طرابلس اليوم

الأحد، 17 ديسمبر 2017

الأحزاب السياسية – بين الرفض والقبول

,

عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي

تعتبر مؤسسات الأحزاب السياسية أحد أهم آليات العمل السياسي والعملية الديمقراطية ، والتي تُعرف بأنها مجموعة من الناس تجمعهم أهداف محددة اتفقوا لتنفيذها على حزمة من البرامج يسعون من خلالها إلى تحقيق مبتغاهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلال الوصول إلى السلطة مرفقين برؤية واضحة حول تنمية وتطوير مجتمعاتهم .

وتعد الأحزاب السياسية وبصورتها الحالية من الآليات الأساسية لدوران عجلة العملية الديمقراطية ، فالقول ووصف دولة أو نظام سياسي ما بأنه ديمقراطي سيكون مخالفاً لو أنه يجمد أو يحرم أو يعطل إنشاء الأحزاب السياسية ، فالنظام الديمقراطي نقطة ارتكاز لمجموعة من الآليات تمثل فيها الأحزاب دعامة من دعائمها ، وهي نتاج لمفهوم المجالس النيابية التي تمثل الأحزاب الدور الرئيس فيها حيث تكرس معاني ومبادئ سيادة الشعب التي يمارسها عبر هذا المجلس وغيره من الأركان الأخرى في العملية الديمقراطية .

وإلى جانب ممارستها للأعمال السياسية سواءً على مستوى السلطة أو على المستوى النيابي والتشريعي فإن للأحزاب السياسية دوراً مهماً في حماية مفهوم الدولة المدنية والنظام الديمقراطي والدعاية له ، فتقع على عاتقها توعية الرأي العام حول النظام الديمقراطي والحكم المدني واهميتهم لاستمرار التداول السلمي على السلطة بعيداً عن الأنظمة الاستبدادية والشمولية .

ولعمل الأحزاب السياسية وبسبب احتكاكها المباشر بالعمل السياسي ومبتغاها الأصلي وهو الوصول إلى السلطة نتج معارضون للعمل الحزبي ومؤيدون له نتيجة أعمال قامت بها بعض الأحزاب ممن شوهت الممارسة السياسية ولتوجيه الرأي العام من قبل الأنظمة الشمولية ضد الأحزاب ووضعها في خانة المتهم وصاحب المصلحة الشخصية دائماً .

ويرى المعارضون للعمل الحزبي بأنها تعمل على الشقاق والقضاء على الوحدة الوطنية وتؤدي إلى زرع روح الانقسام بين المواطنين وتعمل على معارضة و نقد كل ما يتقدم به الغير من حلول للمشاكل ويرون أنها تعمل إلى تحقيق مصالح أعضائها الخاصة على حساب المصلحة العامة وتتأثر بالأيديولوجيات الأجنبية وقد تصبح  بذلك تنظيمات تعمل لمصلحة الخارج وأنها تدعي الديمقراطية وبمجرد وصولها إلى الحكم تصبح غير ذلك وتتحول إلى أحزاب دكتاتورية وتستعمل كل الوسائل من أجل البقاء في السلطة ، كما أن التعددية الحزبية تؤدي إلى اختلاف بين الأحزاب وهذا يؤدي إلى ضعف الحكومات والأزمات السياسية خاصة في البلدان النامية .

فيما يرى المؤيدون للعمل الحزبي أنه يحقق عدة مزايا في المجتمع أهمها أنها مدارس للتثقيف والتكوين يتخرج منها رجال السياسة ومنابع لقيادة البلاد ، كما تقوم الأحزاب السياسية بتوجيه الجماهير وتكوين رأي عام باعتبارها أداة لخدمة المنافسة الديمقراطية السلمية على السلطة واتصال بين الجماعات السياسية والجماهير من أجل تحقيق عمل سياسي منظم ،وتتيح الأحزاب الفرصة للأفراد للتحاور المستمر مع السلطة وبالتالي المشاركة في الحياة السياسية كما أن وجود معارضة منظمة يؤدي إلى محاسبة وانتقاد الحكام وهذا يمنع الحزب الحاكم من الاستبداد وتحقيق التداول إلى السلطة ويضيفون بأن وجودها يسمح للأقليات بالتعبير عن رأيها بالإضافة إلى قدرتها على تحديد وتشخيص المختنقات والأزمات في البلد وإيجاد الحلول الناجعة لها  .

وبين مؤيد ومعارض تظل الأحزاب أداة مهمة في توازن الحياة السياسية في أي بلد يرتضي النظام الديمقراطي مساراً مناسباً له ، فوجود الأحزاب أمر ضروري جداً مع وضع في الاعتبار وضع القوانين المناسبة والأطر الرقابية التي تنظم الحياة السياسية وعمل الأحزاب داخل البلد ، فالأحزاب تمتلك مجموعة من الأدوات الحساسة منها الإعلام الخاص الذي يقوم بتوجيه الرأي العام لقضايا حساسة ويحدد المزاج العام للمواطنين عبر حزمة من البرامج والمحللين الذين يملكون تأثيراً كبيراً على المتلقي ، كما  وتمتلك أيضاً المال السياسي الذي قد يوظف بطريقة سلبية تضرب به استقرار الدولة بالذات ذلك الذي يأتي من خارج حدود الدولة .

وبالنظر إلى الحالة الليبية ، فما إن قام الملك ادريس السنوسي عام 1963 بتعديل دستوري ألغى بموجبه الحياة السياسية في البلاد وتجميد عمل الأحزاب السياسية بالإضافة إلى نفي  بعض من الزعماء السياسيين وعلى رأسهم بشير بك السعداوي حتى نجح انقلاب عسكري بقيادة ضابط مغمور وقتها كمعمر القذافي منهياً النظام الملكي لبداية عهد شمولي عسكري استمر لأربعة عقود ، فعندما ألغى الملك ادريس الأحزاب السياسية بقي وحيداً رفقة بعض الساسة الذين لا يمثلون تيارات سياسية ديمقراطية معروفة ومجلس نيابي حديث العهد ليس من مهامه أكثر من التشريع للقوانين والقرارات التي تخص الدولة والمواطن ولم تكن من مهامه الدفاع عن مدنية الدولة والدعاية للحكم المدني ناهيك عن كبر سن الملك وقتها ، فاجتمعت كل هذه الأسباب ومهدت للانقلاب العسكري عام 1969 ولم يتصدر المشهد تيارات وأحزاب سياسية تدافع عن النظام وقتها بل إن بعضها استبشر خيراً بالانقلاب لعل في هذا انفراجاً وعودةً لحياة سياسية طبيعية ، ولكن لم تجري الرياح بما تشتهي سفينة الديمقراطية .

وبعد ثورة السابع عشر من فبراير لم تنضج بعد لدى الرأي العام مفاهيم الحياة المدنية والنظام الديمقراطي وارتباطها بآلياتها وعلى رأسها الأحزاب ، فنرى بعض النخب تنادي بالنظام الديمقراطي وتناقضه في حينها بدعوة لحل الأحزاب السياسية لأنها حسب زعمهم أفسدت الحياة العامة برمتها ، ومن دلالات التغييب الإعلامي للمفاهيم فإن بعض من يسمون أنفسهم بالنخب يتداولون كلاماً ومعلومات مغلوطة في هذا الشأن كقولهم بضرورة حل الأحزاب إلى حين وضع قانون ينظم عملها في حين أن الأحزاب السياسية في ليبيا ناشئة بقانون رقم 29 ينظمها صادر عن وزارة العدل الليبية لسنة 2012م بشأن تنظيم الأحزاب السياسية .

لهذا على الأحزاب وقاداتها والمنظرين لضرورة عملها مهام كبيرة لتبيان هذه الأهمية ومحاولة إزاحة كل ما من شأنه أن يثير الشك والريبة من عملها بالتواصل المباشر مع المواطنين والاحتكاك مع همومهم وأزماتهم ودعوة بعضهم بعضاً لإعلاء الكلمة المدنية والأسلوب الديمقراطي والآلية الشفافة نيلاً من محاولات الاستبداد وتحفيزاً للعمل المؤسساتي وتأكيداً على التداول السلمي على السلطة .

التدوينة الأحزاب السياسية – بين الرفض والقبول ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “الأحزاب السياسية – بين الرفض والقبول”

إرسال تعليق