طرابلس اليوم

الأحد، 5 نوفمبر 2017

تعب الصراحة !

,

صلاح الشلوي/ كاتب ومحلل سياسي

صحيح الدبلوماسية العامة أحكام وسلوك وممارسة، وشيء فيها يقال ويسدل ستر على كم كبير لا يقال. ولكن عندما يكون الموضوع جرح لا اندمال له، فإن قواعد الدبلوماسية تسقط، وتتبرج الحقائق لتوجع مواضع الأوهام.

؛؛؛

أرى تفننا لا تخطئه عيني ولا تتجاوزه أذني، ولا يغريني الأدب السياسي كي لا أصغى لما يغلب على يقيني أنه المشهد السائد، عندما تصدر الفتاوى والقصائد و(الردادت) التحريضية، لمعالجة موقف قد يكون في لحظات البداية ما يصوغها بحكم الدوافع الغريزية الحيوانية الدافعة لكثير من أخلاقياتنا اليومية، عضبا ونفورا وبغض وكره وحسد، ولكن شيئا من هذا لا يمكن أن يستمر وتتمكن حياتنا الاجتماعية والسياسية من الاستمرار معه جنبا إلى جنب، بل لا محالة تستحيل الحياة والتعايش على غير قواعد التقليل من جرعة التحريض، والتقليل من جرعة الكراهية، ونزع الأسلحة الدينية من وسط ما يجرى من تحارب، فليس في ليبيا شيء اسمه الحرب من أجل المحافظة على الإسلام في شمال إفريقيا، ولا دافع باسم الثأر لشهداء العقيدة ولا مناحة ولا لطيمة كربلائية تنقي القلب من أضغان كره الإسلام وأهله.

؛؛؛

كلها خلافات سياسية، والجميع مشترك فيها وعلى رأسهم من يلعنون الجميع، فهم أكثر إناس عندهم دوافع سياسية لا تتحقق إلا من خلال التشكيك في الجميع ولعن الجميع والدعوة إلى حركات أسبوعية جماهرية لإقصاء الجميع إلا أصحاب تلك الدعوات ومردديها، وهذا فن من فنون توظيف مباحث سيكولوجيا الجماهير وكيفية إخضاعها لمقاولات ديموغوجية مفرغة من أي معاني كتلك التي سردها جورج أورويل في مزرعة حيواناته، حيث تمكنت الخنازير في النهاية من الوصول إلى التحكم في حيوانات المزرعة العبيطة.

؛؛؛

الصراحة متعبة وليس أقل نواحي إرهاقاتها كونها محرجة وتحتاج لشجاعة من كل الأطراف، شجاعة ونبل في قائلها، وشجاعة ونبل في مستمعها، إذا أرادا أن تكون الصراحة شيء أخر سوى الوقاحة والابتذال، وأن يكون لها مردودات ذات فائدة وليس هبات خلفية تحرق البقية الباقية من أسس التعايش السلمي بما يحيل الحياة والارتفاق المجتمعي إلى ميدان عنيف لتطبيقات الكراهية والبغض والحسد والاحقاد.

؛؛

فما لا يقل نسبته عن ( 76% ) مما يقال ويفعل أو يسكت عنه ويترك في المشهد هو مجرد تطبيقات غبية للبرمجة الرديئة لعقولنا ونفوسنا، والتعبئة الموجهة والدعاية السوداء الممنهجة لسلوكياتنا وفق أهواء وأغراض سياسية تحتاج منا جميعا لمراجعة عميقة من جانب وواسعة من جانب آخر، كل شيء، كل شيء يحتاج اليوم لإعادة النظر فيه من جديد، وطرح الأسئلة الصحيحة عليه، وهي أسئلة وجودية أحيانا تتعلق ربما بانتهاء صلاحية تلك الأفكار ولزوم حذفها إلى سلة المهملات، وبعضها الآخر يحتاج لأسئلة تحسينية تطويرية لعجزها عن مواكبة العصر وقصور مردوداتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وقد تخلخل رداءتها أيضا مقومات الاستقرار وأمن الهيئة الاجتماعية الليبية.

؛؛؛

لم أسمع من ليبي ولا ليبية جادين في خضم الصراع أنهم وصلوا إلى يقين بضرورة تفكيك الهيئة الاجتماعية، والبحث عن ذات جديدة غير تلك التي قامت عليها ركائز الهيئة الاجتماعية الليبية الحالية التي يعتبر تاريخها الحديث مقترن بدخول الإسلام إلى ترابها الغالي.

؛؛؛

أين الخلل ؟

بصراحة كل الأفكار التي يؤسس عليها الصراع اليوم تتطلب تغيرات جذرية كما ورد أنفا، فليس فيها فكرة واحدة تتعلق بالمقدس الديني، ولا فكرة واحدة تتعلق بالوطني الاجتماعي السياسي، بل جملتها تولدت في مرحلة انتقالية ليس من الحصافة اعتبارها نهائية وحاسمة وثابتة وبعضها لها علاقة بالقداسة كقداسة القرآن أو السنة المطهرة، كي يستباح سفح الدم في سبيلها، والأفكار البديلة ليس بالضرورة أن تكون جديدة كل الجدة أو طريفة أو نادرة أو غير مسبوقة، بل المهم أن تعمل بمعنى أن تكون أفكار عملية واقعية، وأن تسهم بشكل سلس في تقليل حدة الصراع وإحداث توازنات جديدة مطمئنة للجميع وغير مخيفة، وأن تبني أرضية كافية من المصالح الحيوية وتذكي الشعور بها، إن عدم تناول ما يسمى بالمصالح الحيوية بين أبناء المجتمع يخلق خلخلة كبيرة، ويفوت الكثير من الفرص التي قلبها الشعور بالتناقض إلى مهددات بينا هي فرص نادرة وقد يصعب تعويضها إن مرت ولم يستفد منها.

التدوينة تعب الصراحة ! ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “تعب الصراحة !”

إرسال تعليق