عبدالرزاق مختار/ سفير ليبيا في تركيا
لا أريد أن يكون مقالي هذا تعقيباً على ما ذكره المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي السابق في حواره التلفزيوني الأخير . وهو الذي تربطني به علاقة طيبة وأحمل له تقديراً كبيراً نظراً للعبء الهائل الذي نهض به في ظروف غاية في التعقيد تقدّم فيها الصفوف مع غيره من السادة أعضاء المجلس الانتقالي الذين تدافعوا على بنغازي محتضن الثورة فرادى بشكل عفوي تاركين مناصبهم السابقة بكل مزاياها تاركين شركاتهم ومصالحهم وتجارتهم و أهليهم وذويهم لا ليتقلدوا المناصب بل ليتصدروا الصفوف بوجوه مكشوفة وأسماء معروفة لم يأبهوا بتهديدات القذافي وتوعده هو وأتباعه ووسائل إعلامه بالانتقام من أعضاء المجلس الانتقالي ومن أسرهم والتنكيل بهم .
هذا كله لم يفت في عضد أعضاء المجلس الانتقالي الذين يمثلون ليبيا كلها .هؤلاء هم رفاق الاستاد مصطفى عبد الجليل عاشوا معا وأنا كنت معهم.
ترشيحي للمجلس الانتقالي وانضمامي له لم يكن بدعم أو ترشيح من أي جهة عدا أهلي في تاجوراء ولما اشترط المجلس أن يكون الترشيح من المجالس المحلية قام المجلس المحلي طرابلس بترشيحي صحبة أعضاء المجلس الوطني الانتقالي عن طرابلس ( الدكتور الأمين بالحاج والمهندس عبدالرزاق العرادي – ومحمد طرنيش رحمه الله والذي استبدل بالدكتور عبدالرحيم الكيب والدكتور محمد الحريزي والاستاد الصديق الكبير ) كانت أياماً قاسيةً لكنها تاريخية.
ليبيا كلها في أعناقنا والضغوط فوق ما نتحمل لكننا قررنا ألا نخذل انتفاضة شعبنا ودماء الشهداء والجرحى والمبتورين والمفقودين . لم يكن هناك تصنيفات ولا تحزبات ولا تكتلات . بالطبع كانت هناك أخطاء و كان هناك أعضاء لهم خلفيات سياسية وفكرية و أيديولوجية وهذا أمر طبيعي .لكن الجميع كانوا تحت سقف ليبيا و في إطار أجندة الوطن و إنجاح ثورة شعبه في ظل ظروف معقدة شديدة القسوة و تدخلات إقليمية ودولية و مصالح دول كبرى.
أنا لا أشكك أبداً في نزاهة المستشار مصطفى عبد الجليل أو أطعن في وطنيته فهذا ليس من خلقي ولا ينبغي له وقد كنا رفاقاً في قارب واحد تتقاذفه رياح عاتية كنا أصحاباً في محراب الوطن .أرواحنا على أكفنا . ولو فشلت الثورة لا قدر الله كنا سنعلق على أعواد المشانق.
فكيف نطعن في بعضنا بعضاً اليوم . وهنا أستحضر قول النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم ( حتى لايقال أن محمداً يقتل أصحابه ) .انتقادي الأساسي لما أورده الاستاد مصطفي عبد الجليل في لقائه التلفزيوني الأخير مع السيدة هدى السراري انتقادي أنه لم يراع موقعه السابق وحساسية شهادته في مرحلة دقيقة من تاريخ ليبيا وشهادته يعتد بها.
يجب أن تكون شهادة مرتكزة على وثائق و محاضر ووقائع مسجلة وليس على مجرد ذاكرة وانطباعات تشوبها للأسف النوازع والخلافات الشخصية والغرضية وإطلاق الأحكام دون تريث وتؤدة .
هنا أنا لست في معرض الدفاع عن أي فصيل أو تيار أو تكتل . وهنا أود أيضاً أن أقول إننا أحيانا نختلق مشاكل و نفتعل مشاهد ونخترع معطيات لا تمت للواقع بصلة فقط مجرد تقليد أعمى لبيئات مجاورة لها خصوصيتها ومعطياتها . أما الإلحاح على خلق فزاعات يروج لها الإعلام المؤدلج والإعلام ذو الدفع المسبق المتلون بتلون مموليه يحتطب حيثما يحتطبون ويميل حيثما يميلون ويدين حيثما يدينون ويهجو حيثما يهجون ويمتدح حيثما يمتدحون .
كان حرياً بالاستاد عبد الجليل أن يتريث في شهادته وينسّق ويراجع مع الأشخاص الذين كانوا يسجلون أولاً بأول المحاضر في كل الاجتماعات .وأذكر انه كان يقوم بهذا العمل في البداية د.علي سعيد البرغثي ثم الأستاذ مصطفى المانع و أيضاً الأستاذ أحمد عبدربه العبار كان حريصاً على التدوين ويبدو أنه ورث هذه المكنة عن جده المجاهد الكبير عبد الحميد العبار ..
إن اعتماد الاستاد مصطفى عبد الجليل على ذاكرته و توظيفه لشهادته للنيل من خصوم ابتدعهم هو من مخيلته وقد كانوا رفاقاً له ولم يعتمد على أدلة ولا وثائق جعل من حديثه مبتورا لا يعوّل عليه.
إن الاختيارات مثلاً داخل المجلس الانتقالي كانت تتم بطريقة ديمقراطية وبالتصويت المباشر العلني. مثلا اختيار الاستاد الصديق الكبير جاء بترشيح مني – حيث كنت عضواً في اللجنة المالية والاقتصادية برئاسة الاستاد احمد العبار وعضوية دكتور مصطفى الهوني والأستاذ أبو نعامه رحمهما الله، إلى جانب السيد الصديق الكبير – لمعرفتي بالرجل وقدراته ونزاهته ومكانته في المحافل المالية الدولية.
لم يكن اختياره بأهواء أو وفق أمزجة وتوجهات إنما كان نتيجة إخفاق المحافظ السابق للبنك المركزي وفشله في إدارة هذا المرفق الحيوي الخطير وفتح تحقيق معه بحسب ماعرض السيد رئيس المجلس الانتقالي نفسه. في اليوم الأول تمّ تقديم اسم السيد الكبير في محضر رسمي. وفي اليوم الثاني تمّ الاعتراض على المحضر من قبل ثلاثة أعضاء من المجلس، فتم اللجوء إلى التصويت، وتمً اختيار السيد الكبير محافظاً للمصرف المركزي . هذه هي الحيثيات دون زيادة أو نقصان.
بل تبيّن لي فيما بعد أن السيد مصطفى عبد الجليل كان يقف أحياناً ضد شبه الإجماع من المجلس واختياراته في هذه الواقعة وتحديدا عند اختيار أول رئيس حكومة بعد المكتب التنفيذي والتحرير حيث كنت متحمساً أنا شخصياً وعدد غير قليل من أعضاء المجلس للسيدين الدكتور عمر الناكوع و الدكتور محمود الفطيسي. وكانا ماقدماه يعدّ أفضل خارطة طريق لليبيا في تلك المرحلة. تحمس لها معظمنا خاصة أن مقدمها ينتمي إلى جيل الوسط وله رؤى مبتكرة وأفكار غير تقليدية وحماس و حيوية . وقد تحمس أيضاً لخطة السيد الناكوع بشكل كبير عضوا المجلس الانتقالي الأستاذان عبد الحفيظ غوقه و الدكتورفتحي البعجة، وتفاجأنا حينها بانسحابهما، وقال الاستاد عبدالحفيط غوقة حينها لا نقبل انسحابهما هذا وطن وهذه خطة ممتازة علينا إرغامهما. حينها اعترض السيد أحمد العبار وقال لا يمكن أن نرغم أحدا على العمل.
اعتقدنا حينها أنهما انسحبا لأسباب شخصية لنكتشف بل لأكتشف أنا شخصياً أن السيد مصطفى عبد الجليل هو الذي دفعهما للانسحاب حين استدعاهما دون تنسيق مع المجلس ليفسد على ليبيا أفضل خارطة طريق ربما كانت جنبتنا كثيرا من المآسي التي نعاني منها اليوم.
إنني أدعو السادة أعضاء المجلس الانتقالي خاصةً أولئك الذين كانوا يدونون ويثقون أن يدلوا بشهاداتهم على تلك المرحلة الفارقة، ليعلم الناس الحقائق مجردة عن الشخصنة والغرضية والرغبة في التشويه والتخوين.
كنا نتوقع أن يتم تكريم أعضاء المجلس الانتقالي لا أن يتم تشويههم والنيل منهم وإلصاق تهم غير حقيقية بهم. و إنه لمن المخجل أن يدان الذين قدموا أرواحهم وتصدروا الصفوف في ثورة فبراير وجهروا بمحاربة النظام السابق مضحين بكل ما يملكون، فهل يكون جزاؤهم الجحود والنكران والتشويه ومكابدة العيش والعجز عن العلاج وتكاليف الحياة ليشمت فيهم أعداء الثورة و أتباع حكم الظلم والفجور.
أقول للمستشار مصطفى عبد الجليل إن ليبيا ليست بحاجة إلى مزيد من التشرذم والتشظي والتخوين وتوزيع التهم دون أدلة، والإساءة إلى الآخرين لمجرد الخلاف معهم أو عدم تقبلهمـ ليبيا بحاجة إلى من يضمد جراحها لا أن يعمق تلك الجراح بحاجة إلى من يوحد صفوفها لا أن يشق تلك الصفوف، إنّ ليبيا تقوى بقوة أبنائها وتعلو بعلوهم عن الصغائر وعن الأحقاد وعن إلصاق التهم بالآخرين دون وجه حق.. ليبيا تستوعب كل مكوناتها وتزهو بهم و تترسخ أوتادها، وليبيا لا تضيق بتنوع الأطياف وتباين الأفكار بل تشتد منعتها و يزداد إبداعها وإنتاجها الحضاري . ليبيا ليست بحاجة إلى مزيد من الخلاف والشقاق ليبيا في حاجة إلى مزيد من المواءمة والوفاق.
لقد أهدرنا سبع سنوات في تعميق الخلافات وإذكاء الصراعات و تصنيف الناس هذا جهوي، هذا إخواني، هذا أزلام، وشرقاوي وغرباوي، كلها خطابات بغيضة مقيتة لا طائل من ورائها سوى تعميق الأحقاد واستنبات الفتن بين شرائح الشعب الليبي و أطيافه.
للأسف هناك وسائل إعلام وفضاءات النت تذكي الفتن والصراعات والتصنيفات بغير وجه حق، والوطن يعاني: لا تنمية لا بناء لا تقدم لاسيولة لا اقتصاد قوي لا بنية تحتية.. معاناة الناس تتضاعف ومكابدتهم للحياة تزداد بينما نحن ننهمك في شق صدور الناس وإلصاق التهم بهم، تهم جاهزة فقط توزع بالأوامر المشبوهة المدفوعة الثمن.
ليبيا تريد من ينقذها بتبني خطاب المصالحة وتوحيد الصفوف والبحث عن مواطن الاتفاق بين الليبيين والتأكيد عليها وتجاوز نقاط الاختلاف وعدم الإلحاح عليها وتأجيجها كما يحدث اليوم في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي .
كفانا مضيعة للوقت وللجهد بل الأخطر من ذلك كفانا إسالة للدماء و إزهاقاً للأرواح .. لنتفق على إغلاق باب الجحيم هذا الذي يحرقنا كلنا ولا يتعامل معنا بحسب التصنيفات البغيضة.
التدوينة عذراً يا صديقي الأستاذ مصطفى عبد الجليل ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.