طرابلس اليوم

الاثنين، 5 فبراير 2018

التعاون الدعوي والسياسي في فكر الإخوان المسلمين (2)

,

أبو بكر بلال/ كاتب ليبي

ذكرنا في الجزء الأول من هذا المقال كيف حاول البنا رحمه الله أن يوفق بين المجموعات الدينية العاملة في الساحة المصرية ويكتمل التعاون فيما بينها، وهو ما نستطيع أن نسميه تقارب في الإطار الدعوي والوعظي، ولأن فكر الإخوان المسلمين فكر ينطلق من نظرة شمولية للإسلام فإنه لا بد له من أطر أخرى غير إطار الدعوة يخوض فيها ويخصص لها رؤاه ونظرياته كالإطار السياسي والوطني.

من هذا المنطلق نجد أن البنا رحمه الله نهج نهج التعاون والتقارب الذي انتهجه مع المجموعات الدينية انتهجه أيضا مع المجموعات الأخرى العاملة في الساحة المصرية التي عاصرها؛ كالوطنية والقومية وركز على الجوانب المضيئة التي تحملها هذه الدعوات محذرا في الوقت ذاته من الجوانب المظلمة لها.

تطرق أولا إلى الدعوة الوطنية التي نادى بها البعض وقتها وفصل فيها مستعرضا حسناتها وإيجابياتها؛ فقد ذكر أن الوطنية إن كانت بمعنى الحنين إلى الوطن أو بمعنى وطنية العزة والكرامة أو بمعنى وطنية المجتمع ووطنية الفتح فأكرم بها من دعوة طيبة تحن إلى أرض الوطن كما حنّ بلال – رضي الله عنه – لأم القرى فأنشد:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

بوادٍ وحولي إذخر وجليـل

وهل أردن يومًا مياه مجـنة

وهل يبدون لي شامة وطفيل

هذه الوطنية بهذا المعنى لا بد من كونها دعوة تنشد حرية الوطن ونيل استقلاله وممارسة سيادته كاملة غير منقوصة، وهي دعوة طيبة؛ لأنها تهدف إلى تقوية أواصر المجتمع وتوظيف هذه الرابطة في في تحقيق المصلحة العامة للمجتمع وللناس، وهي بهذا المعنى دعوة لا يقف ضدها أحد لأنها تهدف في النهاية إلى الفتح وسيادة الأرض.

ثم تطرق إلى الشق الثاني من هذه الدعوة وهو الجانب السلبي فيها وقد جعله البنا رحمه الله ثانيا لأنه أراد أن يفرد مساحة مشتركة بادئ الأمر وأن يعرض أوجه الاتفاق ونقاط الالتقاء ثم التطرق إلى مواضع الاختلاف التي يعذر فيها بعضنا البعض وهو ما أكده من قوله إن الدعوة الوطنية إن كانت بمعنى التحزب والتعصب وتفتت الأمة وتناحرها واستغلال العدو لهذا الوضع فهو ليس من الوطنية في شيء ولا شك أن كثيرا من الوطنيين ومتبني دعوة الوطنية لا يوافقون على الوطنية بهذا المعنى.

ثم تطرق البنا رحمه الله إلى دعوة أخرى من الدعوات التي ظهرت في عصره وهي دعوة القومية فتطرق أول ما تطرق إلى معانيها الإيجابية والتي بلا شك يؤمن بها روادها والمنتمون لفكرتها فذكر أن هذه القومية إن كانت بمعنى المجد وسير الأبناء على خطى أسلافهم في النبوغ والعزة والعظمة والهمم العالية فإن ذلك معنى محمود وسنة حسنة، وإن كانت القومية بمعنى قومية الأمة التي لا بد أن يقدمها ابنها على ما سواها من الأمم في جهده وجهاده وعمله وعطائه فذلك معنى محمود وفعل حميد لا يمنعه الإسلام ولا يقف ضده.

ثم عرج البنا رحمه الله إلى سلبيات القومية ومعانيها المذمومة والتي من غير ريب أن كثيرا من متبني دعوة القومية وروادها لا يقرونها فذكر أن من هذه المعاني: القومية بمعنى التعصب وإحياء عادات الجاهلية كالاعتزاز بالجنس والتحلل من رابطة الإسلام واستبدالها برابطة أخرى أضيق، وذكر منها أيضا القومية بمعنى العدوان كأن تعتز أمة من الأمم بنسبها وأصلها وفصلها وتستكبر على غيرها من الأمم مما يبرر لها العدوان عليها من أجل منفعتها ومصلحتها فإن القومية بهذا المعنى تتصادم مع الإسلام والرابطة التي جاء لتكوينها وإلغاء ما عداها من روابط وأصر.

يبين لنا هذا التفصيل في الدعوات العاملة على الساحة المصرية آنذاك ما أراده البنا من التعاون على الصعيد السياسي والوطني أولا وتصويب الفهم لدى البعض الذين فهموا هذه الدعوات فهما خاطئا يتنافى مع جوهر الإسلام ومضمونه، وهو ما يعبد الطريق للسائرين على طريق فكر البنا في التعامل مع الدعوات الأخرى وإيجاد نقاط اتفاق والتقاء وتعاون تهدف إلى مصلحة الأقطار والبلدان والأمة.

التدوينة التعاون الدعوي والسياسي في فكر الإخوان المسلمين (2) ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “التعاون الدعوي والسياسي في فكر الإخوان المسلمين (2)”

إرسال تعليق