طرابلس اليوم

الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017

مطالبات عاجزة وقصور في إنتاج الفكرة

,

محمد الأنصاري/ كاتب ليبي

أليس من الغريب كلما طالبنا بالمدنية، توغل الضد بكل أشكاله واستفحل ؟ وكلما طالبنا بالحرية تقلصت فرص فرضها ؟ وكلما حلمنا بدولة المؤسسات والديمقراطية، صدمنا بالمزيد من التسلط والاستحواذ ؟ أليس من الغريب أن نتاج مطالبنا عكسية غير متوازنة ؟

وكالعادة، إجابتنا الاعتيادية لهذه التساؤلات أن هنالك مؤامرة كبرى تحاك ضد أفكار الخلاص والرفاهية الاجتماعية، أو إننا بعد مخاض عسير من التحليل والطرح نثبت قدرية ترهل عقولنا، ونزيد من تجذيرها،  أو إننا نعلن بسهولة، الشمولية تمكنت منا، المتسلطون يقيدون الحرية، القبيلة تقف عائق أمام بناء الدولة المدنية، الموروث عثرة نحو الحداثة، والخ من إجابات أضحت نمطية، اعتادت آذاننا سماعها في كل وادى.  قليلاً ما يبحث أحدنا عن أصل فكرته، ونقد مضمونها،  فلربما الخلل يكمن بها، وبمطالبتنا التي لا تتجاوز كونها مطالبة لغاية المطالبة، والتي لن تسهم في تحقق الغاية الحقيقية من تحقيق المطلب، بقدر ما تحط من قدر تلك المطالب في عقول المجتمع،  وتضعها محل سخرية.

فعلى سبيل المثال اختزلنا غاية الديمقراطية، “في انتخاب وصناديق اقتراع ” بينما غايتها أبعد من ذلك بكثير، ولم تتحقق حتى في ممارسات المطالبين بها ودعاتها، وقس على ذلك المطالبة بحق الشباب والمرأة والخ، والتي جلها لم ولن تغير بالواقع شيئاً بشكلها الحالي،  لأنها فعلاً لم تكن نتاج الشعور بالحاجة وإدراكا للأهمية .

فالمجتمعات لا تقنعها كثرة المطالبات، إنما الاقتناع يأتي نتاج الاعتقاد الكامل بأن مستهجن اليوم، حل لمشكلة الغد والمستقبل، وكثيراً ما كيفت المجتمعات معتقداتها وغيرت أعرافها وقناعتها بسبب الحاجة التي تقدم الفائدة .

قليل منا من يعيد التفكير في مطالبته، وأصل فكرته،  فلربما هي المغتصبة للحرية، والقاتلة المميتة لروح الديمقراطية والمدنية المنشودة قبل غيرها من الأسباب. وليس كما نسوق دائماً ونعتقد. فلربما كانت المشكلة في تعاملنا مع فكرة التحرر، والمدنية، والديمقراطية، وهلم جرة.

إذ أننا نتماهى مع الفكرة المثالية كثيراً ونتناسى الواقع،  أو إننا نغلوا في وصف الواقع كثيراً والتعامل معه ونتناسى الفكرة، وفى تلك الحالتين تفضي إلى تعثر في التطبيق، وعدم القدرة على إحداث أي نوع من التغيير، وفى أفضل حالتها تفضي إلى انعزال عن المحيط كلياً،  ليس من الصعب شرح الواقع، كما لا توجد صعوبة أيضاً في استحضار الفكرة والقوالب المقبولة،  ولكن الصعوبة في إنتاج فكرة لا تتجاهل الواقع، تعترف بكل التفاصيل المعيشية والتاريخية والثقافية،  وبها تستطيع المجتمعات إدارة التغيير وينجح أفرادها فعلاً في تنفيذ غاية مطالبهم وأفكارهم،  لتعبر أفكارهم إلى ما هو أبعد من حدودها.

 

فنهضة المجتمع المأمولة لا تكون بتقليد النماذج الجاهرة،  وتطبيقها بشكل قاصر،  إنما تكون بأن يخرج من عجزه وقصوره،  ليمارس فعاليته وحضوره في بيئته، بإنتاج وابتكار ما يناسبه، ولابأس في تقليد التجربة مع قبول التعديل فيها،  ولكن التعامل معها بأصولية،  وسكون لن ينتج سوى التأخر ومزيد من التقوقع .

قد أثبتت التجارب، بأن المجتمع الذي يعتقد أن أسباب تقدم المجتمعات الأخرى، كان نتاج تطبيق نموذجاً ثابتاً أو فكرا واحدا. ينبغي لجميع المجتمعات الاقتداء به واعتناقه كما هو،  وبه فقط يكون الخلاص، لم تصل إلى التقدم المأمول،  بقدر ما وصلت الى حالة من الانفصام بين المقول والمعمول،  وقد تكون تلك النماذج نظرياً مقبولة، إلى حد يستوجب القيام بحراستها،  وثبات عليها، ولكنها تصدم معتنقيها أنها لا تصمد أمام أول محك عملي حقيقي،  فلكل مجتمع خصوصيته، ومسارته الثقافية والتاريخية .

بذلك يمكن القول، إن لكل مجتمع الحرية في اختيار ما يناسبه من حريات وديمقراطية على سبيل المثال، تتناسب مع واقعه المعيشي ومساره التاريخي. ومجرد إيقاف عجلة إنتاج الفكر الذى يهذب الجامح، ويضبط الوصولي،  ويصحح المفهوم ويعيد صياغته بما يضبط التناقض،  ويصل المجتمع بعضه ببعض، يجعل المجتمع مجرد سوق استهلاكي للمطالبات وللأفكار العابرة للحدود “غير القابلة للتطبيق” ولا يعني ذلك التقليل من شأنها ونجاحها في المجتمعات التي صممت من أجلها الفكرة بقدر ما يحذر من تبعيات العجز عن الإنتاج الفكري.

التدوينة مطالبات عاجزة وقصور في إنتاج الفكرة ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “مطالبات عاجزة وقصور في إنتاج الفكرة”

إرسال تعليق