طرابلس اليوم

الاثنين، 25 ديسمبر 2017

( بين السلك والجمل أمل )

,

عبد الفتاح الشلوي/ عضو المؤتمر الوطني العام السابق

هناك من يجيد التسعير ويتفنن فيه، ويطرب له، ومع ذلك لا يستطيع إطفاء عود ثقاب، وإخماد ما بقلبه من خلل، من هنا ينتج الاختلاف، اختلاف في كل شئ، عَدْدْ ما شئت من الأنواع، اختلاف اجتماعي، واختلاف سياسي، وديني، وثقافي، ومعرفي، تنوع يشكل سمة الحياة، ويلون الكون، إشكالية هذا التنوع وهذا التعدد تكمن في خطورة السلك الرفيع الذي يفصل بين اللونين عندما يكون في صورة حضارية غير مبنية على تجذر بالمواقف، وتصلب بالآراء، أما إن كانت سماكة الخيط تكبر جملًا لتجعل منه سدًا منيعًا يحول بين لقاء المختلفين فتلك مصيبة ولْادة ومتجددة، تنسف مدلول الاختلاف، وتنقله لمؤشر الخلاف.

في مجتمعنا يبدو أن السد بيننا يزداد طولًا وعرضًا وارتفاعًا، لعل مردها لتنشئتنا الاجتماعية، ومخزون إرثي تراكمي، وسوس من الجيل الرابع ولعلها تبدو كذلك، وحتى لا نتوه بصحارى الموضوع فسنتناوله في إطار اختلافاتنا وخلافاتنا السياسية عقب ثورة السابع عشر من فبراير، ليس لكونها الوحيدة نوعًا، لكنه الظاهر منها على ساحتنا اليومية، ولعدم مقدرتنا على ضبط بوصلتها واحتوائها ونحن نراها تسوق الوطن الليبي لدوائر المجهول، والحاجة تدعو لإعادة حسابات وتقييمات سابقة، جعلتنا نتمادى بعراكنا والخارج يقضم سيادتنا، والآخر يُنقص مساحتنا، أموالنا تهدر دون رقيب ولا حسيب، ونستنزف مخزوننا الشبابي في معارك لأجل تعميق الخلاف، ولتحقيق غايات وأهداف لدولٍ أو لأشخاص أو أحزاب أو كيانات في أي صورة من الصور، قبلية كانت أم جهوية.

نحن في عموم القول لم نكبح سكينًا واحدًا من السكاكين الحادة التي يشحذها سلاطين المال والسلطة والإعلام ليل نهار، وتركناها تحز الرقاب، وتقطع الأطراف، وتدمي القلوب، لعبة في ظاهرها وطن وقضية، وفي باطنها طموح وشبق لونه واحد، ورائحته لا تسعها أُنوفُ بمزرابين اثنين، كثير منا يعلم هذا، إن لم نكن كلنا، ومع ذلك نختلف في تبويب وتقنين ظاهر المشكل، إما لأن اليأس نخر تطلعاتنا، أو أن دفة الأمور تحت أيدي من يكتمون أنفاسنا ونحن لهم كارهون، وإلا لماذا عجزت النخبة — سواء أكانت فاعلة أم عاجزة — عن خلق حراك مجتمعي تنصهر فيه خلافاتنا على الأقل الممكنة منها بالسلسلة ” الإختلوقاربية* ”

واضح للمتابع لشأننا الداخلي أن الاختلاف بلونه البرتقالي صَعُدَ لاختلاف بلونه الأحمر القاتم، وأصبحت الخطوط الحمراء هى المحدد لمساحات التقارب والالتقاء، صحيح أن قضيتنا متشابكة ومتداخلة تمامًا كما تتداخل شبكات التواصل الإجتماعي، والتي عملت على زحف صحاري الخلاف على مروج الاختلاف، وبذلك لا أستبعد أن تكون لنا إيالات كإيالات الدولة العثمانية — فيما لو استمر هذا الوضع —  ونحن نطالب ونسعى لدمج ثالوثنا التشريعي والتنفيذي والمصرفي المركزي، كل في جسم واحد، أكيد أن ما من مستفيد إلا وينفخ في نار هذا الانقسام وهذا التشظي، وكلما خبا تورمت شدقاه وهو ينفخ بالجذوة العجوز .

إن تحقيق المصالح الشخصية الضيقة بكافة صورها وأشكالها قد ساهمت في تورم وتهدج الخيط الفاصل بين إشكالية الخلاف والاختلاف، فلم نعد نرى الحقيقة في صورتها الواقعية، وفي الغالب تُقدم إلينا بالرسمة التي يريدونها أو التي يتمنونها، فقليل هم الذين تتمكن “فلاترهم” المعرفية من فصل المُركب عن المخلوط، والغث عن السمين، ليس لقلة العارفين ببلادنا، وإنما لأن “التسونامي” الإعلامي قد فرض واقعًا أليمًا، وخشى كثير من مثقفينا وخبرائنا من سيل الاتهامات، وكيل المفتريات، وأحط العبارات التي لم تتوقف عند مستويات اجتماعية معينة، ولا صفات علمية أو ثقافية محددة، فالدنو الأخلاقي في بعض الحالات يجعلك تقفز على الحرف أو الحرفين اللذين يسبقان صاحب الصفة أو الصنعة كما هو الحال لدهماء القوم .

من هنا ونحن نعول على الصادقين الفاعلين لا المنظرين أن يضخوا كامل إمكانياتهم لأجل تقليص مساحة الخلاف، وحصرها ببقعة الاختلاف، قد يبدو هذا صعبًا لكنه ليس مسحيلًا، يحتاج فقط لمبادرات، وسكب الماء النقي على كل نبتة لها أن يستظل تحتها ولو عشرة ليبيين، لأنه كلما زاد كموننا زاد معه تبرعم السلبيات، وكثرة المحبطات، فما نعوزه هو روح المبادرة، وتحمل ساعات مخاضها، ورعاية وليدها، لأجل أن نحتضن بارقة أمل، لها أن تمسح وجه الحزن، وتشيع أن بالإمكان تجاوز اختلافنا، والانطلاق نحو بناء وطن يجمع كل الليبيين على مختلف تواجهاتهم ومشارهم وإنتماءاتهم .

التدوينة ( بين السلك والجمل أمل ) ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “( بين السلك والجمل أمل )”

إرسال تعليق