طرابلس اليوم

الاثنين، 6 مارس 2017

جريمة قتل

,

قصة قصيرة للكاتب: فرانز كافكا

ترجمة : عطية الأوجلي/ مترجم ليبي

الأدلة تشير إلى أن جريمة القتل وقعت كالتالي:

كانت التاسعة ليلا وتحت ضوء القمر عندما اختبأ القاتل “شمار” عند زاوية تقاطع شارعين. كان يعرف أن الضحية “فيز” سينعطف عندها كما يفعل كل مساء. ورغم شدة البرودة فلم يكن شمار يرتدي سوى سترة زرقاء خفيفة مفتوحة الأزرار. لم يشعر بالبرد، كان يتحرك باستمرار.

أحكم قبضته على سلاحه الذي بدا كنصف حربة ونصف سكين مطبخ. تأمله في ضوء القمر، لمع بريق الحافة الحادة، لم يحس بالرضا. دعك السكين على حافة الرصيف حتى تطاير منه الشرار. ثم انحنى ومرره على قاعدة حذائه كعود كمان. ارتكز على ساق واحدة وهو يصغي إلى صوت السكين ولأي صوت آخر قد يأتي من ذاك التقاطع المصيري.

لماذا سمح “بالاس”، ذاك المواطن الذي راقب كل شيء من نافذته في الطابق الثاني، للأحداث أن تقع؟… هذا لغز الطبيعة البشرية..!

وقف بالاس بجسده البدين وياقته المنتصبة، وعباءته الأنيقة يتطلع ويهز رأسه بينما على بعد نحو خمسة منازل من الجانب الآخر للشارع، كانت زوجة فيز تتطلع من النافذة بانتظار زوجها الذي تلكأ متأخرا على غير عادته. كان معطف من فرو الثعلب يغطي قميص نومها.

وأخيرا، تعالى صوت جرس الانصراف عند مكتب فيز، كان رنينه عاليا، أكثر من المعهود لمثل ذلك النوع من الأجراس، تعالى حتى وصل السماء. حينها غادر فيز العامل الليلي المثابر مبناه. كان لا يكاد يُرى في الطريق، يحثّه صوت الجرس، ويردد الرصيف وقع قدميه. انحنى بالاس بقامته إلى الأمام، لم يكن ليريد أن يفوته شيئا. أوصدت السيدة فيز نافذتها عن سماعها لصوت الجرس. بينما جثى شمار على الأرض، لامسا بوجهه ويديه سطح الرصيف. كان البرد قارصا و لكنه كان يتقد من الحر.

عند التقاطع، توقف فيز لبرهة فيما امتدت عصاه نحو الشارع الأخر. وفي رغبة مفاجئة أغوته سماء الليل بزرقتها الداكنة الذهبية. وبتلقائية حدّق بها، رفع قبعته ليتحسس شعره. لا يوجد ما ينبأ بمصيره المحتوم. كل شيء من حوله كان كالمعتاد مبهما وتافها. كان من المتوقع أن يواصل (فيز) سيره، لكنه خطاه قادته حيث السكين القاتلة.

– “فيز!” صرخ شمار وهو ينتصب على حافة أصابع قدميه، مشرعا ذراعه…

– “فيز!… لن ترى (جوليا) ثانية!”…

خفض سكينه بحدة لتطعن عنق فيز مرتين، ومرة ثالثة أحشائه… أطلق فيز صوتا كصوت الجرذان حين تُنحر …”انتهى الأمر”، قال “شمار” ثم حذف السكين، الملطخة بالدماء نحو أقرب دار.

“نشوة القتل! الإنعتاق، الانتشاء الغامر لإراقة دم الآخر!… فيز،… أيها المتسكّع في الليل كعهدك، فيز يا صديقي، يا جليسي في الحانات، ها أنت تتسرب في تربة الأرض الداكنة. لِما لم تكن مثانة من الدم لتتلاشى تحت ضغط أقدامي؟… ليس كل ما نتمناه يتحقق، ولا تعطي كل الأحلام ثمارها… هاهي أشلاؤك تُرمي هنا.. وها أنت لا تبالي بالركلات…لكن ما فائدة كل هذه التساؤلات الساذجة؟”

– “شمار! شمار! لقد رأيت كل شيء”…

صرخ بالاس وهو يختنق من الرعب… حدق كل منهما في الأخر… أحس بالاس بالرضا، بينما لم يبد شمار شيئا… حضرت السيدة فيز مسرعة، يرافقها حشد من كل جانب، بدا وجهها وقد شاخ من الصدمة، كان معطف الفرو مشرعا… تهاوت فوق جسد القتيل… التحم الجسدان، في ما بدا الفرو الذي كساهما ناعما كسطح قبر… قاوم شمار بصعوبة الغثيان الذي انتابه،… ضغط بفمه على كتف رجل الشرطة الذي بأناة،… اقتاده بعيدا.

التدوينة جريمة قتل ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “جريمة قتل”

إرسال تعليق