شكري الحاسي/ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إنَّ الإنسان مدني بطبعه ، اجتماعي بفطرته، لا يحلو له إلا أن يكون حلقة من حلقات في سلسلة يتعاطى ويتفاعل مع الآخرين ، ولهذا كان الإسلام حريصاً على النَّسيج الاجتماعي بين الجماعات البشرية حتَّى لو كانوا مختلفين عقدياً ، وفكرياً ؛ وذلك لترسيخ التَّعايش بين تلك الفئات ، ولقد شهد التَّاريخ أول وثيقة دستورية للتَّعايش بين المسلمين ، واليهود في مرحلة لا تعرف إلا الصراعات ، والحروب ، والنهب ؛ لأتفه الأسباب ، وعاش اليهود في ظل تلك الدولة ، وبناءً على ذلك الدستور ، وما تم إجلاؤهم إلا لما خانوا العهد والميثاق ، ولقد عاشوا هم ، ومن جاء بعدهم في ظل تلك الدولة بكرامة ، وعدالة ، وما قصة القبطي مع عمرو بن العاص عنا ببعيد . وتلك شهادة التَّاريخ تشهد بحماية ممتلكاتهم ، ومعابدهم بل إنَّ بقاء أكبر الكنائس في العالم الإسلامي إلى يومنا هذا ؛ خير شاهد على ذلك . ولعلَّ هذا يكون من باب أولى في حق التَّعايش للطوائف ، والفرق الَّتي تنتمي إلى الإسلام . إنَّ الغرب اليوم لا شك يمثل إنموذجاً لذلك التَّعايش ، والتعدد ولقد يعجب الإنسان اليوم إلى حد التَّخلف الذي وصلنا إليه اليوم ؛ حين نشاهد الهند تتعدد فيها الأديان ، بل الآله ، والملل فلكل أحد أن يعبد بقرة أو فأراً أو فرجاً ..! تجد المسلمين من الدِّين الواحد بل المذهب الواحد بل المشهور في المذهب ؛ في قتال وشجار وتنابز بل ، وتكفير بعضهم البعض …؟! تساؤلات تحتاج لتفسير . هل هي مُصيبة عقول ، وتخلف ، وقصور في الأفهام . لكن في النَّهاية الإسلام يحمل هذا التشوه الفكري . ورحم الله الإمام محمد الغزالي : إنَّ نصف كُفَّار العالم يحمل أوزارهم مسلمون متدينون بغَّضوا الله إلى خلقه بسوء أفعالهم ، وأخلاقهم . وأزيد وسوء تصوراتهم ، وعقولهم .! ويقول ابن تيمية رحمه الله : وأَنَّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِمَاعِ الدِّينِ : تَأْلِيفَ الْقُلُوبِ وَاجْتِمَاعَ الْكَلِمَةِ وَصَلَاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } وَيَقُولُ : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } وَيَقُولُ : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ الَّتِي تَأْمُرُ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف وَتَنْهَى عَنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ . وَأَهْلُ هَذَا الْأَصْلِ : هُمْ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ كَمَا أَنَّ الْخَارِجِينَ عَنْهُ هُمْ أَهْلُ الْفُرْقَةِ .28/51 .. وعند قوله صلى الله عليه وسلم قال أيضاً : { الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ } وَسُمُّوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ الِاجْتِمَاعُ وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ.الفتاوى.3/157.
وفي موطن آخر يقول : من البدع التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله: مثل أن يقال للرجل: أنت شكيلي أو قرفندي. فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان ، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأئمة لا شكيلي ولا قرفندي ، والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول : لا أنا شكيلي ولا قرفندي ؛ بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله .
ويقول رحمه الله في حفاظه على وحد ة الأمة : وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ أَوْ الْفَاجِرِ كَالْجُمُعَةِ الَّتِي إمَامُهَا مُبْتَدِعٌ أَوْ فَاجِرٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ جُمُعَةٌ أُخْرَى فَهَذِهِ تُصَلَّى خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاجِرِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ . الفتاوى ./ 3/280.
التسمي بها مثل انتساب النَّاس إلى إمام ؛ كالحنفي ، والمالكي ، والشافعي ، والحنبلي ، أو إلى شيخ كالقادري ، والعدوي ، ونحوهم ، أو مثل الانتساب إلى القبائل : كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري .
فلا يجوز لأحد أن يمتحن النَّاس بها ، ولا يوالي بهذه الأسماء ، ولا يعادي عليها ، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان . وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَةٌ . وَأَنَا كُنْت مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَأَزَلْت عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْوَحْشَةِ وَبَيَّنْت لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ . الفتاوى .3/227
فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد – صلى الله عليه وسلم – أن تفترق وتختلف ، حتَّى يوالي الرجل طائفة ، ويعادي طائفة أخرى بالظن ، والهوى بلا برهان من الله تعالى ، وقد برأ الله نبيه – صلى الله عليه وسلم – ممن كان هكذا .
فهذا فعل أهل البدع ؛ كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم .
وأما أهل السنة والجماعة ؛ فهم معتصمون بحبل الله ، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه ، وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله ، ويؤخر من أخره الله ورسوله ، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض النَّاس إلى أن يضلل غيره ، ويكفره ، وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب ، والسنة ، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين ؛ فليس كل من أخطأ يكون كافراً ، ولا فاسقاً ، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول – صلى الله عليه وسلم – والمؤمنين : {رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسينا أوْ أخْطَأنا } ، وثبت في (الصحيح) أن الله قال : قد فعلت .الفتاوى . 3/415-421.
ويقول أيضاً : ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقاً مشروعاً، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة حتى زجرهم عن الاختلاف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، وقال: (كلاكما محسن) ، ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة… إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، وإن كان قد يقال : إن بعض أنواعه أفضل . النتخب من كلام ابن تيمية . 1/191.
وهذا القسم – الذي سميناه اختلاف التنوع – كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد ، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه…)
ويقول ابن تيمية أيضاً في حديثه على جمع الناس على المجمل من الدين دون التفاصيل التي قد تؤدي إلى تفرق وتناحر : ” فَإِنَّ الْإِيمَانَ الْمُجْمَلَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَمْرِ الْمعَادِ يَكْفِي فِيهِ مَا لَمْ يَنْقُضْ الْجُمْلَةَ بِالتَّفْصِيلِ وَلِهَذَا اكْتَفَوْا فِي هَذِهِ الْعَقَائِدِ بِالْجُمَلِ وَكَرِهُوا فِيهَا التَّفْصِيلَ الْمُفْضِيَ إلَى الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ بِخِلَافِ الشَّرَائِعِ الْمَأْمُورِ بِهَا ” الفتاوى. 20/99
ثم يضيف فيقول : فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف ، وَنَهَى عَنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ وَرَبُّنَا وَاحِدٌ ، وَرَسُولُنَا وَاحِدٌ ، وَكِتَابُنَا وَاحِدٌ وَدِينُنَا وَاحِدٌ ؛ وَأُصُولُ الدِّينِ لَيْسَ بَيْنَ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِيهَا خِلَافٌ ؛ وَلَا يَحِلُّ فِيهَا الِافْتِرَاقُ . الفتاوى .3/205
وَهَذَا الْبَابُ قَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ ؛ وَيَقُولُ هَذَا : أَنَا حَنْبَلِيٌّ وَيَقُولُ هَذَا : أَنَا أَشْعَرِيٌّ وَقَدْ أَحْضَرْت كُتُبَ الْأَشْعَرِيِّ وَكُتُبَ أَكَابِرِ أَصْحَابِهِ : مِثْلَ كُتُبِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَانِي وَأَحْضَرْت أَيْضًا مِنْ نَقْلِ مَذَاهِبِ السَّلَفِ : مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَشُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ وَأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اعْتِقَادٍ وَاحِدٍ .الفتاوى .3 /205
مَا زَالَتْ الْحَنَابِلَةُ وَالْأَشَاعِرَةُ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ مُتَّفِقِينَ غَيْرَ مُفْتَرِقِينَ حَتَّى حَدَثَتْ فِتْنَةُ ” ابْنِ القشيري .الفتاوى . “4/17
وفي نص ثمين يوضح فيه مجدد السلفية الأول حقيقة وما يترتب عليه ومآلاته وأن وحدة الأمة مقدمة على السنن والمستحبات إن كان في وجودها تفريق لوحدة المسلمين فيقول : وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إلَى تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ بِتَرْكِ هَذِهِ الْمُسْتَحَبَّاتِ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ التَّأْلِيفِ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ فِعْلِ مِثْلِ هَذَا كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغْيِيرَ بِنَاءِ الْبَيْتِ لِمَا فِي إبْقَائِهِ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَكَمَا أَنْكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى عُثْمَانَ إتْمَامَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ صَلَّى خَلْفَهُ مُتِمًّا . وَقَالَ الْخِلَافُ شَرٌّ .الفتاوى .2 2/ 407.
وإني أُكرر عجبي هل المدرسة السلفية المعاصرة تنسب إلى هذا العلم .ظ! ؟ أشك بل وأجزم لا .
التدوينة فقه الاجتماع ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.