الكاتب: لوران سانت بيرييه
الصحيفة: جون أفريك
أدت الفوضى التي شهدتها ليبيا في الفترة الممتدة من سنة 2013 إلى 2017 إلى انخفاض إنتاج النفط. كما لم تنجح عودة الاستقرار النسبي لهذا الإنتاج في طمأنة الأطراف الفاعلة الرئيسية في هذا المجال. وبالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع الصادرات الإيرانية، بحلول شهر تشرين الثاني / نوفمبر، أثارت المحروقات الليبية، عالية الجودة وسهلة الاستخراج والموجودة في مواقع جيوستراتيجية، اهتمام كل من التجار والمنتجين.
بعد تعرضه فعلا للاستغلال قبل ثورة 2011 (1.65 مليون برميل في اليوم) بسبب سنوات الحصار والعقوبات المفروضة على هذا القطاع، شهد إنتاج النفط الليبي انخفاضا، حيث تراجع إلى أقل من 400 ألف برميل في اليوم، من سنة 2013 إلى سنة 2017، وتحديدا خلال السنوات التي عاشت فيها البلاد على وقع الفوضى.
عودة الاستقرار … والأرباح
في ظل موقعها الاستراتيجي في قلب لعبة الميليشيات السياسية، سبق وأن كانت مناطق إنتاج النفط، وخاصة منطقة الهلال النفطي الواقعة وسط البلاد، محل نزاع بين الأطراف المتناحرة في البلاد ووسيلة تستخدمها الجماعات المحلية للضغط على الجهات المستفيدة من هذا القطاع.
لكن منذ شهر أيلول / سبتمبر 2016، وبعد سيطرته على مناطق إنتاج النفط، نجح المارشال خليفة حفتر، قائد ما يُطلق عليه اسم جيش التحرير الوطني الذي يُشرف على مناطق شرق البلاد انطلاقا من بنغازي، في إعادة الاستقرار النسبي إلى سوق النفط الليبية. في مطلع شهر أيلول / سبتمبر، أعلن مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط التي تملكها الدولة، عن زيادة في عائدات النفط قُدرت بنسبة 80 بالمائة. وقد بلغت قيمتها 23 مليار دولار مقابل 13 مليار دولار فقط سنة 2017.
وباعتبارها الطرف الرئيسي الفاعل في ليبيا، إلى جانب كل من شركة “إني” الإيطالية، “وتوتال” الفرنسية “وأو إم في” النمساوية “وماراثون” “وكونوكو فيلبس” الأمريكيتين، رحبت شركة ريبسول الإسبانية باستئناف أنشطتها في ليبيا، بعد توقفها طيلة السنوات الممتدة بين 2013 و2017. وعلى خلفية عملية إعادة إطلاق الإنتاج، أعلنت هذه الشركة الرائدة في شباط / فبراير من سنة 2018، عن أن أنشطتها الأولى في سنة 2017 قد مكنتها من جني أرباح طائلة، أعلى بحوالي 12 مرة مما حققته في سنة 2016، أي ما يعادل 632 مليون يورو.
في هذا السياق، أفاد فرانسيس بيرين، المتخصص في القطاع النفطي والباحث في مركز الأبحاث المغربي “أو سي بي بوليسي سنتر” (في الرباط) ومدير الأبحاث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (في باريس)، أنه ” لأكثر من سنة، انخفض الإنتاج، الذي يُعادل حوالي مليون برميل في اليوم، كثيرا مقارنة بالفترة السابقة، ولكنه يُعتبر مرضيا إلى حد ما في ظل الوضع السياسي. وعلى عكس ذلك، أكد هجوم حزيران / يونيو الذي استهدف الهلال النفطي، تواصل حالة عدم استقرار السوق النفطية التي تعيش على وقعها الأوساط الدولية”.
في نهاية سنة 2017، صرح مصطفى صنع الله لصحيفة جون أفريك أنه “بسبب الميليشيات، خسرت ليبيا حوالي 180 مليار دولار منذ سنة 2011”. ومع ذلك، استغرق المارشال حفتر خمسة أيام فقط من أجل استعادة السيطرة على المنطقة. وقد نجح حفتر في قلب الموازين السياسية الاقتصادية، بعد أن أعلن أن الفرع الشمالي للمؤسسة الوطنية للنفط سيُشرف بنفسه على تسويق نفط المستودعات الشرقية، في الوقت الذي كانت فيه العائدات تُحول في السابق إلى العاصمة طرابلس، أي أعدائه في حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل المجتمع الدولي.
في 10 من حزيران / يوليو، أعاد حفتر تسليم إدارة هذه المستودعات إلى المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس. تعليقا على ذلك، أرود فرانسيس بيرين أنه “عموما، حالت صرامة قوة الأمم المتحدة في التعامل مع هذا الملف وضغوط كل من أوروبا والولايات المتحدة، التي لا تعترف سوى بالمؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، دون تعامل كل الشركات، باستثناء بعض التجار عديمي الضمير، مع بنغازي”.
قطاع الخدمات النفطية
في مواجهة الشكوك العديدة المرتبطة بالأوضاع في ليبيا، فضلت الشركات العالمية الرائدة التعامل بنوع من التحفظ مع هذا الملف. فقد خفّض الأمريكيون (على غرار إكسون موبيل وكونوكو فيلبس وماراثون) من نسبة حضورهم في البلاد إلى أدنى حد، في حين عزّز الأوروبيون (شركة “إني” الإيطالية، وتوتال الفرنسية وأو إم في النمساوية وريبسول الإسبانية) استثماراتهم، مع توخي الحذر التام من أجل حسن استغلال الفرص المناسبة لتحقيق الأرباح.
أعلنت شركة توتال (التي أنتجت 31 ألف برميل في اليوم سنة 2017، مقارنة بـحوالي 14 ألف برميل سنتي 2016 و2015) في شهر آذار / مارس عن شراء 16.33 بالمائة من حصص شركة ماراثون في شركة الواحة للنفط (وهي شركة محاصة مع شركات النفط العالمية الأمريكية). وقد أكد هذا الأمر تراجع مكانة الولايات المتحدة في سوق النفط الليبي. لكن، لم ترق هذه الصفقة لطرابلس.
“لا تزال مصفاة النفط في البحر أفضل طريقة لمجابهة التهديد الأمني في ليبيا”
وفقا لما أفاد به ممثل ليبي لشركة أوروبية متخصصة في الخدمات النفطية في طرابلس، “اعترضت المؤسسة الوطنية للنفط على عملية الشراء هذه، ولا تزال المفاوضات جارية، خاصة وأن هذه الصفقة تطرح مشاكل قانونية. وقد أجرت هذه الشركة الوطنية الليبية بين سنتي 2012-2013، دراسة توصلت إلى أن قيمة هذه الصفقة تُقدر بحوالي 800 مليون يورو، الرقم الذي يعتبر بعيد كل البعد عن 450 مليون يورو، المبلغ الذي تم التوقيع عليه. ولعل أكثر ما يثير القلق في هذه القضية هو غياب التنسيق بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة الواحة، التي تُعتبر إحدى فروعها”.
تطرق هذا المسؤول إلى أن قطاع الخدمات النفطية، الذي يقتصر على الخدمات التي يتم تقديمها في مواقع إنتاج النفط فحسب، يُعد حاليا أكثر ازدهارا من الاستثمارات في ميدان معدات الإنتاج في ليبيا. وفي هذا المجال، تألقت شركة تيكنيب أف أم سي (لندن) مقارنة بمنافسيها في شهر أيار / مايو 2016، حيث حصلت على عقد تجاوزت قيمته مليار دولار من أجل تطوير حقل غاز بحر السلام، الواقع قبالة طرابلس.
إمكانات غازية ضخمة
تم إنشاء سفن نقل ومساكن ضخمة، لإيواء الموظفين والحد من سبل تواصلهم مع المجال البري، مما يجعل مصفاة النفط في البحر أفضل حل في ليبيا لمواجهة التهديد الأمني. وقد أورد مختص أمني يتعاون مباشرة مع الشركات الأجنبية في موقع الإنتاج، تضاعفت عمليات الاختطاف برا من أجل الحصول على فدية أو لعمليات ابتزاز من نوع آخر. في الأثناء، أتقنت الشركات كيفية التعامل مالياً مع الجماعات المحلية حتى تتمكن من ضمان سلامتها.
كشفت التجهيزات والمنشآت، التي سيتم اعتمادها قريبا والتي وفرتها “تيكنيب” لشركة “مليتة النفطية”، وهي شركة محاصة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إني الإيطالية، عن إمكانات أخرى للسوق الليبية، المتمثلة في الثروة الغازية، التي لا يتم استغلالها بشكل كبير، علما وأنها أقل تأثراً بالأزمات الأمنية من قطاع النفط.
نظرا لامتلاكها لاحتياطيات مؤكدة من هذه المادة تُقدر بنحو 1.505 مليار متر مكعب، تحتل ليبيا المرتبة 23 عالميا والسادسة أفريقيا في هذا المجال، حيث تُسوق 14.3 مليون متر مكعب سنوياً، ولا تُصدر من هذه الكمية سوى الثلث (المصدر: الأوبك 2017). لكن، يُمكن أن تكون كمية احتياطياتها أكبر بكثير مما تبينه الأرقام، خاصة بعد أن أعلنت شركة إني، في نيسان / أبريل من سنة 2017،عن اكتشافها لحقل غاز ومكثفات على بعد خمس كيلومترات من منشآتها في حقل غاز بحر السلام.
على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، إلا أن انعدام الأمن لا يزال يُثير شكوك وقلق الأطراف المتدخلة في هذا القطاع. ففي 10 من شهر أيلول / سبتمبر، وبعد أيام قليلة من إعلان رئيس المؤسسة الوطنية للنفط عن ارتفاع الإنتاج، هاجم رجال ملثمون مقره على خلفية موجة فوضى جديدة هزت العاصمة، وكانت الميليشيات السبب الرئيسي وراءها. وقد أسفر ذلك عن مقتل موظفين وإصابة 25 آخرين. وقد رأت “وول ستريت جورنال” في هذه الحادثة السبب الرئيسي لارتفاع أسعار النفط الخام في اليوم التالي بنسبة تجاوزت 2 بالمائة.
دفعت المعارك في ليبيا شركات النفط إلى توخي الحذر وحماية حقول النفط والغاز التابعة لها، في انتظار تحسن الظروف. فهل ستُؤدي الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي يُطالب المجتمع الدولي بتنظيمها في شهر كانون الأول / ديسمبر إلى استقرار الأوضاع في ليبيا؟ في الحقيقة/ تود شركات المحروقات العملاقة تصديق ذلك.
موارد غير مستغلة
تحتل الاحتياطات الليبية النفطية، التي قدرتها منظمة الأوبك بنحو 48 مليار برميل، المرتبة الأولى في أفريقيا. وبعد إنشاء المؤسسة الوطنية للنفط في أعقاب الانقلاب الذي نفذه القذافي سنة 1969، كانت ليبيا تُنتج 3 مليون برميل في اليوم. لكن بسبب التأميم ثم الحصار والعقوبات، تراجعت الاستثمارات، فضلا عن الإنتاج. وفي العشرية الأولى من القرن الحالي، عاد المستثمرون إلى التراب الليبي بعد أن تصالح العالم مع القذافي.
في سنة 2010، أعلن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط عن نيته ترفيع الإنتاج ليبلغ 3 مليون برميل يومياً بحلول سنة 2015. بعد سبع سنوات من الأزمة، أعلن خليفته الحالي عن عزمه على تطوير الإنتاج إلى 2.2 مليون برميل يوميًا في سنة 2022، وهو هدف يتطلب استثمارًا ضروريًا بقيمة 18 مليار دولار.
التدوينة ليبيا: هل يعود إنتاج النفط إلى الاستقرار من جديد؟ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.