شكري الحاسي/ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
لعلَّه من أعظم أنواع الفقه على الاطلاق ، وذلك لأسباب أهم منطلقاتها مراعاة حال الإنسان ، وضعفه ، وتكوينه ، وذلك بحسب حاله ، وزمانه ، ومكانه ؛ فليس من يعيش في مرحلة يسودها التقوى ، والورع كمن يعش في زمن الغش ، والخديعة ، والخيانة ، وهذا مصداقاً لقوله تعالى : ] لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ [ ولقوله -(r)- ( أنتم في زمنٍ ، من عمل فيه بعُشر ما أُمر به ، هلك ، وسيأتي زمانٌ من عمل فيه بُعشر ما أُمر به نجا ) . أو كما قال . إنَّ سُنن ، وقوانين المادة تتشابه ، و سنن الحياة ،وفقهها . فحرارة الماء ، ودرجة غلاينه ؛ تتغير بحسب درجة الجو ، وضغطه . وكذلك كانت الشريعة ؛ تراعي واقع الإنسان ، وضعفه . ] لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ . [ ] لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا [ . ] فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ [ . ولقوله -(r)- ( صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ) أو كما قال . إنَّ الجهل بهذا الفقه ؛ يكلف النَّاس من الضيق ، والحرج ما الله به عليم ، وتكون الضريبة أكبر ، وأفدح في حق المجتمع ، والأمة ، وخاصة في أوقات الأزمات ، والمحن العظام من باب أولى ، وذلك أدعى لكف ، وتقليل المشقة ، والعنت . وقد يُخطئ البعض في تحميل الأمة ، وتحويلها في لحظة تاريخية من واقع لأخر ، أو من فساد إلى صلاح ؛ دون مراعاة لمقتضيات الزمان ، والمكان ؛ جاهلين فقه التدرج ، وهو وثيق الارتباط بفقه الاستطاعة ، والممكن . الذي درسوه في بطون الكتب ، والأوراق ، وجهلوه في فقه الواقع ، والحياة ؛ جاهلين مايدور حولهم من أوضاع محلية ، وإقليمية ، ودولية حتَّى تسقط الأوطان في صراعات تفوق قدراتها ، وطاقاتها . يقول ابن تيمية : إنَّ التكليف الشرعي مشروط بالممكن من العلم ، والقدرة . ويقول أيضاً : إنَّ الله بعث الرسل لتحصيل المصالح ، وتكميلها بحسب الإمكان ، وتقديم خير الأمرين بتفويت أدناهما والله –سبحانه- حرم الظلم على عباده ، وأوجب العدل فإذا قُدر فساد ، أو ظلم ، ولم يمكن دفعه ؛ كان الواجب تخفيفه ، وتحري العدل ، والمصلحة بحسب الإمكان .. ولعل مسرح الأحداث الَّتي عاشها الخليفة الخامس -عمر بن عبدالعزيز – بعد أنّ ورث تركة كبيرة من الفساد في زمنٍ ؛ لم يبتعد عن زمن ، ومنهج النبوة بعد . وهو يسمع صُراخ ابنه المتحمس في الاجهاز على الباطل بكلمة ، وبجرة قلم ، أو فتوة ..!!! ظناً منه أنَّ حرقة ضميره ، و انفعال عواطفه ، وما يجول في خياله ، من صور جميلة ، وأحلام وردية تسكن في خياله لمستقبل مأمول ؛ في لحظات تكون حقيقة ، وتستيقظ وتُنفخ فيها الروح ، وتدب فيها الحياة ؛ بمجرد إنتهاء الباطل .!؟ والله يا أبتي لا أبالي إنَّ غلت بك ، وبي القدور ، يا بُني إنِّي ورثت أمراً شبَّ عليه الصغير ، وشاب عليه الكبير ؛ ألا ترى أباك في كل يومٍ يُحي سنة ، ويُميتُ بدعة . يابُني إنَّي أخاف أن أحمل النَّاس على الحقِّ جملةً فيدعوه جملةً . يابُني إنَّ الله ذم الخمر في آيتين ، وحرمها في الثالثة .!! إذا كان هذا حال الخليفة الخامس في زمن لم يبتعد عن زمن النبوة ؛ أولسنا أحقَّ به منهم في زمن تشابكت فيه الآراء ، وتنازعت فيه الأهواء ، وهُزلت في الأمة ، وانكمش فيه التاريخ ، والجغرافيا ، والأفكار ، وأصبحت فيه الأمة عالةً على غيرها تتسول في طعامها ، وشرابها وووو…..!!!!!؟
لا شك أنَّ الأمة في أشد الحاجة إلى فقه الاستطاعة عن أي وقت أخر . بل في حاجة للعمل بالكليات الكبرى الَّتي تندرج تحتها التَّفاصيل ، والجزئيات في مجال السياسة ، والشأن العام ، وأخذ النَّاس بالرخصة ، دون العزيمة في قضايا الأمة الكبرى الَّتي ترتكز عليها حياتهم ، ومعيشتهم . إنَّ قلب القواعد الفقهية في حس الفقيه ، والداعية كونه يحمل الأحكام الجزئية التَّفصيلية على القواعد الكلية العامة . لهو بلاء ، ومصيبة حلَّتّ بالنَّاس ، والأوطان . إنَّ تنزيل أحكام القوة ، والتَّمكين في مرحلة الاستضعاف ، والتَّخلف الحضاري ؛ هو بمثابة ما أولقيى على هيروشيما ، ونجازاكي من قنابل نووية مدمرة حتَّى لأجيال لاحقة .!!!!!!!!!!! ولله در السباعي في قوله : إنَّ صواب الفكرة لا يكون سبباً كافياً ؛ لانتصارها ، وصحة المنهج ؛ لا تعني وجوب النصر ، وطبيعة الحقِّ ليست بالضرورة دليلاً على التَّمكين له مالم يُصاحب كل ذلك : حملة أوفياء ، وقادة أذكياء ، ووحراس أيقاظ ، وأسلحة في مستوى التَّحدي الذي يواجهه . لأنَّه قد يكون الحقُّ معك ، ولكنك لا تُحسن الوصول به ، ولا تجيد الدوران معه حول منعطفات الطريق ؛ لتتفادى المآزق ، وتتخطئ العقبات ، وتبلغ به ماتريد ، وقد يكون الباطل مع غيرك ، ولكنه يُلبسه ثوب الحقِّ ثم يجيد الانطلاق معه ، ويبدع في استخدام الوسائل الملائمة لدفعه إلى الأمام حتَّى يصل به إلى حيث ينبغي أن يصل الحقُّ ….. ولقد أورد ابن تيمية كلاماً نفيساً فقال : فإذا ازْدَحَمَ وَاجِبَانِ لَا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا فَقُدِّمَ أَوْكَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ الْآخَرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَاجِبًا ، وَلَمْ يَكُنْ تَارِكُهُ لِأَجْلِ فِعْلِ الْأَوْكَدِ تَارِكَ وَاجِبٍ فِي الْحَقِيقَةِ . وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ مُحَرَّمَانِ ؛ لَا يُمْكِنُ تَرْكُ أَعْظَمِهِمَا ؛ إلَّا بِفِعْلِ أَدْنَاهُمَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُ الْأَدْنَى فِي هَذِهِ الْحَالِ مُحَرَّمًا فِي الْحَقِيقَةِ ؛ وَإِنْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَرْكُ وَاجِبٍ ، وَسُمِّيَ هَذَا فِعْلُ مُحَرَّمٍ بِاعْتِبَارِ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَضُرَّ . وَيُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا تَرْكُ الْوَاجِبِ لِعُذْرِ ، وَفِعْلُ الْمُحَرَّمِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ أ، َوْ لِلضَّرُورَةِ ؛ أَوْ لِدَفْعِ مَا هُوَ أحرم……. وَهَذَا بَابُ التَّعَارُضِ بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا لَا سِيَّمَا فِي الْأَزْمِنَةِ ، وَالْأَمْكِنَةِ الَّتِي نَقَصَتْ فِيهَا آثَارُ النُّبُوَّةِ ، وَخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ تَكْثُرُ فِيهَا ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ النَّقْصُ ازْدَادَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ ، وَوُجُودُ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ . الفتاوى.20/58.
نعم الخطاب الإسلامي أصل الداء.!
التدوينة فقه الاستطاعة (الممكن ) ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.