علي أبوزيد/ كاتب ليبي
يختلف التعاطي السياسي مع تطور أحداثه من تيار لآخر ومن بيئة لأخرى، ومرجع ذلك لطول التجربة ورصيد الخبرة السياسية المتراكمة، وقد كان تعاطي تياراتالإسلام السياسي الصاعد بعد ثورات الربيع العربي – كان مختلفاً باختلاف التجربةوالبيئة.
إن دخول أغلب التيارات الإسلامية إلى المعترك السياسي من بوابة الثورة خلق فيمعظمها حالة يمكن وصفها بـ”متلازمة الثورة”، حيث إن أغلب هذه التيارات لم تكنلها الخبرة والتجربة السياسية التي تمنحها الخطاب والنهج السياسي الواضح، مماجعلها تتبنى الخطاب والنهج الثوري التصعيدي الذي يؤدي إلى حالة من الهيجانوالتخبط المتنافي مع متطلبات البيئة السياسية المستقرة، كما أن تصدرها للمشهدالسياسي في مرحلة ما بعد الثورة لم يمنحها الوقت لمراجعة وتقييم نهجها وخطابهامما كرّس لهذه الحالة الثورية التي أدّت إلى التصلب في المواقف وإلى غيابالمرونة المطلوبة في الممارسة السياسية، مما جعلها عاجزة عن التعامل مع الموجاتالارتدادية للربيع العربي، بل جرفتها هذه الموجات عن مركز التأثير وأدت في بعضالأحيان إلى إخراجها من المشهد تماماً.
ولا يمكن هنا إغفال الدور الذي لعبته التيارات الأخرى في تقويض التياراتالإسلامية حيث أحسنت استغلال السلوك الثوري لأغلب هذه التيارات في الدعاية ضدهاوتنفير الناس منها، إضافة إلى تحالفها مع الحرس القديم لأنظمة الاستبدادواستنجادها بأحذية العسكر كما هو الحال في مصر وشرق ليبيا.
إلا أنّ هذا الأمر ليس على عمومه، فهناك بعض التيارات الإسلامية استطاعت بفضلالخبرة في العمل السياسي والمعرفة الجيدة بالبيئة والمناخ المجتمعي الحاضنللعملية السياسية – استطاعت أن تتفادى بمرونة عالية تلك الموجات الارتداديةوبأقل الخسائر، كما أنّ سياسة الانفتاح على مختلف التيارات السياسية والمقدرةالكبيرة على التعامل بسلاسة مع الأزمات السياسية من خلال الإطار الحزبي جعلهاتملك مقعداً دائماً وثابتاً على المائدة السياسية، والكلام هنا على حركة النهضةالتونسية.
وأما إذا أردنا الحديث عن تيارات الإسلام السياسي في ليبيا اليوم فإنّ أغلبهاأنهكها النهج والخطاب الثوري الذي تتبناه، مما جعلها في معزولة وغير مؤثرةلإصرارها على عدم الانخراط في العملية السياسية التي يفرضها واقع الحال اليوم،والسبب في هذا إضافة إلى قلة الخبرة وضبابية الرؤية السياسية يرجع إلى عدمالقدرة على إدراك الممكن السياسي في ظل المعطيات الواقعية، ويرجع أيضاً إلى أنبعض هذه التيارات مرجعيتها الفكرية من خارجها وهي مرجعية غير ناضجة سياسيا مماسبب لها حالة من الشلل والارتباك، كما أن كثيراً من البارزين في التيارالإسلامي لا يؤمنون بالعمل في الإطار المؤسسي كالأحزاب والائتلافات مما جعلهميهاجمون تيارات الإسلام السياسي التي تنخرط في العملية السياسية لتحافظ علىبقاء هذا التيار في المعترك السياسي، وتعطي المشهد شيئاً من التوازن والتعددية.
كذلك فإن هذا الإصرار على استدامة الحالة الثورية والتشنيع على قوى الإسلامالسياسي المنخرطة في العملية القائمة اليوم أدى إلى حالة من الاستقطابوالاحتقان داخل التيار الإسلامي نفسه، وهذا الأمر أتاح فرصة للتيار المستقويبالعسكر ليُمعِن في الممارسة السياسية المتصابية بسبب غياب الضغط من تيار
إسلامي قوي له حضوره وتأثيره.
إن تيار الإسلام السياسي في ليبيا ما لم يدرك بكليته أهمية الانخراط في العمليةالسياسية ضمن تكتل وائتلاف يتمتع بالمرونة والانفتاح ليبدأ في عملية إصلاح منالداخل سيبقى في حالة التقوقع والانعزال التي قد تؤدي إلى تلاشيه وغيابه منالمشهد خاصة إذا نجح المشروع العسكري المسيطر في الشرق الليبي.
التدوينة الإسلاميون بين الثورية والإصلاح ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.