أكدت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة “هيومن رايتس ووتش” سارة ليا ويتسن، أن سكان درنة سيبقون عرضةً لخطر تكرار الغارات الجوية ما لم تبدأ السلطات بالوفاء بوعدها بالتحقيق في الهجمات غير القانونية ومحاسبة المسؤولين عنها.
وقالت سارة ليا ويتسن: “تقصف طائرة مدينة ليبية وتقتل 16 مدنيا، لكن لا يتبنى أيّ من الأطراف المتحاربة في البلاد هذا الهجوم أو يسمي الهدف العسكري المقصود”.
وجاءت هذه التصريحات من المسؤولة في “هيومن رايتس ووتش”، تعليقا على الغارات الجوية التي استهدفت مدينة درنة شرق ليبيا من قبل طائرات مجهولة على عدة مواقع في المدينة في 30 أكتوبر الماضي، وقتل على أثرها 16 مدنيا وأصيب 4 أطفال بجروح خطيرة، وأن معظم الضحايا كانوا من نفس العائلة، بينهم 12 طفلا تتراوح أعمارهم بين عامين و16 عاما، بحسب ما نقل المنظمة في بيانها الصادر اليوم الإثنين عن مصادر طبية في درنة.
قيادة الكرامة تنفي
ونفت قوات “الجيش” في شرق البلاد بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر التي سبق أن شنت غارات جوية على أهداف في درنة في الأشهر الماضية، في بيان متلفز تورطها في الهجوم، وحمّلت “الإرهابيين” المسؤولية ووعدت بإجراء تحقيق.
وأوضحت “هيومن رايتس ووتش”، أن مصادر طبية بدرنة قد أكدت إنه لم يُصب أو يُقتل أي أحد من المقاتلين في الهجوم.
وفرض “الجيش” بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، حصارا على درنة منذ أغسطس 2016، في محاولة لإخراج مقاتلي “مجلس شورى مجاهدي درنة”، المعارض لحفتر والذي يسيطر على المدينة منذ مشاركته في الإطاحة بتنظيم الدولة في أبريل 2016.
روايات الشهود
وتحدثت “هيومن رايتس ووتش” هاتفيا في 30 و31 أكتوبر، مع مدير مستشفى درنة الرئيسي منصور بن فايد، الذي أكد أن الغارات الجوية على المدينة في 30 من الشهر ذاته أصابت موقعين، أحدهما في حي الفتائح، والآخر في منطقة الأردم الريفية.
وبحسب بيان المنظمة، فقد أوضح بن فايد، أن مستشفى درنة استقبل 13 من أصل 16 قتيلا، وتوفي ثلاثة أخرين في منازلهم في الأردم ودُفنوا دون نقلهم إلى المستشفى وجرى علاج أيضا 4 أطفال مصابين، مبينا أن القتلى المنقولين إلى المشفى كانوا جميعا نساءً وأطفالا يحضرون مناسبة في منزل خاص.
وذكر البيان، أن الغارات الأولى استهدفت مزرعة عائلة في الفتائح بعد الساعة السابعة مساء، ولقي جميع الضحايا مصرعهم جراء هذه الغارات بعد وصولهم المشفى بفترة قصيرة باستثناء طفل صغير، ووصلت إحدى الجثث برأس مقطوع، واستخرجت جثث الأطفال من تحت أنقاض المنزل في المزرعة بعد تعرضه للغارة الجوية، وكانت بعض الجثث متفحمة، انقسم رأس طفل من الخلف، وأصيب آخر بجروح خطيرة في وجهه.
وفي 31 أكتوبر، تحدث سائق سيارة الإسعاف منصف البزوطي لهيومن رايتس ووتش، والذي قاد السيارة إلى المنزل في حي الفتائح لنقل الجرحى والجثث قائلا: “بمجرد أن سمعنا صوت الغارة الأولى في منطقة الفتائح، تحركت سيارات الإسعاف الثلاث من المستشفى إلى منطقة الحادث، وحالما وصلنا وبدأنا في انتشال الجثث، ضربت غارة ثانية المنطقة نفسها وأحدثت بعض الأضرار التي لحقت بسيارة الإسعاف التي كنت أقودها”.
وأضاف البزوطي: “كان علينا الحفر لاستخراج جثث تحت الجدار المنهار وأنقاض المنزل، وكانت هناك 12 جثة في المجمل، أذكر أن جثة امرأة كان رأسها مقطوعا، وأطراف بعض الضحايا كانت مقطعة أيضا، وكان عمر أصغر ضحية 3 سنوات فقط، وعمر أحد الأطفال المصابين 3 أشهر فقط”، على حد قوله.
وقدم البزوطي لهيومن رايتس ووتش أسماء الضحايا الـ 12 الذين ساعد في إخلائهم من المنزل، في حين قال بن فايد إنه جرى نقل الشخص الـ 13 الذي قُتل في الفتائح، وهو طفل، إلى المستشفى في وقت لاحق من مساء اليوم ذاته، وفق ما نقل بيان المنظمة.
ورأى منصور بن فايد ومنصف البزوطي، أنه لم يكن من الممكن لسيارات الإسعاف أو المركبات الأخرى الوصول إلى منطقة الأرقم بسبب الحصار الذي يفرضه “الجيش الوطني” (قوات عملية الكرامة)، ما جعل من المستحيل انتشال الجثث الثلاث هناك.
وتحدثت هناء إحدى سكان درنة التي تعيش بالقرب من منطقة الفتائح لهيومن رايتس ووتش هاتفيا في 31 أكتوبر، موضحة “أنها سمعت طائرات تصدر ضجيجا كثيرا فوق منطقتها قبل بدء أول غارة، وأنه بين حوالي منتصف الليل تقريبا، أصابت سلسلة غارات أخرى المدخل الغربي للمدينة، ما أوقع أضرارا في مبنى، لكن لم ترد أنباء عن سقوط ضحايا”.
غارات سابقة
ولم تتمكن منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية، من تقييم ما إذا كانت هناك أهداف عسكرية مشروعة في محيط أي من الغارات الجوية أو لا، مؤكدة أنه لم يجري التحقيق في الغارات الجوية السابقة على درنة.
وكانت الغارات الجوية المشتركة التي شنتها القوات الليبية والمصرية على درنة في فبراير 2015، أسفرت عن وقوع 7 ضحايا مدنيين على الأقل وإلحاق أضرار بالمباني المدنية، وفي فبراير 2016، هاجمت طائرات مجهولة مستشفى في درنة، وقتلت مدنيين اثنين على الأقل وألحقت أضرارا جسيمة بالمستشفى.
وأفادت تقارير في مايو من العام ذاته عن شن القوات الجوية المصرية غارات جوية على درنة انتقاما لمقتل 28 من الأقباط المسيحيين المصريين من المنيا، تبنى تنظيم الدولة في وقت لاحق عمليات القتل هذه، ولم ترد أنباء عن وقوع إصابات بين المدنيين جراء هذه الغارات.
جرائم حرب
وشددت “هيومن رايتس ووتش”، أن القانون الإنساني الدولي أو قوانين الحرب، تنطبق على جميع أطراف القتال في ليبيا ويحظر الهجمات المتعمدة أو العشوائية ضد المدنيين والمنشآت المدنية، وأن قوانين الحرب تشترط على أطراف النزاع اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب أو تقليل الضرر اللاحق بالمدنيين والمنشآت المدنية.
وجددت المنظمة في سياق بيانها، تأكيدها على أن قوانين الحرب تفرض على جميع أطراف النزاع السماح بمرور المساعدات الإنسانية على وجه السرعة وتسهيل وصولها ـ دون عرقلة ـ إلى المدنيين المتأثرين بالنزاع، كما تلزم قوانين الحرب أطراف النزاع بإتاحة حرية المرور للمدنيين الراغبين في مغادرة تلك المناطق.
واعتبرت المنظمة، أن بعض الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب عند ارتكابها بنية إجرامية تشكّل “جرائم حرب”، ويقع مرتكبو جرائم الحرب أو من يأمرون بها أو يساعدون عليها أو يمارسون مسؤولية القيادة فيها تحت طائلة الملاحقة من جانب المحاكم الليبية أو المحكمة الجنائية الدولية، المختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية المرتكبة في ليبيا منذ 15 فبراير 2011، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1970.
وطالبت ويتسن، الفصائل المتحاربة في ليبيا التحقيق بنزاهة في جرائم الحرب التي يحتمل أن قواتها ارتكبتها، قائلة :”إنه يجري ببساطة تجاهل الأعداد الكبيرة للقتلى المدنيين في الحرب”، وفق ما ذكر بيان “هيومن رايتس ووتش”.
التدوينة “رايتس ووتش”: سكان درنة سيعرضون لخطر تكرار الغارات ما لم تبدأ السلطات بالتحقيق فيها ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.