عطية الأوجلي
برودة الجو دفعته لتشغيل مدفأة السيارة التي لم تنجح سوى في تعميق إحساسه بالإرهاق والتعب الشديدين، وبأن طريق العودة إلى بيته يبدو بلا نهاية. كان “مات تواتزيل” قد أمضى 24 ساعة متواصلة في عمله كإطفائي حرائق، لم ينم خلالها سوى نصف ساعة فقط. يقول مات إنه كان يحاول التركيز على قيادة السيارة، عندما تناهت إلى سمعه أبشع أصوات سمعها في حياته، خليط من الصراخ والفزع والألم.. أدرك خلالها أنه قد أغفى قليلاً، وأن سيارته قد اصطدمت بسيارة أخرى، تقل امرأة شابة حاملاً وطفلها الصغير.
نجت الأم من الموت، لكنها فقدت طفلتها وجنينها. يقول مات إن حياته انقلبت رأسا على عقب، بعد هذا الحادث، وأن إحساسه العميق بالمسؤولية وتأنيب الضمير قد سلبه الأمان والفرح والسعادة. أما الأسرة المنكوبة فقد عاشت أحزانها وسط مواساة الأقارب والأصدقاء.
كان زوج المرأة رجل دين يحاضر دوماً عن التسامح والغفران، وكان هو أيضا يعيش قلقاً رهيباً وحالة من التمزق بين أحزانه وغضبه، كأب وزوج، وبين رغبته كرجل دين في أن يمارس ما يقوم بالتبشير به. وبعد طول معاناة قرر أن يزور السائق، وأن يعلمه بأنه قد سامحه، بل إنه على استعداد لأن يسانده أثناء المحاكمة. وفعلاً وقف الزوج أثناء المحاكمة ليقول للقاضي: إن هذا الرجل لم يتعمد قتل طفلتي الوحيدة وجنيني الذي لم يولد بعد.. إن ما حدث هو إرادة الله، وأنه لا داعي لمزيد من الآلام، أو أن يتم الإضرار بحياة السائق.
كان المشهد في قاعة المحكمة غير مألوف على الإطلاق، اهتزت له مشاعر الحاضرين. وعبر السنوات تطورت العلاقة بين السائق والزوج، بحيث تحولت إلى صداقة مستمرة، رغم البدايات الصعبة. يقول الزوج: “لا أخفي عليكم صعوبة القرار الذي اتخذته، والصراع الذي عانيته، قبل التوصل إلى قراري .. لقد أدركت أن التسامح هو أن تتغلب على ذاتك… على غضبك.. على حقدك …على نفسك … ولم يكن أمامي سوى أن أعيش بنفس المبادئ التي أسعى لأن أعلمها لغيري”.
التدوينة بين التسامح والإنتقام … “قصة حقيقية” ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.