عبد الفتاح الشلوي/ عضو المؤتمر الوطني العام السابق
عندما نريد التحدث عن أزمتنا السياسية يستحسن لنا أن نطرح سؤالاً عن طبيعة هذه المشكلة، من حيث هل هي تأزيمية بنشأتها، أم أُريد لها أن تكون متأزمة، حتى يستفيد منها هذا الطرف أو ذاك؟ عادت بي الذاكرة للقاء المبعوث الأممي إلى ليبيا طارق متري، بفندق المهاري، رفقة عضو المؤتمر الوطني عبد الرحمن الديباني.
وسط حدثينا فاجأه الديباني بسؤالٍ عن المشهد الليبي، وكان حينها أقل تعقيدا مما هو عليه اليوم (دكتور طارق .. هل تظن أن الأزمة الليبية سيستعصي حلها فيما لو سارت على هذا النسق؟) استند متري على مقعده ورفع رأسه وحاجبيه وقبض على شفتيه، بدا لي متري يستحضر الإجابة التي دفعتني أن أكتب هذه المقالة، أجاب سائله قائلا (دكتور حضرتك رجل سياسي، وتتعاطى معها الآن، وإن قلنا أنها فن وصناعة فليس من المستحيل حل أي مشكل فيما لو توفرت إرادة الحل لدى أصحاب المشكل وانبعثت منهم ) ما زالت تلك العبارة عالقة بذاكرتي، غادرناه، وغادر المبعوث الأممي ليبيا بعد انتهاء مهمته، كان قاب قوسين أو أدنى من لم شتات مبعثر، وطرح عروضا كان لها أن تكشط النتوءات الخلافية التي يتعثر بها رفقاء الأمس خصوم اليوم.
جالست من بعده ليون وكوبلر، وبعض السفراء وآخرين ذوي صفات، حقيقة لم يكن منهما من يماثل طارق متري في جديته وحرصه على حل المشكل الليبي – أو بدا لي كذلك ـ كان حريصًا يفوق حرصه شغف المتطوبرين على مصارف خزائنها تقرقع، وتوق متوجسين قابعين خلف معادن أخفت أبواب بيوتهم وشبابيك محلاتهم، على خلاف المبعوث ليون الذي كان يتبع سياسة الطرق الناعم على الصفيح المتموج، يُمني الجميع، ويُفسر القول كما يريد هو، يُخلف وعده متى كان ذلك يخدم مشروعه، فكره دكتاتوري، ولسانه (برغماتي) وثوبه ديموقراطي، عَمد لتجاهل التوثيق، وإهمال التدوين في غفلة من المتحاورين، حتى يسهل عليه التملص والإفلات، وبراعته بتوظيف مصطلح (كنت أقصد وأرى غير ذلك) إلى أن انتهى به المطاف مستأجرًا بدولة الإمارات، هبةً ومنحةً، وترك لنا ملفًا مُثقلا بالأحقاد والرؤى العنكبوتية، فجرت أنهارًا من النزاعات، وبحارًا من التشظي.
ولم يكن خَلفه “كوبلر” بأفضل منه، بل كان يُشهر وده ووداعته لترطيب المتصلب وفتح أنفاق الإفلات من خلال ابتساماته، وعبرهزات رأسه التي كانت تكفي قاراتي إفريقيا وآسيا، دُون أن ينقص ذلك من رصيده شيئًا، فهو يعرف أنه كان يمازحنا سياسيًا، وبدورنا كنا نوقن أنه يخفي الحقيقة، ويُظهر مُزْجاة بضاعته التحاورية، فمع قدومه يزداد البُعد بيننا، وتتسع الشُقة من حولنا، ومع مغادرته يُمهر خلافاتنا وبصورة منها للطرف الآخر، هكذا كان لاحقيّ طارق متري، جاءا خلفًا لمبعوثٍ كان يأمل في الوصول لحل المشكل الليبي قبل انتهاء مهمته، يتوسل بعض الساسة، يترجاهم كصديق مهموم بإرجاع ابنٍ عاق لوالديه، فتم تجريف آخر مبادرته لجمع فرقاء ليبيا، منهم من ينتمي إليها بالهوية وعينه وقلبه على مكان آخر، فبالوطن الجيب والبطن ليس إلا، وكيلت للسيد متري قناطير التهم ومُثقل الزيف ـ طبعا لا نهمل أن متري ينطلق من منظومة دولية تتضارب مصالح بعض دولها النافذة ـ لكن هذا الذي حدث .
ترك المبعوثون الأمميون الثلاثة ملف القضية الليبية كحافظة مستندات لجريمة جنائية رُحلت عبر درجات التقاضي، وعبثت بها أيادِ المدافعين، منهم من كان يريد الوصول لحقيقة القضية، ومنهم من كان يسعى لتبرئة المجرم بجرمه، وآخر عينه على الفريضة الشرعية وتقاسم الميراث، ولا بأس من الحصول على حكم بالحجر الشرعي على البعض وإن كانوا أصحاب أهلية.
فهل سينوء اليوم سلامة بهذا الحمل الثقيل؟ أم إنه سيتخطى وحل ليون ومستنقعات كوبلر، من خلال عرضه غير المسبوق عبر صدم الخصوم بنظرية (إما أو) وسد الطريق أمام بلطجة البعض، وعدم السماح لهم بإرتداء جلد الثعلب تارة، وتقمص حيل الذئب تارة أخرى، فوضع أمامهم لبدة الأسد، عندما طرح عليهم فكرة تكوين (المؤتمر الوطني العام) للتنفيذ لا للعرض والنقاش، وتولى الأمين العام للأمم المتحدة هذا الطرح، وللأسف الشديد لم نسمع سياسيًا ليبيَا واحدًا يواجه غسان سلامة حتى من باب مناورات رجال العمدة بالريف المصري وهم يقولون – مِين هناك!!؟؟- وتذكيره بنصوص قرار تشكيل البعثة الأممية أن عملها ينطلق بحكم القرار من تقديم المشورة، وتسهيل الدعم اللوجستي للفرقاء الليبيين، والحمد لله أنهم لم يفعلوا .
لا شك أن سلامة قد نجح وللوهلة الأولى في جمع البطون البدينة والضامرة على حد سواء حول بحيرة سطحها طين ثرى بصحراء الخلافات والعرقلة .
فلِبْدَة غسان سلامة المنفوشة هى المؤتمر الوطني ـ رسالة للجميع، مفادها إما أن تكون داخل السفينة وإما أن تسبح خارجها أو أن نهذب مقولة عضو البرلمان الدكتور بوبكر بعيرة (كل واحد يلعب قدام حوشه) الى منطلق ( كلنا نلعبوا قدام حوشنا) وحبذا لو كانت بكامل إرادتنا.
التدوينة غسان سلامة .. كل واحد يلعب قدام حوش لاخر وإلا ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.