية، بالإضافة إلى واشنطن، أن المشهد السياسي الحالي في ليبيا قد تغير، لا سيما مع بروز حفتر.

 

 يمثّل حفتر المعضلة والفرصة على حد السواء بالنسبة لباشاغا. فمن ناحية، رفض المشير باستمرار الاعتراف بشرعية حكومة الوفاق الوطني، التي يعد باشاغا جزءًا منها، إذ تهدف حملته الجنوبية إلى تقويض سيادة هذه الحكومة. فضلا عن ذلك، اتخذ الرجلان جانبين مختلفين من الانقسامات التي تشهدها الفصائل الليبية. فلطالما عارض باشاغا وزملاؤه المصراتيون طموحات حفتر وقاتلوا قواته في جميع أنحاء البلاد، سواء كان ذلك مباشرة أو باعتماد وسائل غير مباشرة. فعلى سبيل المثال، وفي سنة 2014، شارك باشاغا في هجوم شنته ميليشيات على طرابلس كردّ جزئي على تهديدات حفتر بالتحرك ضد العاصمة.

 

 في المقابل، وعلى ضوء واحدة من التقلبات المصيرية في ليبيا، تضاءلت حدة العداوة، على الأقل بين شرائح أنهكتها الحرب من النخبة السياسية والتجارية في مصراتة. ومن المؤكد أن الفصائل الثورية في المدينة تلتزم بمحاربة حفتر، وترى فيه ظلال الطاغية المكروه الذي ناضلوا للإطاحة به في سنة 2011.

 

وقد تجندت بعض القوات في مدينة مصراتة على خلفية تحركات حفتر داخل منطقة سرت المجاورة. لكن، صرّح باشاغا علنا بأن تقدم حفتر الجنوبي كان في الواقع ضروريا من أجل إنهاء الفوضى، مشيرا ضمنيا إلى أنه ينبغي لهذا الأمر أن يتحقق عن طريق كيان شرعي. كما تفيد التقارير أن شخصيات من مصراتة بقيت على اتصال بقوات المشير بشأن تدابير محتملة من شأنها أن تسهل إشراكه ضمن حكومة مستقبلية، بشرط أن يتخلى عن فكرة “الحكم العسكري”. في هذه الحالة، يجدر التساؤل حول ما إذا كان حفتر سيخضع حقا أمام هذا الشرط.

التدوينة هل تغيرت موازين القوى في ليبيا؟ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “هل تغيرت موازين القوى في ليبيا؟”

إرسال تعليق